في حوار يجريه سقراط وينقله لنا أفلاطون في جمهوريته، يسأل سقراط عن العدالة، فيقول بوليمارخوس أحد محاوريه «العدالة مساعدة الأصدقاء والإضرار بالأعداء». فيعلق سقراط قائلا «بدلا من أن نكتفي بالقول إن العدل إسداء الخير لأصدقائنا وإلحاق الشر بأعدائنا، يجدر بنا أن نضيف إلى ذلك أن من العدل إسداء الخير لأصدقائنا إن كانوا أخيارا وإلحاق الأذى بأعدائنا إن كانوا أشرارًا» فما معنى قولة سقراط؟

إذا تمعنا في تعليق سقراط، سنجد أن الحكيم يقصد أن العدالة تعني أن نقيس الأمور كل الأمور وحتى الأشخاص بميزان العدل، لا بميزان الهوى والعاطفة، كون الميزان لا يحمل الضغائن ولا يعرف المحاباة ولا يجيد التملق، فالكل في نظره أوزان فالسكر كالقمح والرجل كالمرأة والقاضي كالمتهم، لا فرق بينهما.

هكذا يجب أن نكون نحن، وحين نوضع في موقف يحتاج الفصل والحكم توجب علينا حينذاك أن نستخدم العقل والمنطق لا العاطفة والأحاسيس، فوحده العقل من يضفي الشرعية على أحكامنا وقراراتنا.
إن سقراط يقصد أن الحق حق والباطل باطل، وأن محاربة الأعداء واجبة إن كانوا فعلا أعداءً ومساعدة الأصدقاء لا مناص منها، إن كانوا فعلا أصدقاءً، فقد يحدث أن نقاتل عدوًا في جوهره ليس بعدو، وأن نمد يد العون لصديق ظالم، وبهذا نكون قد أسأنا لأنفسنا وللعدالة، وتنعكس أحكامنا على مجتمعنا وتمس العالم من حولنا.

يحضرني هنا قصة حدثت مع سيدنا عمر بن خطاب:  «ذُكِرَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ – رضي الله عنه – قال لرجلٍ (وهو أبو مريمَ السلوليُّ): واللهِ لا أحبُّكَ حتى تحبَّ الأرضُ الدمَ، قالَ: أفتمْنعُني حقًّا؟ قال: لا، قال: فلا بأسَ؛ إنما يأسفُ على الحبِّ النساءُ».

صدق الرجل ورضي الله عنه سيدنا عمر حين أقره بذلك، فالتشبيه هنا بالمرأة لا يعني انتقاصًا منها، إنما ذكر ما فيها من رقة المشاعر ورهافة الإحساس، وتقديم للقلب على العقل، فتراها تغضب فتلعن وتزمجر وقد تفارق الحبيب وتظلم القريب دون أن تشعر أو تعي، ولهذا تقول العرب «التسرع حيض الرجال»، وكيف يأتي التسرع إن لم تكن العاطفة وهو سيان.

قدم سقراط معنى واضحًا للعدالة، العدالة هي «الخيار للأخيار والشر للأشرار». لكن ألا يجب أن نعترض على هذا؟! ألا يجب أن نقول أن العدالة تعني أن نكون نطبق العدل على الجميع وألا نعامل الأشرار بالمثل وأن نحاول إسداء الخير لهم عوض الشر؛ ونقترب منهم عوض محاربتهم. قد يبدو هذا الرأي مثاليًا للغاية، كون العلاقة التي تجمعنا مع أعدائنا لن تكون يومًا علاقة إنسانية، بل علاقة نزاع وحرب لا صوت يعلو فيها على صوت السيف. لكن هل نحن متأكدون من مدى نجاعة هذه السياسة؟ هل نحن جادون في محاربة الأعداء وكراهيتهم؟ ما الذي جنته البشرية من الكراهية والمعاملة بالمثل؟

إن المتأمل في حالنا ليصل إلى ما أرنو إليه «لن نبني العدالة بالكراهية بل بالحب». عالم مبني على الكراهية والحقد لن تسوده العدالة ولو بقينا مليون سنة نحارب بعضنا البعض فلا أحد سينتصر. قد يبدو الأمر غريبا نوعًا «ما تفعل مع الشر إن لم تحاربه؟» هكذا سيقول القائل. ليس لدي إجابة واضحة، لكني وبناءً على تصوراتي وقراءتي للواقع أرى أن محاربة الشر لا تزيده إلا قوة وأن الحديث عن القضاء على الشر لا تزيد عالمنا إلا شرًا، ويكفي أن نشير إلى أن محاولة القضاء على النظام «البعثي الشرير» -حسب التصور الأمريكي- في العراق، كلفنا مليوني قتيل وآلاف الجراحى ومئات المفقودين، وجعلنا نتعايش مع أفظع سجون العالم «سجن أبو غريب» ونشاهد الصور لسجناء تنهشهم الكلاب، وآخرين مجردي الملابس يعبث بهم جندي سادي.

حدث كل هذا باسم «الحرب العادلة»، ومع ذلك لم تقض «أمريكا الخير»  كما تسمي نفسها على الشر، بل زادته قوة وبسكة في الجهد والعلم، فخرجت لنا تنظيم «داعش» من رماد الدمار كأنه طائر العنقاء الأسطوري.

يجرنا الحديث عن العدالة وعن تطبيقها، إلى موضوع جد حساس، موضوع الساعة ألا وهو «الحلم الأوروبي»، ألا ترى أن كل سكان العالم العربي يسعون جاهدين إلى الهجرة نحو بلاد العدل، معدين حسب رأيهم حادثة هجرة الصحابة نحو الحبشة، يركبون قوارب الموت ولسان حالهم «فلنذهب لأوروبا فإن فيها رؤساء لا يظلم عندهم أحد». فهل هم كذلك؟

منذ بضع أيام اعترفت مملكة هولندا بقتل قواتها حوالي «74 مدنيًا عراقيًا» في غارات لطيرانها، معللة ذلك بمعلومات خاطئة؛ وقبل ذلك بكثير القوات الكامرونية توقف مروحية محملة بأسلحة فرنسية كانت موجهة للتنظيم الإرهابي «بوكو حرام»؛ وقبل هذا وذاك تسبب البنك الدولى والدول المانحة للقروض في إغراق الصومال بالديون وإدخالها في دوامة من الحروب والصراعات.

يصرح ترامب منذ مدة قصيرة أنه يدعم حكام الدول التي يتظاهر فيها الشعب، قال أنه يقف في صف الحكومات لا الشعب، أي أنه يدعم عمليات القتل التي تحدث في العراق، ويشجع ما تقوم به السلطة المصرية من خطف وقتل وسحل للمعارضين وتشتيت للأسر  وتهجير قصري للسكان، ويقف مع نبيه بري ومشيل عون وحركة أمل وكل من هو ضد الشعب اللبناني الأبي الذي مل الكذب والوعود الزائفة والطائفية المقيتة.

فهل يعقل أن نتحدث عن غرب عادل؟ لا أبدًا، الغرب ليس عادلا.

لا يجب أن نطلق على الدول الغربية لفظ «الدول العادلة» فهذا مناف وغير منطقي ولا يصح بتاتا. فهي دول ديمقراطية ورائعة متقدمة، لكنها ليست عادلة أبدًا، فإن عدلها ليس عدلا لذاته، بل عدل فرضته الأحداث التاريخية.

إن ما يحدث في كتالونيا وحدث في فرنسا قبل مدة، لخير دليل على هذا، إن عدل الدول الأوروبية ناجم عن معرفتها بقوة شعوبها؛ بحبهم للحرية؛ ومدى استعدادهم لإحراق بلدانهم طلبا لها، ولهذا نرى رؤوساء هذه الدول يتعاملون بحذر شديد مع الملفات الاجتماعية التي من شأنها رفع نبضلت الشارع.

لكنها تعامل العالم الثالث كما لو كان خادمًا عن أعتابها وترى في شعوبها بهائم تساق لا أناس تفكر وتقرر، تعامل مواطني العالم الثالث بكل وحشية وقذارة، ضدًا في العدالة التي تتغنى بها، ويتشدق بها أناس من بني جلدتنا وينكرها من ولد في عذه الدول أمثال «سارتر» الذي وقف في ةحه فرنسا وكتب عن جرايمها في الجزائر، وكالأمريكي «ناعوم» الذي كرس قلمه لفضح ألاعيب الولايات المتحدة الأمريكية.

إن التاريخ لشاهد على هذا وما أنا بكاذب.

لقد كانت الدول الأوربية وما زالت حجر عثرة أمام تحرر بلدان العالم الثالث، فمن يحمي المستبدين؟ ألم تجتمع ميركل بالسيسي؟؛ من ينهب ثروات أفريقيا؟ ألم يسمع العالم للوزير اﻹيطالي الذي تحدث عن سرقة فرنسا لثروات أفريقيا؟؛ من يقصف المدنيين العزل؟ ألم نسمع صوت مدفية للهون وهي تقصف منازل اليمنيين والسوريين؟ ؛من تدخل من أجل إجهاض الثورة السورية والمصرية والتونسية، ومن حرم الأفارقة من عسل قارتهم؟، من يدعم الكيان الصهيوني ضد الفلسطنيين العزل؟

أخيرًا إن كان الغرب عادلًا مع مواطنيه فلا يعني أبدًا أنه عادل، فالعدالة أبعد ما تكون عن السياسة الغربية، هي والغرب لا يتفاهمان بينهما خلاف تاريخي وعقد يصعب حلها حتى من أبرع علماء النفس والسيكولوجيا، فالغربي سيظل مؤمنًا بتفوقه على سائر الأمم، وهذا ما يعمي بصيرته ويضبب عليه الرؤية، فإذا اكتال على الناس يستوفي وإذا كالهم أو وزنهم يستخسر.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد