في حالة من الحنين للماضي (النوستالجيا) تسيطر عليه، فتَح المفكرة الخاصة به وأخذ في قراءة ما قد كتب في تلك الأيام، حيث يقول كافكا: «سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال. إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات».  قرأ تلك الكلمات في افتتاحيةٍ قد كتبها مع تسلمه عمله الذي جربه سلفًا، ويعلم جيدًا أنه لا يمقت في هذا العالم شيئًا أكثر منه.

ثم تبع الصفحة التالية فوجدها تذكره بما قد حدث لـ«رشيوهورش سامسا»، أغلق الباب على نفسه وانتابته نوبة شديدة من الرعشة، مع تحديق مستمر إلى أعالي الغرفة التي يسكنها ليلاً، إلى أن تدق الخامسة وينبثق نور الصباح من عتمته التي دامت قرنًا. نعم، حدث بالفعل معه ما قد حدث لسامسا، لكنه لم تظهر أي علامة جديدة في وجهه تدل على وجود قرون استشعار – مثلاً – لم تتحول إحدى ذراعيه إلى تلك الًتي يراها في رفاق غرفته. كابوس طويل أشبه بواقع.

استيقظ فزعًا من نومه ينظر إلى إحدى ذراعيه، إلى وجهه في المرآة حيث ظل يحدق كثيرًا، هل هناك آثارٌ لأي قرون استشعار؟! شيء ما يؤرٍقُه طيلة أيام حياته، حتمًا لم تنته حالة التحول ولن يسافر المسخ، فمقصلة الروتين موجودة يا عزيزي وتشتاق دومًا إلى ضحاياها، كمقصلة الثورة الفرنسية تمامًا.

عرف رشيهورش وهو يسمع كلمات أمه أن قلة تواصله مع البشر، وحياته الرتيبة، وسط الأسرة خلال الشهرين الماضيين قد أفسدت عقله تمامًا. لم يستطع تفسير رغبته الحقيقية في أن تصبح الغرفة خاوية. هل يريد بالفعل أن تتحول هذه الغرفة الدافئة بأثاثها المريح إلى ما يشبه العرين، حيث يستطيع الزحف بلا عائق في كل مكان، فينسى بسرعة إلى الأبد ماضيه بصفته بشرًا؟

إنه في الواقع كاد ينسى، ولم ينبهه إلى هذا إلا صوت أمه الذي لم يسمعه طويلاً. فليتركا كل شيء في مكانه، يجب أن يبقى كل شيء في مكانه. لا يمكن أن يظل هنا بدون أثاث يبعث الراحة في نفسه. ولو عاقه الأثاث عن أن يلهو هنا وهناك فلا ضرر في هذا على الإطلاق، بل على العكس، ربما يكون مفيدًا.

النهاية المأساوية والواقعية للسيد «رشهورش سامسا» قذفت برأسي بعيدًا، إلى الوراء، حيث البرتغال و«ثورة الأرض» الكبرى وما قبل عام 74 من القرن الماضي. حيث كاتبها الرائع «جوزيه ساراماجو».

أتي «جوان المنحوس» شخصية جوزيه في الثورة، معبرًا عن الوجه الآخر لحالة السيد «رشيهورش»، هناك، حيث العالم الآخر، حيث السلام والعدالة المرجوة، يلوح جوان من بعيد ردًا على ما قد حدث مع سامسا، «يا عزيزي رشيهورش أما بعد، فليست هناك حياة سوى هذا السير الشقي دومًا، حيوان يتعايش فوق الأرض مع حيوانات أخرى، حيوانات أليفة وشرسة، نافعة وضارة، هو نفسه، مع البشر أمثاله، يعاملونه كحيوان نافع أو ضار، حسب احتياجات الوسية له، الآن أستدعيك، الآن تعفن في مكانك».  انتهى.

من مقصلة الرتابة والروتين والاعتيادية التي ألقت بكافكا في التحول إلى الهلاك، إلى التمرد والثورة على كل ما هو متعارف عليه بين البشر، ونتج عن ذلك كله «صراع» قصته الأكثر ألمًا وحرية مما قرأت. «نحن مثل جذور الأشجار وسط الثلوج، يبدو لنا أنها تنام في هدوء، وتعتقد أنه يكفي أن تدفعها قليلاً فتزيحها عن مكانها. لكن إلى أين؟

مستحيل! إنها ملتصقة بالأرض بقوة. لكن اسمع! هكذا نرى نحن الأمور. ما هذا الذي تفعلونه وكأنكم حقيقيون. تريدون أن تجبروني على أن أعتقد أنني لست حقيقيًّا، وغريبًا وأنا أقف فوق هذه الأرض الخضراء. لكن فات الآوان، الحقيقة أيتها السماء وأيها الميدان، أنت لم تكن يومًا حقيقيًّا».

هكذا ظل الحال مع الصادق كافكا. تساؤلات لا نهائية أراد بها الهرب من دائرة العدم المفزعة، ومن مقصلة الحياة الهالكة. تساؤلات كما ذكرتً في أول مقالتي أنه كما قال: «كفاح من أجل المحافظة على الذات».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد