تعرضت أدوات العمل السياسي والدبلوماسي إلى الكثير من التغيرات التي غيرت الكثير من القوانين، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، ودخول التكنولوجيا في أهمية صنع القرار السياسي، فقد تصاعدت الأحداث التي أدت إلى ضرورة تغيير مبدأ السيادة الدولية بين الأمم، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، وأصبح هذا المبدأ ضعيفًا جدًّا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية شن الحرب على العراق وأفغانستان، وإعلانها الحرب على الإرهاب والجماعات المسلحة، وبهذا أصبحت الورقة التي تدخل من خلالها في الشؤون الداخلية للدول.

أما بعد إعلان تنظيم داعش السيطرة على أراضٍ واسعة بين العراق وسوريا. شكلت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفًا دوليًّا لردع الإرهاب، ودحر التنظيمات المسلحة والمتطرفة، مثل «داعش أو أنصار الإسلام»، وغيرها من التنظيمات المتطرفة التي تهدد سلامة ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا شرع الكونغرس الأمريكي بتشريع قانون «جاستا» رغم المعارضة الشديدة من القيادة الأمريكية، من أجل ضمان التعويضات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على الدول التي تساند الإرهاب، أو الجماعات والمنظمات الإرهابية الموجودة في دول عديدة.

وفي حديثنا عن موضوع «قانون جاستا» أو ما يسمى «بقانون العدالة ضد الإرهاب» كما هو موضح في مادته الأولى، فقد أشار الكثير من السياسيين الدوليين والدبلوماسيين أن نصوص هذا القانون، سوف تشكل مصدر قلق كبير للدول التي تعترض على مبدأ إضعاف الحصانة السيادية والدبلوماسية، باعتباره المبدأ الذي يحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين.

فقد أشارت المادة الأولى إلى أن «الإرهاب الدولي» يعتبر مشكلةً خطيرةً تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. فيما اعتبرت المادة الثانية، أن الإرهاب الدولي يؤثر سلبًا في حركة التجارة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره يلحق ضررًا بالتجارة الخارجية، وينسف استقرار السوق، ويضيق على حركة سفر المواطنين الأمريكيين إلى خارج البلاد، وعلى قدوم الزائرين الأجانب إلى الولايات المتحدة.

أما المادة الثالثة، فاعتبرت بعض المنظمات الإرهابية الأجنبية (دون أن تسميها) تنشط من خلال أفراد أو مجموعات تابعة لها في جمع مبالغ ضخمة خارج الولايات المتحدة، وتوظيفها لاستهداف الولايات المتحدة.

أما المادة الخامسة قالت إن الأشخاص، أو الجهات، أو الدول التي تساهم، أو تشارك في تقديم دعم، أو موارد سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر لأشخاص، أو منظمات تشكل خطرًا داهمًا، وارتكاب أعمال إرهابية تهدد سلامة مواطني الولايات الأمريكية، أو أمنها القومي، أو سياستها الخارجية، أو اقتصادها، يتوقع جلبها للمثول أمام المحاكم الأمريكية للرد على أسئلة حول تلك الأنشطة.

واعتبرت المادة السادسة، أن لدى الولايات المتحدة الأمريكية مصلحة حقيقية في توفير الأشخاص أو الجهات التي تتعرض للإصابة جراء هجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة بالمثول أمام النظام القضائي من أجل رفع قضايا مدنية ضد أولئك الأشخاص، أو الجهات، أو الدول التي قامت بتقديم دعم سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر إلى أشخاص، أو منظمات تعتبر مسؤولة عن الإصابات التي لحقت بهم.

الغرض من القانون هو: توفير أوسع نطاق ممكن للمتقاضين المدنيين تماشيًا مع دستور الولايات المتحدة، للحصول على تعويض من الأشخاص والجهات والدول الأجنبية التي قامت بتقديم دعم جوهري سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لأفراد أو منظمات تعتبر مسؤولة عن أنشطة إرهابية ضد الولايات المتحدة.

وأكدت الفقرة الثالثة من القانون: مسؤولية الدول الأجنبية عن الإرهاب،
فلن تكون هناك دولة أجنبية محصنة أمام السلطات القضائية الأمريكية في أي قضية يتم فيها المطالبة بتعويضات مالية من دولة أجنبية نظير إصابات مادية تلحق بأفراد، أو ممتلكات، أو نتيجة لحالات وفاة تحدث داخل أمريكا، وتنجم عن فعل إرهابي، أو عمليات تقصيرية، أو أفعال تصدر من الدول الأجنبية، أو من أي مسؤول، أو موظف، أو وكيل بتلك الدولة أثناء فترة توليه منصبه، بغض النظر عن هذه العمليات.
ومنحت هذه المادة المواطن الأمريكي حق تقديم دعوى ضد أي دولة أجنبية.

وبهذا يفتح القانون الأمريكي الجديد الباب أمام دول أخرى ومن بينها السعودية لاستصدار قوانين مماثلة، إذ باستطاعة هذه الدول اللجوء لمبدأ «المعاملة بالمثل»، الذي يحكم العلاقات الدبلوماسية، من أجل الرد على هذا الإجراء. وقد حذر الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»، وكبار السياسيين الأمريكيين من أن هذا القانون لا يخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى حد قوله: «إذا أفسحنا المجال أمام أفراد أمريكيين لمقاضاة الحكومات بشكل مستمر، فإننا سنفتح الباب أمام مقاضاة الولايات المتحدة من قبل الأفراد في بلدان أخرى».

ومن خلال ما نراه في موضوعنا الذي أصبح له جدل واسع بين الأوساط الدولية، نرى أن الإدارة الأمريكية تحاول تنظيم محطة جديدة لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بعد «الفوضى الخلاقة»، فهل سنشهد تغيرات جديدة فعلية؟ رغم التحذيرات التي تنادي بها الدول ومن ضمنها «السعودية» من المشاكل والتأثيرات التي يصرحها تطبيق قانون «جاستا» في العلاقات الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد