إن أمال الأوطان ورفعتها تكمن في طاقة شبابها وطموحه، وبحلم حكومة يرأسها رئيس بفكر وحلم ورؤية ليس بكلام لا يثمن ولا يغنى من جوع إلا في أماكن التسول، إن قوة أي وطن تستمد من أبنائه وشعبه ليس من سياسات مفروضة من الخارج، إن مكانة أي وطن سياسيًا وعلى الخريطة السياسية الدولية تستمد من الفئة العمرية الفعالة من الموارد البشرية التي تكمن في شبابه وليس في عواجيز أو ضعاف الفكر والنظرة، قيمة الوطن وتماسكه تكمن في عدالته ومساواته بين جميع أفراده، تكمن في كسب ثقة الشباب والإيمان بهم لا قهرهم.

لا تعلو الأوطان والأمم بالاتهامات لهؤلاء الشباب عندما يزيد كبتهم ويضيق حالهم وسئموا من حياتهم لغياب عدالة الأوطان، وعندما يفصحون عما بداخلهم وعن رأيهم تكون المشانق أو التهجير من نصيبهم، عندما يريدون أن يشعروا بقيمتهم وأنهم يستحقون وطنًا آمن وعادلًا، أن يري مكانتهم بعقلهم وكفاءتهم مكان هؤلاء الرويبضات الذين هم سبب في ضياع الأوطان، عندما ينادون ويقولون أين العدل؟ أين عمر؟ هل مات العدل بعده! أين وطننا الذي كنا دائمًا نحلم أن يكون سببًا في تحقيق طموحنا وإعلاء شأننا، وإثبات ذاتنا على ترابه، فهل يكون المصير الغربة؟ أو وظيفة غير مؤهله لا تناسب إمكانياته، أو جدران المعتقل، أو ما بين كفن ونعوش أو حبل مشنقة، دائمًا ينادي هؤلاء الشباب بأعلى صوتهم نريد أن نكون سبب بناء المجتمع وتطويره لا أداة لهدمه، لا نريد أن نكون مجرد عدد، لسنا إرهاب كما تدعون، نريد وطن إن لم يكن لنا فليكون بناؤه من نصيب الأجيال القادمة، نريد أن نرى عدل وكرامة على تراب أوطاننا ليس في بلاد الغربة والحسرة تملأنا علي أوطاننا، نريد أن نحصل على أبسط حقوقنا في أن يكون لنا وطن مثل ما كانت لنا أمة يملأها العدل والعزة، يريدون أن يروأ عدالة دينهم واقع ليس كتاريخ يحكي، متي نرى سلوك أبو بكر وعمر بن الخطاب في سلوك حكامنا، اشتقنا لعدالة الفاروق اشتقنا لعزة أمة وعدلها.

فها هو واقع حاكم مسلم وفاروق الأمة، بين أيدينا الآن وثيقة عُمَرية وميثاقًا قضائيًّا صدر من الخليفة الراشد والملهم المحدَّث، وهي وثيقة نفيسة تلقتها الأمة بالقبول، وتناقلها المحدثون والفقهاء والأدباء والمؤرخون، وأوردوها في مصنفاتهم، وشرحها الإمام ابن القيم شرحًا مطولًا في كتابه النفيس: (إعلام الموقعين)، كما تُرجمت هذه الوثيقة إلى اللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية، فيه يجد الشباب عدالة ينشدوها، وأمة يعيشون فيها بحرية وسيادة وكرامة، حقوق مصونة، وعيشة كريمة، وعدالة لنصرة المظلوم، لا لنصرة الظالم، يجد هذا في سطور وثيقة الفاروق عمر، يحلم أن يجدها في أي بلد مسلم، منهجها هو الإسلام، ولكن أين العدل والإسلام كمنهج في صدور الحكام والشعوب؟

إنها الوثيقة التي بعثها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إلى قاضيه أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – الذي ولي القضاء لعمر في الكوفة والبصرة سنة إحدى وعشرين للهجرة، وقد سطَّر فيها عمر – رضي الله عنه – وصايا جامعة وقواعد شاملة، ترسم للقاضي مسيرة عدله، وتعينه على نفسه، وتنبهه إلى أمور إجرائية في التعامل مع الخصوم والبينات.

كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضى الله عنهما: «أن القضاء فريضةٌ محكمةٌ، وسنةٌ متبعةٌ، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلمٌ بحق لا نفاذ له، وآسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييئَس ضعيفٌ من عدلك، البينة على مَن ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا، ومن ادعى حقًّا غائبًا أو بينةً، فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن جاء ببينةٍ أعطيته بحقه، فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى، ولا يمنعك من قضاءٍ قضيته اليوم فراجعت فيه لرأيك وهديت فيه لرشدك – أن تراجع الحق؛ لأن الحق قديمٌ، لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عدولٌ، بعضهم على بعضٍ في الشهادة، إلا مجلودٌ في حدٍّ أو مجربٌ عليه شهادة الزور، أو ظنينٌ في ولاءٍ أو قرابةٍ، فإن الله – عز وجل – تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآنٍ ولا سنةٍ، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق، والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة والتنكر، فإنَّ القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ولو كان على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيَّن لهم بما ليس في قلبه شانه الله، فإن الله – تبارك وتعالى – لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا».

وقد تلقَّت الأمة هذا الكتاب بالقبول، وسماه بعض العلماء: «كتاب سياسة القضاء وتدبير الحكم»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء، وبنوا عليها، واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه».

وقال عنه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة والحاكم، والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه، ونرى فيها كل تفاصيل وما نحتاجه الآن لقيام وترسيخ العدالة، وكيفية تعيين القضاء، وكيفية إعانة القاضي على الحكم وكيف يصدره، وكيف يسعي للصلح بين المتخاصمين، لا يصدر أحكام وفق هواه وهوى الحاكم، فإن فسد القضاء، فسدت العدالة، وإن فسدت العدالة فسدت الأوطان وتجر الحكام».

حث القاضي على الإخلاص في عمله، وقصد وجه الله تعالى، وألا يكون رضا الناس مطلبَ القاضي على حساب الحق، ولا يكون يد الحاكم المستبد لظلم الشعوب، لأنَّ وظيفة القضاء وظيفة شريفة، وكما أن لها خطْرَها فإن أجرها عظيم، لما فيها من إنصاف الناس وإحقاق الحق؛ جاء في رسالة عمر رضي الله عنه: «فإنَّ القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمَن خلصت نيته في الحق ولو كان على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين لهم بما ليس في قلبه شانه الله، فإن الله – تبارك وتعالى – لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا»، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)؛ رواه مسلم.

إن حكام وقضاء اليوم أفسدوا الحياة وعطلوا مصالح البشر، ولم يراعوا حرمة المنصب، بل كأنهم وجدوا فيه المحيا والممات والسيادة، وكأنهم نسوا أن هناك حسابًا ووقوفًا أمام الله، جهزوا الأحكام والقوانين لظلم الشعوب من أجل الحكام والمنصب، وأصبحوا يد الظالم الذي يبطش وينكل بكل من يعترضه، جهزوا الأحكام لكل من وقف ضد ظلم الحكام، ونادى بقال الله ورسوله، وكأنهم لم يعلموا أنهم آيات العدل الذي شرعه الله على الأرض، فأصبحوا أكبر عائق للعدل والشرع، لأن ما بني على باطل فهو باطل؛ لأنهم اختيروا ليس على أساس العلم والأمانة والكفاءة والشرع وحفظ الأمانة كم حدد الشرع، إنما اختيروا على أساس مكانة ومنصب الواسطة والوالد والعائلة وهو السلطة حتى وإن كان راسبًا في كليته، وإن كان صاحب كفاءة فهو مأمور ومسيس ولا عليه غير السمع والطاعة، فلهذا ترى الظلم في كل شبر من الأوطان؛ لأن الأمر أسند لغير أهله.

ولكن ويل كل الويل لقاضي الأرض من قاضي السماء إذا ظلم وإذا نفذ ظلم الحكام، ولم يقل لهم قولة الحق ويعمل بما أمره الله؛ لأن اليوم دنيا ومتاع، ولكن غدًا حساب وآخرة ووقوف أمام الله بدون أي منصب، فخافوا الله لا تخافوا غيره، لأن لو صلح القاضي والعالم لصالح الحاكم وصلح حال الأمة، فأين القضاء من كلمات الفاروق، أين أحكامهم وخوفهم من الله من بين سطور هذه الرسالة، كم أتمنى أن توجد هذه الرسالة علي حوائط المحاكم في كل أوطان العرب، لعل القاضي يتذكر الله لا يتذكر رضا الحاكم، لعله ينصر العدل ويمنع الاستبداد وجبروت الحكام، ويرحم أمة من ظلم يولد إرهاب، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فأن الحياة قصيرة والكل زائل والله باقي، وشئت أو أبيت سينصر الله الحق، فكن يا قاضي الأرض ميزان العدل لا يد الحاكم المستبد الذي سيزول يومًا ويبقى الله والأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد