(1)

قصص العدل التي تروى للأطفال في المدارس، ويقصها الخطباء على منابر المساجد أيام الجمعة، لم تعد صالحة لنغذي بها عقول الصغار والكبار،ثم يفيق الجميع على واقع مؤلم وصادم، وظلم بات يعلم أبسط المتابعين للشأن العام أنه استفحل كالوباء في أم الدنيا!

(2)

أمينا شرطة اغتصبا فتاة داخل سيارة نجدة، أنزلا الفتاة من سيارة بحجة تفتيشها، ثم طلبوا من قائد السيارة وصديق الفتاة المغادرة، وأخبروه بتوصيلها إلى المنزل.

أرسلت الفتاة رسالة إلى صديقها تخبره بعدم استجابة أميني الشرطة بالسير في الطريق الذي تبلغهم به، ورفضهما نزولها من السيارة. اغتصبوا الفتاة داخل سيارة النجدة.

المفرتض أن سيارات النجدة التابعة لوزارة الداخلية تسارع إلى نجدة المستغيث، ورجال الشرطة دورهم المفترض منع الجريمة، وإن حدثت يكون هدفهم الأول ملاحقة مرتكبها وتقديمه للقضاء.

الحادث كارثي، ومن المؤكد أن الدولة تسعى لإرساء القانون ــ أو هكذا أوهمونا ـــ والمعلن أن وزارة الداخلية استفادت من درس ثورة يناير.

الطب الشرعي أثبت أن تحليل السائل المنوي متطابق، وأن أمينيْ الشرطة اغتصبا الفتاة. أخلت محكمة جنح الشرابية سبيل المتهمين بكفالة ألف جنيه!

القضية تحولت من جناية إلى جنحة دون سبب قانوني، فقط لأن المتهميْن أمينا شرطة.

هل لو كانت الفتاة المغتصبة نجلة أحد ضباط الجيش أو الشرطة، أو شقيقة أحد الوزراء، أو زوجة لأحد القضاة سيتغير سير التحقيقات؟ .. الإجابة تؤكد أن القانون في مصر يطبق على الكيف.

(3)
على منصة القضاء وفي إحدى جلسات محاكمة عدد من المتهمين في القضية المعروفة إعلاميا بغرفة عمليات رابعة، يشتكي أحد ضباط الحراسة إلى القاضي أن أحد المتهمين قام بسبه.

يطلب القاضي إخراج المتهم من القفص، يسأله عن الواقعة التي يزعمها ضابط الشرطة، يسأل القاضي المتهم عن اسمه، يتدخل محامي المتهم محاولا الدفع بعدم قانونية استجواب المتهم من قبل هيئة المحكمة، يطلب المتهم رد هيئة المحكمة مستغلا الدفع القانوني كون الدعوى منفصلة، يصدر القاضي الحكم دون سماع شهود ودون مرافعة من محامي المتهم بحسبة ثلاث سنوات وتغريمه عشرة آلاف جنيه.

في قضية أخرى، متهم فيها ضباط شرطة بقتل “حاجة وثلاثين” معتقلًا كما وصفهم سيادة اللواء، حكم عليهم بسنة مع إيقاف التنفيذ! و في أربع دقائق حكم على متهم بالحبس ثلاثًا. ربما بنص قانون العقوبات نفسة حوكم الجميع، لكن عندما يكون تطبيق القانون حسب مهنة المتهم، وعندما تكون العدالة انتقائية تصبح المحاكمات أقرب إلى مسرحية هزلية معروفة نهايتها.

 

(4)

في السويس ـــ المدينة التي شهدت ارتقاء أول شهداء ثورة ينايرـــ يطلق ضابط شرطة من دورية الانتشار السريع الرصاص على شابين فيسقطان قتيلين في الحال. الضابطان قالا في تحقيق النيابة أن الشابين رفضا التوقف وأن الدراجة البخارية غير مرخصة.

من المؤكد أن الضباط لا يعرفون مواد استخدام السلاح وتدرجه الموجودة بقانون هيئة الشرطة. يحتاج عدد كبير من ضباط الداخلية دورات تدريبة لمعرفة القانون، و أن الخيار الأول لا يمكن أن يكون إطلاق الرصاص في الرأس!

 

(5)

“عايز أوجه تحية للقضاء ولمعنى العدالة في مصر”، “مصر شرعت في تأسيس دولة القانون القائمة على العدل والمساواة”.
الجمل السابقة للسيسي في احتفالية عيد القضاء، سار على خطى سلفه سيء الذكر ــ كما لقبه عن حق الفاضل بلال ـــ عندما قال أن الشرطة كانت جزءًا من ثورة يناير.

الآن يوجه السيسي التحية للقضاء ولمعنى العدالة، ويقول أن مصر شرعت في تأسيس دولة القانون.
دولة القانون تخلي سبيل أمناء شرطة اغتصبوا فتاة في سيارة نجدة، وتحاكم متهمًا في أربع دقائق، وتحكم بعام واحد مع إيقاف التنفيذ على قتلة سبعة وثلاثين مواطنًا مصريًا.
دولة القانون التي يتحدث عنها السيسي تحاكم ضباط الشرطة وهم مطلقو السراح، وتجدد الحبس الاحتياطي لمعتقلين في جرائم رأي دون تحويلهم للقضاء أصلا.
دولة القانون تعتقل مواطنًا اسمه “محمود شوكان”؛ كل تهمته حمل الكاميرا وتصوير مجزرة فض رابعة. شوكان أصبح شوكة في ضمير العدالة، إن بقي لدينا ضمير.

دولة القانون تحاكم أطفالًا بتهم حمل مسطرة عليها شعار رابعة، دون أن يخبرنا القضاء الشامخ عن ماهية الجريمة والعقوبة حسب القاعدة القانونية “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.

دولة القانون مازالت حلمًا لثورة متعثرة، ثورة مازالت تبحث عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والعدل الغائب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد