في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، توجهت كالعديد من المغاربة لصناديق الاقتراع، وصوتت لحزب العدالة والتنمية، ليس إيمانًا بأيديولوجيته، ولا اقتناعًا ببرنامجه الانتخابي الذي كنت أعتبره متوسطًا، بل فقط أملًا في تغيير الأحزاب الكلاسيكية التي هيمنت على الساحة السياسية ولم تسمن ولم تغن من جوع. ظننت أنني سأصوت على حزب سيحترم صوتي ويدافع عن مكتسبات الربيع العربي ودستور 2011، ولكن ما لم أتوقعه يومًا أن الحزب الذي وضع المغاربة ثقتهم فيه سيشكل حكومة ضعيفة وعديمة الكيان.

فالحزب اليوم غير قادر حتى على بناء الانسجام مع الأحزاب التي تشاركه الحكومة؛ إذ لا يخفى على أحد الشرخ الواضح بين وزراء البيت نفسه، فرئيس الحكومة مغلوب على أمره، فالرجل لا يملك لا كارزما ولا شخصية قيادية، ولا حتى حنكة سياسية. فكيف يعقل أنه في مغرب اليوم مغرب الطاقات الشابة والمبدعة أن يكون على رأس الحكومة رجل غير قادر حتى على الحوار بطريقة جذابة وفعالة، وبدون شك ما ينطبق على هذا الأخير ينطبق على العديد من وزرائه.

فأكثر ما يزعجني في حزب العدالة والتنمية هو تمسكه بالبقاء في الحكومة، رغم كل الأحداث وخاصة البلوكاج الحكومي حيث كان من الأنسب له التنازل عن الحكومة من أجل الفوز باحترام وتقدير جميع المغاربة، والحفاظ على مبادئ الحزب عوضًا عن تشكيل حكومة ضعيفة ومهترئة، وبهذا القرار كان سيحافظ على وحدة الصف داخل الحزب. فالمغرب اليوم يحتاج لحكومة قوية تساير الأوراش الكبرى وتمتلك قوة إقراحية، ويكون لها وزراء قادرون على خلق التغيير المراد.

فمنذ تولي الحزب رئاسة الحكومة في نسختها الأولى لم نر من وزرائها أي حلول جذرية للمشاكل السوسيو اقتصادية للمغرب، فكل الحلول والمقترحات كانت سطحية وغير ناجعة، فرغم رفعهم شعار محاربة الفساد لم نر منهم اليوم إلا حربًا داخلية، فالحزب بحكومته وقف عاجزًا غير قادر على المضي قدمًا بخططه الإصلاحية التي تبين مع الوقت أنها غير فعالة ومجرد حبر على ورق.

فما يحزنني بصفتي شابًا مغربيًّا هو أن الصوت الذي وضعته في صناديق الاقتراع أخرج حكومة بهذا الشكل، حكومة لا تؤمن بالحوار، ولا بقيم الحداثة والديمقراطية. أتذكر جيدًا كيف اتهم بعض وزراء الحكومة المغاربة بعد مقاطعتهم لثلات شركات بأنهم يضرون الاقتصاد الوطني، وحاولوا بشتى الطرق إيقاف هذا المسلسل النضالي، لكن إرادة الشعب كانت أقوى من إرادة الحكومة؛ فنجح المغاربة في حملتهم، وفشلت الحكومة مرة أخرى في إفشال هذه الملحمة.

لا يمكن لأحد أن ينسى الدور الكبير الذي لعبه الربيع العربي في فوز حزب العدالة والتنمية، ولكن المفارقة العجيبة هو أن الحزب بحكومته وقف بالمرصاد ضد كل التحركات الاجتماعية في الشارع وانتقدها. فقد أبدع وزراء الحزب في الوقوف ضد كل المظاهرات والمطالب الاجتماعية للطبقات الوسطى والفقيرة، فكيف يعقل أن تكون ذاكرة الحزب ضعيفة وتتناسى دور الحراك الشعبي في صعوده إلى رئاسة الحكومة؟

نأخد على سبيل المثال تعامل الحكومة مع ملف طلبة الطب، فكيف يعقل أن وزارتين في قطاعين حساسين لم يتمكنا منذ أشهر من حل هذا الملف العالق، فالرجلان عند كل خروج إعلامي يزيدان من تفاقم المشكل، والدليل على ذلك هو ما وقع مؤخرًا، فبعد تصويت طلبة الطب بالغالبية على استكمال مقاطعة الدراسة، خرج وزير التعليم في البرلمان وهو يهدد ويتوعد الطلبة في مظهر يبين طريقة تفكير الرجل، الذي لا زال يؤمن بأساليب الترهيب والتخويف، فشتان بين شباب طموح يؤمنون بقضيتهم، ويدافعون عنها بكل الأساليب الديمقراطية الحديثة، ووزير غابت عنه الكفاءة اللازمة للتعامل مع هذا الملف فاختار لغة التهديد والوعيد.

من بين المؤشرات التي تجعل من هذا الحزب غير صالح للمغرب الحديث هو ما وقع للبرلمانية م.ع. التي بمجرد أن أخذت صورة بلا حجاب حتى قامت عليها الدنيا ولم تقعد داخل أسوار الحزب، ووصل الأمر حتى مطالبة البعض بتجميد عضويتها، بل أكثر من ذلك حرمانها من العديد من الصلاحيات بسبب ما وقع. فالسؤال المطروح هنا، كيف لحزب لديه مثل هذه العقلية أن يسير مغرب الحداثة والانفتاح، مغرب الديمقراطية والحريات الفردية؟

مغرب اليوم محتاج إلى طاقاته الشابة، محتاج الى بث نفس جديد داخل أسوار الأحزاب ومناصب المسؤولية، فلا يمكن استبعاد الشباب من موقع القرار خاصة الحاصلين على الشهادات العليا داخل وخارج أرض الوطن، يجب تغيير العقليات ووضع الثقة في من يستحق ذلك، وتغليب مصلحة الوطن على المصلحة الخاصة. اليوم الوضع الإقليمي المتشنج يلزم الحكومة أن تكون قوية وقادرة على الذهاب بسفينة الوطن إلى بر الأمان، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بوجود وزراء ورئيس حكومة يملكون من العلم والكاريزمة والحنكة السياسية ما يمكنهم من المضي قدمًا بعجلة التقدم والديمقراطية.

اليوم أكتب هذه الكلمات وأنا أتمنى صادقًا أن تكون الحكومة المقبلة قادرة على تحقيق طموحات الشعب المغربي، وأن ينتهي هذا الكابوس الذي نعيشه مع حكومة العثماني في أسرع وقت، وأن تمر هذه الفترة بدون جروح على المستوى الماكرو اقتصادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد