(1)

أما وقد وضعت الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة رحالها بنتائج كانت ذات دلالات عميقة، والتي كشفت عن قوة التحولات الجذرية دخلت في بُنية الدولة التركية الحديثة ونسيج مجتمعها وتركيبتها الإثنية الفاعلة في إطار كتلتها السياسية، بعد ثورة العدالة والتنمية المرتكزة في جوهرها على إستراتيجية “تصفير المشاكل” (زيرو مشاكل) سواء الداخلية منها أو الخارجية.

فكان من أبرز المشاكل الداخلية التي بدأت بها ثورة العدالة والتنمية إشكال تسلط العسكر على كل مؤسسات الدولة، وعلى الحياة السياسية من خلال شبكات معقدة من المصالح الناشئة على حساب المصلحة العامة تضم (لوبيات مصلحية) متناقضة في توجهاتها، متحالفة جميعًا في استنزاف الدولة بكل مقوماتها.

وهذا ما جعل العسكر عبر أدواته، التي كان أبرزها القضاء والإعلام، يفتك بأي قوة سياسية يستشعر منها الخطر على قدرة تحكُّمه في مقاليد الحكم والسيطرة، كما حلَّ بذلك حزب الرفاه وحكم على زعيمه البروفيسور نجم الدين أربكان بعدم ممارسة الحياة السياسية.

أو من خلال الانقلابات العسكرية لسحق نتائج أي انتخابات تفرزها إرادة الجماهير الحرة لا تتوافق مع مصالح العسكر واللوبيات الداعمة له أو المتحالفة معه، وقد شهدت تركيا عدة انقلابات كان أشهرها الانقلاب على الرئيس المنتخب عدنان مندريس وإعدامه في العقد السادس من القرن الماضي.

فقد كان لهذا رُبَّان ثورة العدالة والتنمية مُحقين وموفقين في بداية طريقهم الإصلاحي التغييري بتحصين إرادة الجماهير من سطوة العسكر والقوى المتحالفة معه، والعمل الجاد على تحرير الإرادة الشعبية من أية ابتزازات أو تدخلات تؤثر على نزاهتها وشفافيتها.

(2)

فهذا المبتدأ هو ما جعل الدولة التركية تتقدم في ميادين الإصلاح السياسي والاجتماعي بخطوات مشهودة ومتصاعدة في الأداء والنتائج، حتى تضاعف مستوى دخل الفرد بأكثر من أربعة أضعاف، فمن 2500$ إلى 10700$ في العام، وينطلق البحث العلمي والتطور الصناعي بشقيه العسكري والمدني، وتدخل الدولة التركية بوابة الدول المصدرة للصناعات العسكرية والمدنية والتقنيات الحديثة فتكون من الدول الأسرع نموًا في العالم، وثاني جيش في القوة في تحالف الناتو بعد الولايات المتحدة. وانتقلت الدولة التركية من الدولة المقترضة من الصندوق النقد الدولي إلى الدولة المقرضة له. وغير ذلك الكثير من القفزات النوعية التي حُققت.

وحين سُئل زعيم ثورة العدالة والتنمية “رجب طيب أردوغان” عن سر تقدمهم السريعة في مختلف المجالات الحيوية في الدولة التركية، قال: ’’بالأموال التي كانت تنفق في الفساد وجهتها نحو الإصلاح‘‘، هذه الجملة كشفت مفتاح المعجزة الحضارية المدهشة!

وبعد أن أتمت ثورة العدالة والتنمية هذا المنجز الوطني الهام، فإذا بها تنطلق بالدولة التركية لتكون فاعلة في محيطها الدولي؛ وتكون رسالة الشرق إلى الغرب، وبوابة الغرب إلى الشرق؛ فتعكس انسجاما حضاريا إنسانيا مع الجغرافيا والتاريخ، وتعيد صياغة المشهد السياسي وفق تلك الرسالة الحضارية، ويكون الدور المشهود لدولة التركية صاحبة المجد العريق والتي امتد سلطانها لقرون عديدة في مشرق الأرض ومغربها.

فلم تعد تركيا جسرًا للغرب نحو الشرق، ولا ممرًا لغزاة الغرب إلى الشرق، بل أصبحت محورًا هامًا يؤثر جذريًا في كل القضايا الكبرى في منطقة الشرق الإسلامي.

بل كان أيضا لهذا الدور الحيوي الذي تتمتع به الدولة التركية بعد انعتاقها من قيود الأنا ما أربك حسابات دول كثيرة تم تركيبها في المنطقة لخدمة أجندات خارجية وأخرى لها أطماع توسعية.

لهذا ليس بمستغرب حجم حملة التشويه الإعلامي والنيل من ثورة العدالة والتنمية وزعيمها رئيس الدولة التركية “رجب طيب أردوغان” ومنظرها الفذ أحمد داود أوغلو، أو بإثارة الفوضى عبر تحريك جماعات مُجنَّدة بأموال (بترودولارية) قادمة من قلب الصحراء في خدمة أجندات معادية للأمة التركية ومتخوفة من دورها المنشود لإعادة التوازنات في التركيبة الجيو/إستراتيجية في المنطقة، بعد أن ارتضت كثير من دولها المركبة لعب أدوار مشوهة ومشبوهة!

(3)

واستمرت ثورة العدالة والتنمية في تحقيق برنامجها (زيرو مشاكل) بشكل إيجابي وليس انسحابي سلبي، فهي واجهتها ولم ترتهن لها مطلقًا؛ فكان لها موقف واضح من دولة العدوان الصهيوني وما تقترفه من جرائم ضد الإنسانية على شعوب المنطقة ولا سيما الشعب الفلسطيني، والحصار الظالم الذي يعاقب به الفلسطينيون في غزة لتمسكهم بإرادة حقهم في الحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال، وتمسكهم كذلك بحق إرادتهم في تقرير مصيرهم بإرادة حرة لمن يمثلهم.

فكانت سفينة الحرية مرمرة لتدشين ممر مائي لكسر الحصار عن غزة، وكان الاعتذار المذل لدولة الكيان بعد (الولدنة الدبلوماسية) التي مارستها بحق سفير الدولة التركية، وكانت المعرة التي أوقع بها زعيم ثورة العدالة والتنمية رئيس دولة الكيان الثعلب الماكر(شيمون بيرس) في مؤتمر دافوس بعد حربه العدوانية 2008/ 2009 وتستمر تلك المواقف العزيزة في زمن الذلة والمهانة.

وأما بخصوص المحيط العربي والإسلامي فكان الموقف القوي المساند لمطالب الشعوب العربية بالحرية والعدالة والعيش بكرامة، بما سميت بـ (ثورات الربيع العربي)، واصطفت مع إرادة الجماهير العربية ضد الانقلابات العسكرية أو التحركات الخارجية، وكان أبرز تلك المواقف في الثورة السورية، ودعمها للرئيس المنتخب في مصر، ووقوفها الداعم لعودة المسار الشرعي الديمقراطي الذي أفرزته ثورة (11 فبراير) اليمينة.

كما دعمت دولة تركيا بكل قوة حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، وكان لها دور فاعل في وصول مسودة لوزان مع الدول (5+1)، وزادت حجم التبادل التجاري بنسب كبيرة، في الوقت نفسه عارضت تدخلات إيران في الشؤون الداخلية بشكلها السافر في العراق واليمن وسوريا.

(4)
وهكذا يسير قطار ثورة العدالة والتنمية يوازن بين مساريها الداخلي والخارجي، فالأخير بتوطيد العلاقات المتينة المبنية على صداقة الشعوب قبل النظم، والمسار الأول بالبناء ومراكمة الانجازات وحل الاشكالات الطارئة وتصفية القضايا العالقة، والتي كان أعقدها ملف الأكراد والنزعة الانفصالية عن الدولة التركية، وهو الملف الذي كلف الدولة التركية عشرات الآلاف من القتلى خلال عقود الصراع، واستنزف الخزينة العامة مليارات من الدولارات في حروب عديدة لم تزد الأمور إلا تعقيدًا.

وقد كان لثورة العدالة والتنمية رأي آخر- في هذا الملف وتلك القضية الشائكة- فقدمت الحوار المنفتح المتقبل للآخر، وجعلت لغة الحوار والتفاهم هي الحكم والفيصل، ووضعت السلاح جانبًا ليوجه فقط لخصوم الدولة التركية وأعدائها المتربصين بها.

واستمرت جولات الحوار الإستراتيجي المنفتح المتفهم للمطالب القومية للأكراد وحقوقهم السياسية ومشاركتهم الفاعلة في نسيج الدولة التركية، حتى كان النداء الذي أذَّن به زعيم الكردي عبدالله أوجلان يوجه به الثائرين بوضع السلاح والتوجه نحو صناديق الاقتراع والمشاركة الفاعلة في الدولة التركية.

فكان هذا الانجاز الأكبر على الصعيد الداخلي لثورة العدالة والتنمية بدخول الأكراد من خلال حزب الشعوب الديمقراطي تحت قبة البرلمان التركي بثمانين مقعدًا، لم يكن ليتجاوز هذا الحزب الناشئ من رحم المصالحة عتبة 10% ويحصل على 13% من أصوات الناخبين، لولا أن أفسح له حزب العدالة والتنمية المجال واسعًا ليمارس كل ألوان التنافس الحزبي في دائرة الكتلة الانتخابية التي تعدُّ معقل حزب العدالة والتنمية بإسطنبول ذات الثقل الانتخابي الذي يتجاوز خُمس المنتخبين في واحد وثمانين ولاية، حيث يوجد بها كتلة كردية وازنة بعد ديار بكر.

(5)

نعم، تأخر حزب العدالة والتنمية بتسع نقاط عن الانتخابات البرلمانية 2011، مُفسحًا المجال واسعًا ليُبرز أهم إنجاز لثورته (العدالة والتنمية) على الصعيد الداخلي المصالحة الوطنية في أهم اثنيَّتين في الدولة التركية (الأتراك والأكراد).

ومع ذلك يبقى متصدرًا بفارق خمسة عشرة نقطة عن ثاني حزب بعده وتكون حصته من النواب كذلك أكبر مما لأكبر حزبين بعده؛ حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية.

وهكذا تستحق الدولة التركية بجدارة أن تواصل المسير مبصرة بشعلة ثوار العدالة والتنمية لتكون في مصاف الدول الكبرى والدول الأسرع نموًا في العالم والدولة الأهم في المنطقة الإسلامية، وتواصل تحقيق البرنامج الثوري الهادف لأن تكون الدولة التركية الأولى في العالم في عام (2022).

لقد كانت ثورة العدالة والتنمية أول الفائزين، وكان حزبها العدالة والتنمية أول المتصدرين، وأكثر المضحين؛ لصالح الدولة والوطن والشعب!

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام القريبة: هل ستُقدِّر الأحزاب السياسية التركية هذه التضحية وتفسح المجال لتشارك بحكومة ائتلافية موسعة لمواصل ثورة النهضة ثورة عدالة والتنمية، أم سيتم الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد