تنويه:
هذا المقال يتضمن تعليقًا على أحكام قضائية فاسدة، أصدرها قاضٍ فاسد، ينتمي إلى منظومة عدالة فاسدة، في زمن فاسد، بناء على مقدمات فاسدة، وحيثيات فاسدة.

***
سنة 1781، ألقى بحارة إنجليز في البحر 142 أفريقيًّا من سفينة العبيد “زونج” التي يعملون عليها. كان البحارة قد اختطفوا الأفارقة من سواحل غرب أفريقيا لبيعهم في جامايكا.

 

ابتلع البحر الكاريبي بلا رحمة “بضاعة” كان يقدر ثمنها ـ بأسعار ذلك الزمان ـ بما يزيد قليلاً على خمسة آلاف جنيه إسترليني.

 

في يوم الواقعة، كان البحارة قد اكتشفوا أنهم أخطؤوا طريقهم إلى جامايكا، وكان مخزون مياه الشرب في السفينة يكفي لأربعة أيام فقط، بينما كانت العودة إلى الوجهة الصحيحة تستغرق قرابة أسبوعين. بعد اجتماع قصير اهتدى البحارة إلى أنه لا بد من التضحية بجزء من “البضاعة” (ذلك الجزء المعطوب الذي يتعذر بيعه) حتى يصل البحارة ـ وبقية البضاعة ـ سالمين.

 

تمت الجريمة في البحر، ولم يكن عليها شهود إلا مرتكبوها، ومع ذلك وصلت القضية إلى ساحات العدالة.

قد تتصور ـ عزيزي حَسن الظن ـ أن القضية وصلت إلى المحاكم باعتبارها قضية جنائية أُزهقت فيها أرواح عشرات من البشر. دعني أخبرك أنك مخطئ؛ فالقضية وصلت إلى المحاكم فقط للفصل في أحقية مُلّاك السفينة في صرف مبلغ التأمين عن خسارتهم “للبضاعة”، بعد أن رفضت شركة التأمين الدفع.

***

“ما هذه الدعوى التي تتحدث عن أن (بشرًا) قد أُلقوا من سفينة؟ إنها قضية تتعلق بمنقولات أو بضائع، السود ما هم إلا بضائع وممتلكات، ومن السخف أن يُتهم أولئك الرجال الشرفاء المتفانون في عملهم بالقتل، إن الأمر ليس إلا كإلقاء أخشاب في البحر من على سفينة” ــ جون لي، المحامي العام لإنجلتر وويلز.

***

في نظر قانون التعويضات البحرية ـ الذي وضعه مشرّع إنجليزي أبيض، وحكم به قاضٍ منحه الرب نعمة البشرة البيضاء المشربة بحمرة ـ وكفى بها نعمةـ كان العبيد مجرد “بضائع”، ولذلك فقد كان ذلك القانون يرى أن إغراق العبيد عمدًا هو مجرد “إتلاف منقولات” مباح قانونًا ما دام قد تم لضرورة.

 

في المحاكمة الأولى، استند المحلفون إلى هذا القانون فانحازوا إلى مالكي السفينة، ورأوا أن من حقهم الحصول على تعويض من شركة التأمين، وهو ما حكم به القاضي الموقر، قائلاً في حيثيات حكمه إن هيئة المحلفين: “لم يخامرها شك في أن قضية العبيد لا تختلف في شيء عن إلقاء خيول في البحر. الخلاف هنا عمّا إذا كانت هناك ضرورة ملحة لإلقائهم في البحر إنقاذًا للباقين أم لا، وقد قرر المحلفون أن ذلك كان ضروريًّا”.

 

غير أن شركة التأمين استأنفت الحكم، ونجحت في الحصول على حكم بعدم أحقية مُلاك السفينة في الحصول على تعويض لأن ما حدث كان بسبب أخطاء ملاحية ارتكبها بحّارتها، ولم ينسَ القاضي أن ينوه في نهاية حيثيات حكمه إلى أن مذبحة العبيد كانت “مبررة قانونيًّا”.

***
المقتول أسود، لكن القاتل أبيض، والقاضي أبيض، والنيابة بيضاء، والإعلام أبيض، فلا جريمة إذن.

***

رفضت النيابة مطلقًا أن تقدم البحارة للمحاكمة بتهمة القتل، ولم تتطرق المحكمة إلى تلك الجريمة باعتبارها انتهاكًا للقانون. ذلك القانون الأعور الذي لا يعتبر إغراق 142 “زنجيًّا” جريمة، ولا يعتبره حتى قتلاً. كانت القضية ـ في نظر المحكمةـ قضية تجارية بحتة لا تتعلق إلا ببضاعة تم إتلافها ثم التحايل من أجل الحصول على التأمين. حتى الصحافة “البيضاء” تجاهلت هذه المذبحة بشكل شبه كامل؛ فماذا عساه أن يثير اهتمام قارئ إنجليزي أبيض، في “تلف” بضاعة من الأفارقة السود كانت في طريقها إلى السوق؟

***

وماذا عساه أن يثير اهتمام قارئ مصري في محاكمة فاسدة عقدت في إنجلترا في القرن الثامن عشر؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العدل, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد