لا يشكل التلاعب بخريطة الأحداث عبئًا وخطرًا على الباحث عن الحقيقة عندما يكون مصرًّا على الوقوف عندها، لكن الوصول إليها غير مضمون إذا أصابه سحر التلاعب بالمفاهيم والتصورات، لذلك وجب على دعاة التغيير والإصلاح الانتباه إلى ما ذكره الشيخ محمد قطب رحمه الله في قوله: «إن فساد المفاهيم  أخطر وأشق علاجًا من فساد السلوك».

فإذا كان من الطبيعي أن تضطرد شدة التدافع الإنساني وكم النظريات المستقلة والمتباينة، فإنه من غير الطبيعي أن يتم السطو على المفهوم، فيسلخ عن حقيقته ومكوناته  الموضوعية بغرض الوصول لغايات مصلحية، وهو في الحقيقة منهج قديم جديد، كان وما زال وسيبقى ملاذًا مغريًا لذوي النزوات الآنية العابرة، كون الميول النفسي للقيمة والفضيلة حاجة دائمة مستمرة ما استمر وجود هذه النفس، فالكرامة والحرية والعدل والشجاعة كلها مرام مرغوبة، في الأحوال المتحولة والأماكن المتكونة، وستجدها مفردات على لسان الصالحين والطالحين، الأرْيَحِيّين والنفعيين، وانظر مثلًا إلى ما جاء على لسان فرعون  محذرًا من موسى عليه السلام في محكم التنزيل: «إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» غافر 26.

والمفهوم  لا يكتفي بمكوناته البنيوية،  بل يمتد إلى بيئته الزمانية والمكانية حيث يتجلى حقيقة قائمة بذاتها، فلا يمكن مثلًا أن نتحدث عن خلق الشجاعة بعيدًا عن مواقف مناسبة، إذ لا يمكن أن نصف أحدهم بها دون تعريضه لما يمكن أن يترجمها من خلاله ـ الشجاعة ـ تصرفـًا، بل لا يمكن أن نجده كذلك أمام جمع من الجبناء، المفهوم يخضع للحال.

أردت من هذه التوطئة القول، إن إقحام مفاهيم، كالقوة المشروعة، والفن الصعب، والإقصاء العادل، في حالة كالمشهد السياسي الجزائري وإن كان يعد جرأة كتابية، إلا أنه في واقع الحال مجازفة مفضوحة إذا أريد بها التقويم ومن ثم الحكم، فضلًا عن أن ننطلق من الأخير نحو الأول.

وإن كان الأستاذ حسين مغازي في مقالته «فنّ صناعة الخصوم، كيف تقصي بضمير» برر إقصاء السلطة «القوية» للمعارضة الضعيفة بسلوك مستحق تقتضيه الحاجة لإيجاد حالة من التدافع ـ عجزت هذه المعارضة عن توفيره كونها ضعيفة ـ تعود على الدولة بالمَنعة وعلى الشعب بالمُتعة، وهو ما اضطلع به حزب جبهة التحرير الوطني بقيادة «الفنان عمار سعداني صانع الخصوم»، فإن تساؤلًا مشروعًا ينقدح في الذهن يستهدف مفهوم قوة السلطة، وآخر بدهيًّا يستوضح ربط  استحضار الإقصاء بتحصيل التدافع، وهل يستقيم بالمنطق السياسي، أن  ندفع لتقوية الخصوم أو البحث عنهم، في حين أنه يتم إقصاؤهم وهم ضعفاء؟!

قوة السلطة أو القوة السياسية مفهوم ممدود امتداد التاريخ، كون التجارب الإنسانية متنوعة  وبالتالي التصورات،  لكنها تتقاطع جميعها في أن الحكم القوي هو الحكم الذي يعود على الأمة أو الدولة بالقوة ولذلك مؤشرات طبعًا، وقوة الدولة من إيفائها بأواصر العقد الاجتماعي المبرم مع مواطنيها ولذلك مؤشرات أيضًا، ولو أردنا إجمالًا الحديث في تلك المؤشرات فإنها في حدها الأدنى القدرة على المحافظة على مقومات الدولة من العوامل المهددة لها داخليًا أو خارجيًا، وإذا زدنا على ذلك فهي امتلاك  فواعل التأثير والتوجيه للأحداث الإقليمية والدولية.

ومع أن الدولة الحديثة  اجتازت مكتسبات الديمقراطية ودولة القانون وفصل السلطات وحقوق الإنسان إلى النزوع إلى التجمع في تكتلات أممية تحافظ على الوجود والمصالح والتواجد في مواقع التأثير، إلا أن المشروعية السياسية ـوإن لم تكن بشرعيةـ والاقتصاد الملبي لميثاق العقد الاجتماعي هما المؤشران لقدرة الدولة على الصمود، فهل للسلطة الجزائرية  مشروعية سياسية؟ وهل التزمت بالعقد الاجتماعي المبرم مع مواطنيها؟

يدعي كثير من المتابعين أن فشل دعوات استدعاء الربيع العربي إلى الجزائر يعد  استفتاء صريحًا لشرعية السلطة الجزائرية ومشروعيتها، وما هو في الحقيقة إلا استغلال لحالة الوعي المكوي الجمعي التي تنتاب الشعب الجزائري إثر أزمة التسعينيات، و لا يعني البتة أنه مؤشر عن رِضا، وإلا كيف نفسر مقاطعته لرئاسيات 2014 ولاحقـًا إقصاءه من الاستفتاء المباشر على دستور 2016، إذا كان مصيريًّا  وسيؤسس للجمهورية الثانية كما تزعم السلطة ذاتها.

أما إذا وقفنا عند العامل الاقتصادي، كمؤشر على الرشاد السياسي ومؤدٍ إلى الاستقرار الاجتماعي، فإن  طبيعته الريعية  أفرزت أحداث أكتوبر «1988» الناجمة عن هزة عنيفة في أسعار النفط «1986»، والتي استحالت فيما بعد أزمة سياسية عويصة كادت أن تنهي حالة الدولة، ولا يتوقف الأمر عند التبعية فحسب، بل إن  العجز في الانتقال من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي، باستغلال لحظة السيولة المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة، والتي أوردت للصندوق القومي ما يقارب الترليون دولار ـ رقم قدمته السلطة ـ ثم يُتداول حديث عن إمكانية الاستدانة من البنوك الدولية، فإننا حتمًا إزاء فشل  اقتصادي صريح، ينبئ عن إفلاس حقيقي للسلطة المسؤولة.

يتجلى هذا الإفلاس في الخطاب الرسمي للمتحدث الأول باسمها أمين عام جبهة التحرير الوطني عمار سعداني، إذ لا يجد مرافعة ذات قيمة سياسية غير خطاب مؤامرة تحاك ضد البلد تساهم في  تنفيذها أدوات داخلية، وهو خطاب كلاسيكي خشبي صار علامة إعلامية لسلعة رديئة لا يجد صاحبها ما يعرضه غيرها، وإذا أراد تجميلها أضفى عليها طابعًا ناريًا يعريها أكثر مما يداريها، وهو عندما يرمي الخصوم وحتى الأقرباء بالتشبيهات الدنيا، إنما يشي بضحالة سياسية افتقرت لأدنى بدهيات العلاقات السياسية والتقاطعات المصلحية، فالذي لا يفهم في هذا المستوى من الممارسة السياسية أن التنافس أو حتى العداء السياسي ليس صفريًّا، لا يمكن أن نرقيه إلى رتبة محنك، فهل بعد كل هذا ما يزال بعضهم  يرى قوة السلطة؟!

إلا إذا كان هذا البعض يرى هذه القوة وفق بديهية ثيوسيديدس «القوي يفعل كما يريد والضعيف يعاني كما يجب»، أي القوة القاهرة التي لا تعير للبعد القيمي الأخلاقي موضعًا ومكانـًا، طالما أن الغاية النهائية الوصول إلى التدافع النزيه العادل للحصول على الأفضل.

إن السلطة التي تمد الدولة بالقوة وتعمل على تحصينها، ليست حتمًا تلك التي تستغل عناصر الدولة لإثبات  سلطويتها وتثبيتها، فلا يمكن أن نتحدث عن  قوة سلطة تستقوي بالقضاء والإعلام والإدارة وحتى القانون لوسم معارضة لم تتح لها صُبابة الفرص الموضوعية  للمساهمة بدورها كجزء من الحكم وليس غريمًا له بالضعف، فالثنائية الصحيحة المناسبة لثنائية المشهد السياسي الجزائري «سلطة، معارضة» هي الثنائية «ضعف، ضعف» وليست الثنائية «قوة، ضعف»، أي أن السلطة والمعارضة ضعيفتان كلتاهما، ولو أن ضعف المعارضة هو نتيجة طبيعية سعت السلطة وحرصت على تحقيقها منذ بداية التسعينيات عن طريق غلق الملعب السياسي إلا وفق ما يخدمها من جهة، وعن طريق الإضعاف المباشر للكيانات السياسية المعارضة بشتى الممارسات من جهة أخرى، ولعل من أهمها أسلوب الإقصاء كتقليد من تقاليد الأنظمة الشمولية.

وإن فات بعض النخب القارئة  للمشهد السياسي الجزائري  محذورية الإقصاء  كتفكير أو سلوك من خلال درس رباني ذي دلائل عميقة، جرت أحداثه وحْيِيَّة صريحة في قوله تعالى على لسان إبليس اللعين: «قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بما أغويتني لأزينن لهم  في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين» غافر «36 ـ 04»، وقد كان قائد البشرية الأعظم ومعلمها الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مدركـًا للخطورة التي تترتب على فسح مساحة لهاته النزعة، فلم يقص يهود المدينة وأشركهم في الحياة العامة للدولة الفتية، وأسس وثيقة دستورية تنظم هاته الشراكة، بل إنه صلى الله عليه وسلم ذهب أبعد من ذلك عندما أتاح لمن هم أعظم خطرًا من اليهود «المنافقين» فرصة التواجد في المشهد رافضًا قتلهم بل رافضًا فضحهم، إذا فاتهم هذا فإنه لا تفوتهم تجربة عملية  قريبة للآثار المترتبة عن العقلية الإقصائية التي كانت سببًا رئيسًا للعشرية الحمراء، فالخطاب الإقصائي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، والفعل الإقصائي للسلطة، شكلا العامل الأهم للأحداث المأساوية، وإن كان القول لا يُحمل بقدر الفعل، لا يجتمع عدل وإقصاء إلا في حضرة إفساد يناقض غاية الإعمار.

إن  تبرير الإقصاء أيًّا كان شكله،  لا ينم عن سوء تقدير فحسب، إنما كذلك عن إصرار على الخطيئة وجهل غير نزيه، وهو إجحاف في حق المعارضة مرتين، الأول كونها  صاحبة حق في أداء واجباتها الوطنية، وثانيهما كونها أثبتت أن الضعيف قد يؤدي ما لم يؤده «القوي» وحده، وهو ما فعلته عندما انحاز جزء منها لصالح  الدولة في بداية أزمة التسعينيات، فساهمت بذلك في الحفاظ على مقومات الدولة وكيانها، ونعني هنا الأحزاب التي شاركت في العملية السياسية في تلك المرحلة، لذلك فإن ادعاء إقصاء المعارضة لأنها ليست قوية، يكذبه إقصاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ القوية، أو لأنها لا يمكن أن تؤدي دور المدافعة الرافعة لشأن الدولة، ينسفه دور المعارضة في المحافظة على الدولة ذاتها.

إن التدافع سنة كونية يستدعيها حدوث الفساد والإفساد «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» البقرة 251، لذلك فالسلطة ليست بحاجة لفن ينتج خصومًا قادرين على المنافسة لتحقيق الأفضل الممكن، طالما أنها عاجزة عن إنهاء الفساد المعشعش في مفاصل الدولة، وليست بحاجة للبحث عن  معارضة مكافئة، لأنها ستظهر حتمًا من رحم الموجود أو من رحم آخر، وهذا ما يجب أن تدركه المعارضة أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التبرير
عرض التعليقات
تحميل المزيد