بعد انهيار الملكيات الإقطاعية في أوروبا، ظهرت على أنقاضها أنظمة جمهورية ليبرالية في أوروبا الغربية وشيوعية في أوروبا الشرقية، لكن حافظت الملكيات في شمال أوروبا خاصة وهي بريطانيا وبلجيكا وهولندا والدول الإسكندنافية كالسويد والنرويج والدنمارك على نفسها بسبب استجابتها للرغبات الشعبية وتحولها إلى ملكيات دستورية، وتصنف هذه الدول بأنها الأولى في كثير من المجالات على المستوي العالمي بالإضافة إلى ملكيات دستورية أخرى عبر القارات كاليابان في آسيا وكندا في أمريكا الشمالية.

وعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي تحظى بها الثورة الفرنسية سنة 1789 والمبادئ والشعارات التي أتت بها من الديمقراطية والحرية والليبرالية وحقوق الإنسان، إلا أنها تسببت بكثير من الفوضى والدماء ولم تستقر على نظام الجمهورية الحديث إلا بعد أكثر من نصف قرن على اندلاعها، فانتقلت من الامبراطورية إلى الجمهورية الانتقالية إلى الإمبراطورية النابليونية إلى المملكة مجددًا ثم إلى الجمهورية مرة أخرى.

حصلت قبلها في أوروبا بحوالي مائة عام ثورة في إنجلترا تدعى الثورة المجيدة سنة 1688 قام بها البرلمانيون الإنجليز ضد الملك بعد هزيمته أمام أسكتلندا الكاثوليكية فعزلوه ووضعوا ملكًا جديدًا بعد أن حجموا صلاحياته ووضعوا إعلان الحقوق أنه لا يستطيع إصدار أي قرار مصيري إلا بموافقة الغالبية منهم، وأنهم يستمدون سلطتهم من الشعب وليس الحق الملكي الإلهي وبذلك جعلوا سلطة البرلمان فوق سلطة التاج وليس العكس على مبدأ يملكون ولا يحكمون مبدعين بذلك نظامًا جديدًا عرف في العصر الحديث باسم الملكية الدستورية فقد استطاع الإنجليز من خلاله تحصيل حقوقهم من دون دماء على عكس الفرنسيين.

وأبقوا على الكثير من القيود على الأسر المالكة حيث يمنع عليهم الزواج من عامة الشعب للحفاظ على دمائهم الملكية، حيث إن هناك عدة أسر حكمت أوروبا كانت بينها صلات قرابة فهم لا يأخذون إلا ملوكًا وأمراء مثلهم أو من طبقة النبلاء وإلا فقدوا لقبهم إذا كانوا أمراء وعرشهم إذا كانوا ملوكًا، حتى إن هناك أسرة تسمى الهايسبورغ حكمت عدة دول أوروبية في آن واحد، وهؤلاء الملوك ملزمين بالمذاهب الرسمية للدولة وألا يعتنقوا غيرها فهم حماتها كالبروتستانتية في بريطانيا والكاثوليكية في إسبانيا، ولم تكن الأصول مهمة جدًا بسبب الاختلاط وصلات الزواج، فملكة بريطانية تعود أصولها إلى ألمانيا، وآل بوربون في أسبانيا تعود أصولهم إلى فرنسا، لكن موضوع الزواج تم تجاوزه في العصر الحديث فأمير موناكو تزوج من ممثلة وملك إسبانيا تزوج من صحفية.

وبسبب التوسع الذي قامت به الإمبراطورية البريطانية أصبحت إليزابيث الثانية في الوقت الحاضر ليست بملكة للمملكة المتحدة فقط بل كندا وأستراليا ونيوزيلندا والعديد من الجزر في المحيط الهادئ أيضًا، فهي دول ملكية دستورية يجمعها تاج الكومنولث ومقره لندن.

في النهاية أثبتت الملكيات الدستورية أنها أفضل في كثير من الأحيان من الجمهوريات الرئاسية وتفوق إنجلترا على فرنسا كان واضحًا في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية حتى على المستوى الخارجي، كإزاحتها للمستعمرات الفرنسية في أمريكا الشمالية والحلول محلها خاصة في كندا التي كانت تتبع فرنسا.

أما في العالم العربي أيضًا فقد كانت الملكيات أكثر رحمة من الجمهوريات في التعامل مع شعوبها بطبيعة الحال، فتحطيم التاجين العراقي والمصري لم يأت بأنظمة أفضل حالًا بل على العكس كان هناك برلمانات منتخبة في عهد الملكيات، ففي الممالك أنت ملك وعرشك لك تستطيع الإصلاح، أما في الجمهوريات أراد من استولى على السلطة تكريس حكمه وكرسيه بالقوة وسفك الدماء مما جعلنا في جمهوريات تحكمها عائلات بالوراثة، فأبدع العرب نظامًا جديدًا اسمه الجملكيات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد