كتابة الرسائل، تعني أن تعري نفسكَ أمام الأشباح، و هو شيء لطالما كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر، إن إمكانية كتابة رسائل بسهولة لا بد أن تكون قد جلبت الخراب والدمار للنفوس في هذا العالم. كتابة الرسائل في الواقع هو بمثابة جماع مع الأرواح، وهذا لا يعني روح المرسل إليه فحسب بل الأشخاص الذين يملكون روحًا أيضًا، وهذا يتطور سرًا في الرسالة التي يكتبها المرء. *فرانس كافكا

ربما كان من الصعب ان تجد من اشتهر دوما بالكتابة الكابوسية وقصص الخيال المنعزل، أن يكتب رسائل مفعمة بالحب والمشاعر الحارقة التي تقرأها تشعر أن الذي كتبها كاتب قصص رومانسية وليس قصاصا يكتب الكابوسية الحالكة.

فرانس كافكا الذي اشتهر في القرن الماضي بكتابه القصص القصيرة وأصبح رائدا لها بفضل كتاباته التي دوما ما كان يخفيها ولا يريد لها أن تظهر إلى النور ولم تظهر إلا بفضل صاحبه «ماكس برود» الذي أقنعه بنشر أول قصصه تحت عنوان «تأمل» وذلك في عام 1908.

قد أصابه الحب يوما لصاحبته ميلينا التي كانت البداية بينهما بأن ترجمت ميلينا قصص كافكا إلى التشيكية لتبدأ مراسلاتهما كتابيًا، ثم التقيا في فيينا عام 1920 لأربعة أيام، كانت الأفضل في حياة كافكا بأسرها، فقد اختفى فيها مرضه، وانقشع ضباب خوفه.

حياة كافكا القاتمة وظروف معيشته وتربيته جعلت منه شخصا بائسا وكانت السبب الرئيسي في عدم فهم من حوله له، ما أبأس هذا الإنسان، رجل تربى في بيت تحت حكم والد مستبد قوي – هكذا وصفه – عاش حياه منعزلة، قلبه دوما مليء بالحزن، وعندما احب خطيبته التي تدعي «فيليبس» فسخ منها مرتين، بل واحب عليها صديقته المتزوجة «ميلينا»،حتى صديقه «ماكس برود» الذي استأمنه على نشر مؤلفاته قد أخفى بعضها لاعتبارات معينة، فكان من الطبيعي بعد هذه الحياه المضنية أن تكسرت عافيته ويصيبه مرض السل الذي أودى بحياته إلى الموت وهو في سن الواحد والأربعين.

ألا ترى أن هذا يطلق عليه حرفيا البائس! نعم إنها حياة دون حياة!

كان كافكا الذي أحب حياه العزلة بكل تفاصيلها المرهقة، قد كره الزواج بالرغم من تعدد صديقاته، و كان يرى أنه قد يتعارض مع ميوله الأدبية فكان يقول لفيليبس خطيبته آنذاك «سأكون زوجا غير صالح يخونك كل ليلة مع كتاباته».

وبالرغم من هذا كله قد ضربه سيف الحب الذي يشبه الساموراي الذي لا يرحم، وأحب ميلينا وكتب لها الرسائل التي تحمل في طياتها مزيجا من الحب والمحاكاة لحياته اليومية، إلا أنها كانت لا تخلو أيضا من عبارت الحزن المفجعة، وليس هذا بالغريب على كافكا الحزين.

ميلينا هذه الجميلة ذات الأربعة والعشرين والتي عرفها صاحب «المسخ» هو ابن السابعة والثلاثين علي مقهى في براغ والتي تفيض بكامل الأنوثة، كانت المختلفة من بين جميع صديقاته، ورسائل كافكا لها كانت مختلفة ولا تشبه رسائله مع أحد، كانت الأجمل، لأن ميلينا كانت أكثرهن فهمًا له، فكان يشعر بالارتياح والحرية معها.
هي الحب العاصف!

«ميلينا، أي اسم غني وكثيف، ممتلئ، مفعم لأي درجة يشق عليّ حمله».

ميلينا، كفتاة مثقفة مهتمة بالأدب والموسيقى والفن، متحررة وشغوفة بالتجارب والمغامرات، على الرغم من أنها متزوجة من يهودي كان يسيء معاملتها، إلا أن كافكا لا يراها امرأة، كان دائمًا يراها كفتاة، هكذا قال.

«بالنسبة إليّ، لست امرأة بل فتاة شابة، لم أعرف في حياتي فتاة أشد صبا منك».

كتب إليها يوما فقال «يا للسماء، لو أنك هنا يا ميلينا، أنت والعقل البائس العاجز عن التفكير! إلا انها ستكون كذبة بالنسبة لي لو قلت إنني افتقدك، إنه السحر الكامل، المؤلم، إنك توجدين هنا، مثلما أنا هنا، إن وجودك مؤكد أكثر من وجودي، إنك تكونين حيث أكون، وجودك كوجودي، وأكثر كثيرًا من وجودي في الحقيقة».

كان احتياج كافكا لها كاحتياج المريض إلى الدواء ولكنه كان في نفس الوقت يمارس رياضته المفضلة وهي التلاعب بالغياب عبر افتتاح مسرح اللغة!

كان يقول:

«إن رغبتي في الكتابة إليكِ باستمرار، ليس دافعها الحب، بل نتيجة شقاء استعدادي الفكري».

كان يقولها فقط ليرضي نفسه ويكبح جماح رغبته ويسد باب عجزه في الحصول عليها أما من داخله فكان يريدها، لا ريب في ذلك! كافكا كان لاعبا محترفا في الكتابة بالشكل الذي يجعله يقول «إنك تكونين حيث أكون، ووجودك كوجودي» ولكن في حقيقة الأمر هو لا يحب أن يكون أحد إلى جواره فهو محترف كتابة، محترف كتابة فقط لا مشاعر!

«أحيانًا يكون لديّ شعورٌ أننا في غرفة واحدة لها بابان متقابلان وكلٌ منَّا ممسكٌ بمقبض الباب. أحدنا ينقر (برمشة عين)، والآخر بالفعل خلف بابه. والآن، أول واحد قد فعل، إلا أن يصرّح في الحال بكلمة، فإن الثاني يغلق الباب خلفه ولن يعود يُستطاعُ أن يُري».

«لا أستطيعُ التَّفكير في أي شيء لأكتبَ عنه؛ أنا فقط أتجوّل بين السطور، تحت نور عينيكِ، في اتساع فمكِ كمَثَلِ يومٍ سارٍّ، يبقى جميلًا وسارًا حتى لو أن الرأس مرهقة ومتعَبَة».

مشكله كافكا المحيرة أنه كان يعامل الحب والارتباط العاطفي لشخص كمعاملته للكتابة مثلا! بمعنى أنه يعامل الحب معامله الورقة والقلم، من ناحية يرى الحب والزوج هو الوجود ويقول «إذا كان الزواج مغامرة فان العزوبية انتحار».

ومن ناحية يراه معطلا رئيسيا عما يريد ــ الكتابة ــ ويقول «أحيانًا أكونُ مُقتنِعًا تمامًا بأنّني غيرُ مؤهّلٍ لأيّ علاقة بشرية». هكذا وصف نفسه، وهكذا كان حقيقة.

كان غريبا فعلا!

إن المتأمل في كتابات كافكا ـ عامة ـ ورسائله ـ خاصة ـ  يجد شيئا عجيبا، كان كافكا يجيد الكتابة دون أن يفهمه غيره، لدرجه أن بعث ـ آينشتاين ـ رسالة ـ لتوماس مان ـ يشتكي من صعوبة قراءته لكافكا قائلًا: إن العقل البشري ليس معقدًا إلى الحد الذي يمكنه من فهم كافكا.

وقد وصفه ـ جارودي –  قائلا «إن كتابات كافكا هي كفاح ضد الغربة، في صميم الغربة نفسها».

كاتب جيد بل ورائعأايضا، ولكن في المقابل لا يستقيم له هاو غير محترف، ربما كانت مشكله كافكا الرئيسة هي عدم فهم من حوله له بما في ذلك أهله ومن بعدهم خطيبته، كان كافكا غامضا في الكتابة بالشكل الذي يجعل كتاباته صعبه الهضم، فكانت المعاناة تزداد لديه، كان كافكا لا يعامل الكتابة كمان يعاملها أهل عصره من المثقفين والكتاب الذين يعتبرونها مهنة أو مصدرا لكسب الرزق، أما هو فلا،كانت الكتابة بالنسبة له هي الحياة فكان يهتم بالكتابة كما أنها هي الحياة «أنا أكتب إذن أنا موجود» هكذا كانت فلسفته الخاصة!

كان يكتب كل شيء، يدون يومياته بالشكل الذي يجعلك تقول إنه كاتب ممل. تقرأ رسائله المنشورة فقط وليست جميعها يجعلك تقول إنها رسائل استغرقت عمرا كاملا من حياة إنسان وتكتشف في النهاية أنها كانت في فترات زمنية وجيزة، يجعلك تقول أنه عاش مع ميلينا سنين عدة حتى كاد أن يتنفسها عشقا وهي في الأصل كان اللقاء بينهم عدة مرات قصيرة، كان كافكا يحسن إلى الكتابة ويهتم بها أكثر من اهتمامه بالشخص الذي يكتب له هو ببساطة جعل من عشقه وحبه لميلينا مهنه أكثر منها شعورا! فقد حول هذا الشعور إلى ورش عمل كتابة لا أكثر! فكان يدون لها ويكتب ما يحدث في حياته اليومية مضاف إليه بعض من مشاعره الفياضة. ببساطة كان يكتب المحاكاة اليومية فيشعرك بأنه كاتب متوغل في الحدث، وكان يكتب عن العشق والشغف فيشعرك بالحب كما لم تعرفه من قبل. حقا كان رائعا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد