أحيانًا يبحثُ المرءُ عن مخرجٍ لما يعانيه من أزماتٍ في كلِّ ما حوله، ولكنه في ذات الوقت يغفل عن البحث فيما بين يديه من أسبابٍ يَشْعَبُ بها الصَّدعَ ويرأبُ القَطْعَ. وهذا المسلك إن حدثَ مرةً أو مرتينِ فلا بأس به من باب التنوعِ في معالجة الأمور، أما في حالِ الديمومةِ عليه كمنهجٍ أصيل، فهذا هو الخلل الذي يستوجب التقويم.

في الكثير من المواقف قد ينشغل الشخص بالبحث عن حلٍ لمُلِمَةٍ أو ضائقة، وقد جرَّد عنايته وركِبَ الصعبَ والذلولَ ليحُلَ عقدتها، ويغفل أو يتغافل عن طريقةٍ ميسورةٍ للحل. لقد اعتاد البعض على التعامل مع الأمور وكأنها شديدة الوعورة وموغلة الخطورة، وهو ما يذكرنا بما كان من البحارة في عرض البحر وقد نضب ما معهم من الماء، وكشّر لهم العطشُ عن نابِه، وأوشكوا على الهلاك. ذهب كلٌّ منهم يتطلعُ إلى الأفق؛ يلتمسُ بارقةَ أملٍ تُطفِئُ نار الموتِ المرتقب. وبينما هم على هذا الحال؛ إذ بسفينةٍ تلوحُ في الأفق فأمّ كُلُّ واحدٍ من البحارةِ فائِدةَ السفينة وأمّلَ عائِدتها، فأسرعوا إلى قبطانِهم ليغتنمَ الفرصةَ السانحة؛ فوافقَ ذلكَ ما كان يرجوه القبطان، فقام القبطانُ على الفور بإطلاقِ نداءِ استغاثة للسفينةِ البعيدة. ونادى القبطانُ بكل ما أوتي من قوة: النجدة! يموت رجالي من العطش! أنجدونا! فجاءه الرد من السفينة البعيدة: ألقوا دلائكم حيث أنتم! فظنَ القبطانُ أن الأمر قد التبسَ عليه الأمر؛ فنادى للمرةِ الثانية: النجدة! يموت رجالي من العطش! أنجدونا! وإذ بالرد الأولِ من السفينةِ البعيدةِ يتكرر للمرةِ الثانية، وفي حالةٍ من الهياجِ والذهول أعاد القبطان النداء للمرة الثالثة، نفس نداء الاستغاثة ونفس الرد من السفينة البعيدة يتكرر. هنا أيقنَ القبطانُ الفوتَ وعاينَ الموتَ، وفي هذه الأثناء ألقى أحد البحارةِ دلوَه في يأسٍ مرير، وأخرجَ الدلو وتذوقَ طعم الماء، فإذا بالبحار يصيح في رفاقِهِ: ألقوا دلائكم حيث أنتم! ألقوا دلائكم حيث أنتم! الماءُ هنا عذبٌ زلال! لقد كانوا عند منطقةِ التقاء النهرِ بالبحر، ولأنهم لا يدركون ما خريطةَ المكانِ فقد كانوا على وشكِ الموت.

ما رأيُك يا صديقي! هل وقعتَ في أزمةٍ ما، وبحثتَ عن كل الحلول التي يمكنك تناولها إلا أن تفتشَ في دائرتِك القريبة؟! هل سمِعتَ مُحاضِرًا أو مدرب تنميةٍ بشريةٍ يصولُ ويجولُ في قصص الناجحين والعباقرةِ من الشرقِ والغرب، ويغُضَ الطرفَ عن القصص المشرقة في عالمنا العربي الرحيب؟! هذا واقعٌ يتطلبُ منك أن تهمِس في أذُنِهِ وتقول: ألقِ دلوكَ حيثُ أنت! لقد سطر الناجحون من شباب العرب ورجالاتهم الكثير والكثير مما لا يطويه النسيان، وعليه فإن الواحد منا إن كان يحمِلُ بين جنبيهِ همًا وهِمةً، ويتحرقُ قلبه حبًا لعروبتهِ، فعليهِ أن يستخدِم القصص التي تخدِم المغزى الذي يود إيصاله وأن يكون ذلك من واقِعِ البيئةِ التي يعيشها.

يحتاج منا الأمرُ أن يلقي كلٌّ منا دلوه حيث هو، وعندها سيجد ما تقر به عينه. انظر إلى هذا الشاب! لقد فقد عينه اليسرى! إنّ حاله يرثى لها! وهذا ما حدا ببعضِ أقارِبِه أن ينصحه بإشفاقٍ أن يلتزم باب المسجد يسأل الناس، كانت نصيحتهم له أن يمتهن التسول، لكنه قدّم برامج إذاعية وتلفزيونية!! هل استوعبت الفرق بين التصورين؟! تصورٌ رأى أن الشابَ الذي فقدَ كريمته لن يحقق أي نجاحٍ يذكر، ولهذا فقد تنكر له رفاقه وأشاحوا عنه بوجوههم؛ ليدخل الشاب في دوامةِ الصراع النفسي المرير، يتحسر على مآلهِ ويأسف على حاله. قضى الشاب 1095 ساعة من عمره في الأسى والحسرة! علي المرَّاني ابن قرية مرَّان التابعة لمدينة صعدة اليمنية قد سافر للمملكة العربية السعودية آملًا أن يجد فرصةً لتركيب عينٍ صناعيةٍ تغفر له عند الناس؛ لئلا ينفِرَ الناس من الوقوف معه ومجاذبتِه أطراف الحديث. ومع أنه ظل حبيس غرفته بجدة لسنواتٍ ثلاث، إلا أنه قرر أن يفعلَ شيئًا، لقد قرر أن يلقي دلوه في دلائِه، فما الذي كان بعد ذلك؟

بدأ علي المرَّاني بالكد كعامل نظافة، وتعرّف على المنتديات الالكترونية فبدأ مرحلةً جديدةً مع التدوين، سنحت له المنتديات بطرحِ أفكارِه التي نظر إليها الآخرون بعين العناية والرعاية، لاسيما وقد وجدوا في ظلامِ قلمِه نورَ فِكرِه؛ فذاع صيتُه ولمع لمعان البرقِ في الليلةِ القاحلة. طارت شهرته للصحف؛ فكتب بجريدةِ المدينة، وليحافظ على مكانته التي حققها فقد كان عليه أن يلقي دلوه في دلائِه مرةً بعد مرة؛ فكان يعملُ ثماني عشرة ساعةٍ يوميًا. اكتسب أصدقاءً جدد لا يكترثون بمظهره، وإنما اجتذبهم إليه رجاحة ما يعرض من فكرٍ وطرح، مالَ عليه أحدُ أصدقائِهِ الجدد وقال له: لِمَ لا تستثمِر صوتَك َ المؤثر في الإذاعة؟ تلقفَ المرَّاني هذه الفكرة باهتمام، وتقدّم لإذاعة جدة؛ فالتحقَ بالإعداد أولاً ثم قدّم برنامجه الخاص بعد ذلك.

جنحَ طموحُ المرَّاني إلى التقديم التلفزيوني! فبادرَ بالاشتراك في دورةٍ تدريبية في فنون التقديم التلفزيوني، واجتاز الدورة بنجاحٍ منقطِعِ النظير، وقد أثنى عليه المدرب فكان ذلك حافزًا له بأن يطلب من المدرب مساعدته في الأمر. تلكّأ المدرب لأنّ مظهر المرَّاني لا يتناسب مع الشاشة، ويمكنه التقديم من وراء حجاب! لكن المرَّاني عاد ليلقي دلوه حيث هو! وقد قرر ألا يستسلم أمام هذا العائق؛ فقدّم برنامجًا تلفزيونيًا ناجحًا، ثم توالت نجاحات الشاب على المرَّاني حتى لحظة قراءتكَ لهذا المقال.

عزيزي القارئ رسالتي إليك هى ألّا تبحثَ عن نجاحك بعيدًا، وأن تستثمر ملكاتك دون أن يكبِلُكَ الواقع، عليكَ أن تلقي دلوكَ في الدلاء! لتنعم بما سيصبح الأمر عليه، وستجد نفسكَ ترددُ بثقةٍ لا يخامِرها الشك «وعلمني السقوط ببئرِ نفسي بأنّ الماءَ في الأعماقِ أحلى». واسمح لي أن أكلِفُكَ بهذه المهمة الجليلة؛ ألا وهي أن تجتهِدَ قدر استطاعتكَ أن تضرب أمثلة النجاح والكفاح من هنا، من حيث نحن! من حيث العروبة؛ ليتسنى للشباب الذين قعدت بهم هِمَهُهُم أن يشمروا عن ساعد الجد، وليعلن كلُّ واحدٍ منهم باعتدادٍ وثقة: إنني ألقي دلوي حيث أنا!

قد يحتاج الواحدُ منا أن يذكره من حوله بأن يلقي دلوه في دلائِهِ؛ فإن كان ذلك كذلك! فكن أنت من يبعثُ الهِمم ويستنهض الأمم بهذه الكلمات القوية: ألقِ دلوكَ حيثُ أنت! ومن ذلك أن رجلاً من العرب قد حملَ عليه أحدهم ليقتله، وكان المحمولُ عليه بارعًا في الطعنِ بالرمح، وقد سدَّ عليه هول المفاجأة كلَّ سبيل، حتى أنه نسي الرمح الذي في يمينه. فطلبَ من المغيرِ عليه أن يأمنه؛ فقال له: لك ذلكَ بشرط! أن تُلقِي رُمحكَ، فصاحَ الرجل: وإنّ رُمحي لمَعي؟! فحمل على خصمِهِ بعد أن كان محمولاً عليه.

صديقي! فتش في كوامِنِ نفسِكَ عما تُسطّر به مجدك الذي لا تثْلِمُهُ الليالي والأيام، ولا تتحيَفُهُ الدهورُ والأعوام. لا تتشبث بحبالِ التعلل والأعذار، واحمل على الكسلِ بسيفٍ بتار؛ ليشرقَ اسمك كالشمسِ في رابعة النهار. وبرمج عقلك الباطن على البحث عن النقاط الإيجابية القوية داخلك، واحرص على أن تلقي دلوكَ حيثُ أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد