أحمد مجدِي
أحمد مجدِي

1,023

بين دفاتر الكتاب العالميين، برزت روايات لا حصر لها تناولت أن «كنز المرء في رحلة وصوله إلى المفاهيم» وليس في معرفة المفهوم نفسه، رأينا هذا في «خيميائي» باولو كويلو حين قطع الفيافي بحثًا عن الياقوت والمرجان فوجد معنى، وبين سطور «صورة دوريان جراي» لأوسكار وايلد، حين أدرك في نهاية المطاف، بعد بحث طويل، وبعد دماء وأشلاء، أن التغير الذي رآه في صورته المعلقة على الحائط، نتج عن تغير طباعه وتنكره لمبادئه، في أدب طه حسين ونجيب محفوظ، وقرائح رضوى، وشعر العرب.

لكن «كافكا على الشاطئ» لهاروكي موراكامي، والصادرة في 2002، عمل فريد من نوعه تمامًا، فهي الرواية التي تناولت مفاهيم «سر الوجود» و«معنى الحياة» بعبقرية لم تسبق إليها، ودون أن تصرح أبدًا بهوية تلك المفاهيم، ولكن قارئها، أيًا كان لسانه، وأيًا كان ميله، سيشعر أن شيئًا ما تحرك داخله بقوة، وسيدرك بما لا يدع مجالًا للشك أنه امتلك بين دفتيه كثيرًا من تفاصيل الرحلة.

ربما نبعت العبقرية في «كافكا على الشاطئ» أكثر من أي عمل آخر، في أن تفاصيل معقدةً في الأدب الياباني، وتحديدًا أدب موراكامي، جعلته الأنسب لتلك النوعية من الرواية، إذ يتأكد القارئ المنقح لسطورها، والفاهم لثنايا معانيها، أن كاتبًا آخر مهما بلغت قريحته الأدبية، وصدق إحساسه، وتسلسل تفاصيله، وسلامة منطقه، أن تلك الرواية خُلقت ليكتبها «موراكامي»، وذلك المعنى وُجد ليؤطره «موراكامي»، وتلك الفكرة حافظت على غموضها إلى أن جاء «موراكامي» ليسبر أغوارها.

أدب موراكامي

يتسم أدب الكاتب الذي يصفه العديد من متابعي الرواية حول العالم بأنه الوريث الشرعي لويليام شكسبير، بالإغراق في التفاصيل، رغم استهجان البعض لكثرة تلك التفاصيل، وطول الرواية لدى البعض.

تفاصيل تبدو في بعض الأحيان دون جدوى، لكن «موراكامي» أصر في العديد من المحافل أن يؤكد على قيمة كل كلمة في رواياته، بينما عزا بعض محبي أدب موراكامي هذا الإسهاب إلى ضعف جودة الترجمات التي نقلت الرواية عبرها إلى العديد من اللغات، وعدم مواءمتها لروعة النص الأصلي.

كذلك فقد أثار إغراق «موراكامي» في الجنس، معنى ووصفًا، حفيظة العديد ممن يفضلون ألا يكون التفصيل في هذا الجانب بذلك الوضوح، ولكن الأدب المعاصر بكافة جنسياته، يشير إلى أن ذلك الضرب من التناول أصبح ضربًا من الماضي، لا يتمسك به الآن سوى قليلين، حتى وإن أغرق موراكامي بالفعل في تفاصيله وأدخله في لقطات عديدة من روايته.

أدب موراكامي يتسم أيضًا بالاهتمام بالمفاهيم، بدقائق المؤديات إلى المصطلحات العامة، ويهتم كثيرًا بغموض التفاصيل المؤدية إلى المعاني الرئيسية، كل هذا مع عدم إغفال التسلسل المنطقي للتفاصيل بين جنبات صفحات رواياته، وتحديدًا «كافكا على الشاطئ».

غموض موراكامي لم يقتصر على التفاصيل، بل في هوية الشخصيات أيضًا، على سبيل المثال، يمكنك أن ترى شخصية «الكولونيل ساندرز» عرّاب مطاعم «كنتاكي» الشهيرة، كشخصية رئيسية في الرواية، يمكنك أن ترى «قطة» تتحدث بحكمة الدنيا إلى عجوز يفهم حديثها، الغموض يحيط بكل شيء في أدب موراكامي.

حبكة الرواية

يسير الجانب الروائي لـ«كافكا على الشاطئ» بين شخصيتين متوازيتين، الأولى هي شخصية البطل «كافكا تامورا» الفتى البالغ من العمر 15 عامًا، والذي يستقل عن بيت أبيه في سن مبكرة، مغادرًا العاصمة «طوكيو» ومتجهًا صوب «تاكاماتسو»، حيث علم أن أمه وأخته اللتين انفصلتا عن أبيه هناك، في هذه الرحلة يكتشف معانيَ أخرى للحياة، رحلة يقطعها موراكامي، متقاطعًا مع العديد من المفاهيم والأشخاص الذين يشكلون أحجار زاوية في خط سيره، ليصل في النهاية إلى الحقيقة الموجودة في مبنى اجتهد طيلة أحداث رحلته أن يفتحه.

على الجانب الآخر، فإن الشخص المحوري الآخر للرواية هو العجوز «ناكاتا»، الذي يجتهد بكل الطرق ليصل «كافكا» إلى الحقيقة، على الرغم من أنه لم يلتق الفتى طيلة الرواية.

«ناكاتا» عجوز يعاني من خلل ذهني بسبب حادث غريب وقع في فترة الحرب العالمية الثانية، حين تعرضت اليابان لسقوط القنبلتين على «هيروشيما» و«ناجازاكي»، اكتشف فيما بعد أنه يستطيع الحديث مع القطط وفهم كلامها، ثم تورط في جريمة قتل لوالد «كافكا» الذي هرب منه الفتى.

يهرب «ناكاتا» من طوكيو، لتسوقه الأقدار في رحلة هروبه إلى «تاكاماتسو» دون أن يدري أنه ينفذ مخططًا ميتافيزيقيًا، لفتح المبنى الذي يمثل «معنى الحياة» الذي سيدخله «كافكا» بالصدفة.

معنى الحياة

تشير الرواية إلى أن الحياة تتمحور حول مجموعة من الأحاسيس، التي يشترك فيها بنو الإنسان دون التطرق إلى تفاصيل خلافية، هذه الأحاسيس هي مجموعة من المفاهيم التي لا يشترط أن تعبر عنها الكلمات، ولا السلوكيات، ذلك هو سر الحياة.

«ناكاتا» العجوز لم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، ولكنه استطاع أن يقرأ في المكتبة العامة التي صحبه إليها رفيق رحلته السائق «هوشينو»، جو مليء بالغموض، لكن موراكامي يريد في كل طيات أحاديثه أن يشير إلى أن الحياة مليئة بالتفاصيل، التي تشوب تلك المشتركات.

ملامح التناول

في «كافكا على الشاطئ»، يظهر موراكامي عبقرية في التناول، والتنقل بين التفاصيل المختلفة، عبقرية تجعل القارئ في بعض الأحيان لا يستطيع أن يتنبأ بما هو آت، بل لا يستطيع أن يربط بين ما حدث الآن، وما حدث قبل دقائق!

يظهر ذلك جليًا في فصل من أوائل فصول الكتاب، بدا فيه واضحًا أن الحادث الذي طرأ للعجوز ناكاتا في صباه، نتج عن الأجواء الذرية التي سادت سماء المدن اليابانية في أعقاب القنبلتين، كل شيء مهد لهذا، بل يحسب القارئ أنه امتلك خبرة في تأثير القنابل الذرية على الأطفال، وربما جزم بأن الآتي كله مبنيّ على ما فهمه، لكن موراكامي يفاجئ بسبب آخر تمامًا، يجعل القارئ مستمتعًا بين حيرة الربط بين التفاصيل، وبين دخوله في حالة شعورية بكل حواسه، ثم خروجه منها في سلاسة ويسر، كل هذا إن أشار إلى شيء، فإنما يشير إلى عبقرية الكاتب، وسلاسة الأسلوب، ومدى الإتقان الذي كرسه للرواية، وهذا ما جعل «موراكامي» وريثًا أدبيًا لشكسبير، وما جعل «كافكا على الشاطئ» محط اهتمام، وشراء، وتقدير كثير من محبي الروايات في العالم.

لماذا الأدب؟

لماذا يقولون إن الفن هو اللغة المشتركة بين الشعوب أجمع؟ ببساطة شديدة، لأنه يضرب على وتر المعنى، والمعنى رغمًا عن أنف كل الظروف، وكل الاختلافات، مشترك.

ولماذا نؤمن نحن – معاشر القابضين على جمر الأدب في زمن العفن – بأنه فن حقيقي، لا يقتصر على موهبة، ولا يمكن حده في اجتهاد؟

نؤمن بالأدب فنًّا، لأنه يستطيع أن يحرك القلب ويلبي حاجة الإنسان إلى إيجاد المشترك بينه وبين بني جنسه، نؤمن بالأدب فنًّا لأن قراءة رواية مثل «كافكا على الشاطئ» بأية لغة ترجمت إليها، تترك داخلك أثرًا يتعدى حدود اللغة، الرحلة نفسها ولكن بلسان مختلف.

«كافكا على الشاطئ» امتداد غير مسرحي لـ«هاملت»، تلك الرواية التي ترجمت بكل لغات الأرض، ولم ير العالم كله اختلافًا في مدلولاتها الحسية المشتركة، وتناولها لأدق دقائق النفس الإنسانية بسهولة تتخطى كل الحواجز التي وضعها بنو البشر في تعاملهم بعضهم مع بعض، ذلك أن هذا طبع الأدب الصادق، وأننا نحن – معاشر محبيه – نراه هكذا، وسنظل نراه هكذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك