يقول الله عز وجل:”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”[1].

فما العدل الذي يأمر به الله ـ عز وجل ـ كأحد أصول ثلاثة أمر الله ـ عز وجل ـ بها في مقابل ثلاثة أصول نهى عنها؟

 

قيمة العدل في الإسلام:

العدل في اللغة:”ما قام في النفوس أنه مستقيم،وهو ضد الجور…وفي أسماء الله سبحانه:العدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم،وهو في الأصل مصدر،سمي به فوضع موضع العادل،وهو أبلغ؛لأنه جعل المسمى نفسه عدلا…والعدل الحكم بالحق”[2]،فإذا كان القضاء في أي مسألة لا يسمى حكما،إلا إذا كان صادقا،أي:مطابقا لحقيقة معتقد القاضي فيما عرض عليه من دليل ليقضي به في هذه المسألة،فإن الحكم لا يكون عدلا،إلا إذا طابق حقيقة الواقع المحكوم فيه،فلا ينفع الناظر في مسألة ما اكتفاؤه باطمئنان قلبه إلى حكمه الصادر في المسألة،فلا يقال إنه عادل،ولا يكون حكمه عادلا،ما لم يستوثق أشد الاستيثاق من موافقة حكمه لحقيقة الواقع؛فإن الإسلام لم يأت منهجا لأصحاب أبراج عاجية،يصدرون أحكاما نظرية لا تتوافق مع حقيقة الواقع من حولهم،بل لا بد لهم من معالجة أحوال محيطهم،ثم لا يصدرون أحكامهم عن أمر الله،إلا إذا اطمأنوا لموافقة التنزيل لمحل التأويل.

ومن أهم سمات شريعة الإسلام أنها لم تأت جامدة محددة مفصلة في جميع جوانب الحياة،بل جاءت في كثير من الأمور مرنة كلية شاملة؛لتحقق قيمة العدل،بجانب قيمة الصدق،عن طريق إعطاء المؤمن إمكانية التأويل،وهو تنزيل الحكم الكلي على الواقع الجزئي،بعد تفسير الكلي واستنطاق مقاصده،وتحليل الجزئي وعرضه على مقاصد الإسلام.

ومن ثم أخرج البخاري،وغيره،وبوب في صحيحه بنحوه:”قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ،خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ:مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ،وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي،وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ،لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ،حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ”[3]،فلو كان الإسلام دين صدق فقط،كانت إرادة الخير بالمؤمن أن يحفظ أوامر الله ونواهيه فينطق بها مؤمنا بحدودها،ولكن لما كان الإسلام دين صدق وعدل معا،وكان في علم الله ـ عز وجل ـ أن الرسالات تختم بالقرآن،وأن التشريع المحدود ممتد عبر الزمان والمكان معالجا قضاياهما غير المحدودة،كانت أهمية الفقه،وهو الفهم العميق؛كي يستخرج المؤمن من أحكام محدودة أحكاما غير محدودة عن طريق استيعاب شرع الله من جانب،واستقصاء واقع الناس من جانب آخر،فهذا الفقه،ثم يصدر المؤمن الفقيه الحكم،فيكون العدل،بل عين العدل.

ولما كانت هذه القيمة خصيصة شريعة رسالة الإسلام،كانت أمة الرسالة الخاتمة أمة العدل،بلا منازع، فقد قال تعالى:”وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا”[4]، وقد ورد “عَنِ النَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي قَوْلِهِ:وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا،قَالَ:عَدْلا”[5].

 

بين العدل والحرية في الإسلام:

لخصيصة قيمة العدل في الإسلام أهمية ذات شأن لا تنازعها فيها قيمة أخرى،ما خلا قيمة الصدق؛إذ هي القيمة الكاشفة،والمعيار الموزون به قابلية الإنسان للتكليف الرباني:فالله ـ عز وجل ـ خلق الإنسان مغايرا في نشأته وتكوينه سائر خلقه تبارك وتعالى،فأعد له دار الخلود تحت عرشه،وخلق الأرض بما فيه له،وكلمه برسالاته ـ عز وجل ـ لإرشاده،ثم أراده مخلوقا مستخلفا،فحاجج عنه،ثم صوره بيده عز وجل،ونفخ فيه من روحه تعالى،ثم علمه ما لم يعلم غيره،ثم أسجد له ملائكته،ثم أدبه ودربه،ثم ابتعثه مكلفا قيما مصلحا رئيسا،فكان ذا علم وإرادة وقدرة،فصار له اختيار ومشيئة (حرية)،فإن شاء فهو على خطة الله له حتى يصل مستقره،وإن شاء هوى بقدر ما انحرف عن سبيل الله ومنهاجه.

هذه حقيقة الإنسان في الإسلام،ومن ثم فحريته دافع مبدئي،وتخليصها من كل مانع أو عائق غاية ـ أيضا ـ لدين الله المنزل عليه و/أو إليه؛ليكتمل تكليفه وتنقطع حجته،ولن يكون ذلك إلا إذا كان بتحقيق العدل في كل أمره،فإذا جاء الإنسان،كل إنسان،بالعدل في عمله كله،تحررت إرادة الإنسان فأعمل قدرته بعلمه في تنفيذ عمران أرضي موافق لمراد الله،وكان عليه بعدها أن يصلح ما قد يفسد؛بسبب ما قد ينتج عن فعل إنساني غير مقصود،ولكن إذا لم يحقق الإنسان قيمة العدل في عمله كله،نتج عن ذلك اختلال في ميزان الحرية الإنسانية،فأدى إلى إفساد مقصود من أعمال إنسانية مقصودة،بفعل هوى النفس أو وسوسة الشيطان،وكلما بعد الإنسان عن العدل،كلما اخترم ميزان الحرية واختل،كلما زاد الفساد المقصود،كلما كانت مهمة الإصلاح أصعب،كلما أدى ذلك إلى الانحراف عن العدل إلى الجور أكثر وأكثر،فيفشو الظلم ويظهر،ويقل القسط ويندر،حتى يصل الإنسان بمشيئته واختياره (حريته) إلى أسفل سافلين،فيصير بما كان به مكرما ممدوحا مهانا مذموما.

ولكن كيف يؤدي العدل إلى الحفاظ على الحرية الإنسانية الأصلية،وكيف ينقصها؟

إن العدل في حقيقته ليس مطلوبا من أهل السلطان فقط،بل هو أمر تشريعي من الله ـ تبارك وتعالى ـ مطلوب تحقيقه من كل مكلف؛بما كان بتكليفه حرا يستطيع أن يعدل قصدا،أو أن يجور قصدا،فإذا جار الفرد،أي فرد، في حكمه،كان نتيجة جوره هذا زيادة مقدار القوة في جانب أحد طرفي الحكم،ونقصه في جانب آخر.

وتكون هذه الزيادة والنقصان بغير وجه حق،فيؤدي ذلك إلى بسط لقيمة القهر في جانب دون مسوغ،وبسط لقيمة الذل في جانب آخر دون مسوغ،فيختل القسط بطرفي المعادلة،سواء كان الطرفان عاقلين،أو معقولين،أو كان أحدهما عاقلا والآخر معقولا،فيعود ذلك الاختلال على نفس العاقل،سواء كان القاضي/الحاكم نفسه،أو كان العاقل بعض طرفي الحكم،مما يؤدي إلى خلل في نفسه،سواء في دوافعه أو قيمه،أو أسبابه،فينتج ذلك نفسا قاهرة بالباطل،أو مقهورة بالباطل.

وكلتا الحالتين نقص في الحرية؛إذ النفس القاهرة تصبح أسيرة هواها أو شيطانها،أمة لشهواتها وشبهاتها.

وكذلك تصير النفس المقهورة أسيرة قاهرها،الذي هو مقهور في حقيقته،أمة لهواها وشهواتها.

فتنحل عقدة الإيمان بالله،وتنفك النفس شيئا فشيئا من ربقة العبودية لله،التي هي مفتاح سيادة ما أعده الله ـ عز وجل ـ خدما للإنسان،فيصير الإنسان،قاهرا ومقهورا،عبدا لهواه،وكل ما تسول له نفسه أنها تحتاجه وتفتقر إليه،منفكا عن العبودية لله.

وتتغير علاقة الإنسان بالأسباب،وقانون العلية،فيتبدل حاله معها من أخذ بالأسباب دون إيمان بها،بل هو إيمان بالله المسبب الحقيقي،إلى إيمان بالأسباب وكفر بالمسبب،فتنشأ المادية،التي تؤدي إلى يقين في الشهادة،وشك في الغيب،ثم إيمان بالشهادة وكفر بالغيب،ثم لا يكون الحديث عن الله ـ عز وجل ـ واليوم الآخر وما أخبر به الدين على لسان الصادق مما لم يعاينه الإنسان إلا ضربا من ضروب الأساطير.

ويصبح العلم الحق عند الإنسان ما شاهده بحسه،دون نظره وبصيرته،فينخلع الإنسان من وصف المكلف؛بحجة أنه لم يأته تكليف عن طريق معرفي حقيقي؛إذ المعرفة عنده بالحس،دون سواه،فيقضي الإنسان في نفسه وغيره،دون مرجع صدق،وينظر إلى المحكوم فيه نظرة حس فقط،فلا يكون القضاء عدلا،فيغيب عن القضية الصدق والعدل،ويظن الإنسان في نفسه أنها قد تحررت؛إذ هي باتت تحكم فيما تراه الحواس فقط،بغير مرجع موجه،وهي في حقيقة الأمر،لم تعد ترى واقعها رؤية كاملة،فغاب العدل،ولم تعد تستند على معيار حق،فغاب الصدق،وفشت النسبية،وأصبح لكل امرئ إلهه المطاع،وفق ما يشير عليه هواه أو شيطانه!

 

بين العدل والسلطان:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولا، لا يفُكُّه مِنْ غلِّه إِلا الْعَدْلُ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ اللَّهَ عز وجل (أَجْذَم)”[6].

سبق أن ذكرنا أن العدل فريضة ربانية،وأمرا إلهيا،على كل فرد أن يلتزم به،شيخا كان أو شابا،رجلا أو امرأة،ولو أن ذلك كان لما وجد السلطان؛إذ الأصل أن الإنسان المكلف الحر سلطان نفسه،يرجع في الحكم لها أو عليها إلى منهاج الله،فيحكم بالعدل فيما يعرض لها من قضايا،فالإنسان يحتاج فقط ـ في حالته الفطرية ـ إلى أنبياء يبلغون عن الله مراد الله من الناس،ثم هم ملوك أنفسهم،أي:سلاطين أنفسهم،كما قال تعالى:”وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ”[7]،فنعمة الله على الإنسان تكتمل بإنزال التشريع،وتمكين التكليف،بتحرير النفس من السلطة المكذوبة القاهرة،ولقد اكتمل ذلك لبني إسرائيل؛إذ أرسل لهم موسى ـ عليه السلام ـ وملكهم رقابهم،يقضي بينهم نبيهم بما أراه الله عز وجل.

ومع ذلك فإن الإنسان مهما قويت فطرته التي فطر الله الناس عليها،لابد أن تختلف طبائعهم بما يطرأ عليها في أيامهم المتداولة عليهم،فتنشأ آفات نفسية مختلفة بحسب اختلاف البيئات على النفسيات المتفاوتة،فتؤدي الأحداث المضطربة ببعض النفوس الغضبية إلى الحزم،والبعض الآخر إلى الانتقام،وتؤدي ببعض النفوس المتأنية إلى الحلم،وبالبعض الآخر إلى الذلة والصغار. كما تؤدي الدعة والراحة ببعض النفوس الغاضبة إلى الجبروت،وبعضه إلى الرشد،وتؤدي ببعض المتأنيين إلى الإبداع،وببعضهم إلى المجون والخلاعة،وهكذا في كل الأحداث مع اختلاف النفوس،وهذا التنوع قد ينشأ عنه اختلال في الميزان المعاملاتي بين الناس،سواء بقصد أو بغير قصد،مما يهدد المجتمع الإنساني بالميل والانحراف عن الصدق أو العدل أو كليهما،ومن ثم كانت الحاجة إلى قيام مرجح بين الناس،يقضي بينهم بحكم الله فيما اختلفوا فيه من تقدير للواقع،وفهم للأمر الإلهي،وهذا القاضي لا مناص في غير زمن نبي أن يكون من الناس،على أنه لابد أن يكون من أكملهم علما بأوامر الله،وتحقيقا وخبرة بوقائع الأحداث،وعلى كل إنسان أن يقيم العدل من نفسه وذلك السلطان بتمكين السلطان من الفصل بينه وبين غيره إذا ما وقع الاختلاف،وأن يمنحه بعضا من قوته التي تمكن السلطان من ردع نفس أبت أن تسمع لحكم السلطان المستمد من الشرع بفهم الإنسان لينزل على الوقائع.

قال تعالى:”أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا”[8].

وكذلك من العدل المأمور به الناس أن يبقوا على يقظة من أمرهم بأن ذلك السلطان،إنما هو محض بشر يعتريه ما يعتريهم،ويطرأ عليه ما يطرأ عليهم،لذا وجب أن ينصبوا من مجموعهم أو ممثل عنهم من يحكم للسلطان أو عليه إذا ما اختلف في شأن بين نفسه وبين غيره من الناس،إذ السلطان بنفسه لا سلطة له على غيره،وإنما هو سلطان بما ائتمنه الناس على دينهم وأنفسهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم. وكذلك المجموع يراقب حكمه فيهم،فلا يجوز أن يسمح المجموع له بأن يخترم ميزان العدل فيهم؛لما ينتج عن ذلك من تحلل للحرية،كما سبق أن ذكرنا.

قال الله ـ تعالى ـ في ذلك:”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا”[9].

ومما سبق يظهر أن قيمة العدل في علاقتها بالسلطة،أو ما يمكن أن نسميه بالعدل السياسي،مشروط باندراجه تحت غاية الحرية الإنسانية،فهي قيمة عليه،وليس قيما عليها. ولأن تسليم سلطة إدارة أحوال المكلفين إلى فرد واحد أو مجموعة من المكلفين أمر خطير،وحدث جلل،ومهمة محفوفة بالمخاطر؛إذ إن أدنى انحراف منه يؤدي إلى انحراف بالمجموع،بخلاف ما لو انحرف إنسان عن العدل في نفسه فقط،فإن وبال ذلك يكون عليه وحده،لاسيما إذا لم يوافقه غيره على انحرافه،كان ذلك الوعيد من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث المتقدم في بداية المبحث.

فإن أدنى انحراف ممن له ولاية على مجموعة من الناس يؤدي بالضرورة إلى انحراف فيهم؛وذلك إما أنه يستجيب لتوجيههم في انحرافه، وإما لا يستجيب، فإن استجاب كان عادلا،وانتهى الانحراف،ولكنه إن لم يستجب، فإنهم إما أضعف منه،وإما أقوى،وإما تتساوى قواهم.

فإن كانوا أضعف منه أدى ذلك إلى استباحته إلى المحرم منهم إذا تقووا ببعضهم ضده،أو استذلالهم،وتعبيدهم لنفسه،فيكون طاغوتا مؤلها (مطاعا) من دون الله،وإن كانوا أقوى منه فإنهم يستبيحون بيضته مما يؤدي إلى ضعف هيبة السلطان في نفوس الناس بما ينذر باحتمالية ظهور أقوام لا يرتدعون بالسلطان،ومن أمن العقوبة أساء الأدب،وإن كانوا متساوين في القوة فإن ذلك لابد مؤد إلى انحلال رابطة المجتمع،وتفكك أواصره بالنزاع بين الطائفتين،وغالبا لا ينحسم النزاع حتى يكون غيرهم مستبيحا لبيضتهم جميعا،مسيطرا عليهم،مشيعا الفساد فيهم إما بإراقة الدماء واستباحة البيضة،وإما باستذلال الناس وسلب حريتهم وكرامتهم.

ولذلك قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي ذر ـ رضي الله عنه ـ لما سأله الإمارة:”إِنَّكَ ضَعِيفٌ،وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ،وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ،إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا”[10]،ثم زاد نصحا له، فقال:”إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا,وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي,فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ,وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ”[11]. “…أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ”[12].

_______________________________________________________________________________________________

[1] الفرآن الكريم. سورة النحل. الآية 90

[2] ابن منظور. لسان العرب. بيروت. دار صادر. الطبعة الثالثة. 1414هـ. ج11. ص 430

[3] أبو عبد الله البخاري. صحيح البخاري. ت: محمد زهير بن ناصر. دار طوق النجاة. ط1. 1422هـ. ج1. ص25

[4] القرآن الكريم. سورة البقرة. صدر الآية 143

[5] سعيد بن منصور. التفسير من سنن سعيد بن منصور. ت:سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد. دار الصميعي للنشر والتوزيع. ط1. 1414هـ. 1997م. ج2. ص619

[6] سعيد بن مصور. التفسير من سنن سعيد بن منصور. مرجع سابق. ج1. ص87

[7] القرآن الكريم. سورة المائدة. الآية20

[8] القرآن الكريم. سورة النساء. الآيتان 60 ، 61

[9] القرآن الكريم. سورة النساء. الآيتان 58 ، 59

[10] ابن يشران. أمالي ابن بشران. ت:أحمد بن سليمان. الرياض. دار الوطن للنشر. ط1. 1420هـ. 1999م. ص278

[11] صهيب عبد الجبار. الجامع الصحيح للسنن والمسانيد. ج36. ص 371 ورواه: مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد.

[12] القرآن الكريم. سورة هود. جزء الآية 18

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلام, العدل
عرض التعليقات
تحميل المزيد