حين شاهدتُ مسلسل «كفر دلهاب» كان واضحًا أن هناك إسقاطات سياسيّة واضحة على أحداث الثورة المصريّة وما تلاها. وبدا أن عمرو سمير عاطف يقوم بتجريد أحداث الثورة وإلباسها لباسًا آخر في عصر المماليك إذ انتشر الفساد والظلم وخنوع الناس ورضاهم. وهو ما جعل من «كفر دلهاب» ممارسة فنيّة متميّزة في ظل الكساد الجمالي الذي تشهده المسلسلات خلال العقد الأخير على الأقل.

كان المؤلف مُبدعًا في توصيف المراحل الأساسيّة للثورة والثورة المضادّة من خلال حكاية الكفر الذي يحكمه الفسدة والطواغيت ويقبل ناسه الخنوع والرضا خوفًا أو طمعًا في مصلحة وهي سمةٌ أساسيّة للسواد الأعظم من الشعوب الجاهلة. ومثّل انتقال الحكم من حاكم كان يظنّه الناسُ ظالمًا ورحّبوا بخلعهِ في مقابل قدوم حاكم آخر ظنّه الناس طيّبًا ليمارس طاغوتًا أشدّ وطأةً وأبشع ظُلمًا؛ تعبيرًا بليغًا عما حدث إثر الانقلاب العسكري في مصر. كان الطبيب سعد بالنسبةِ لي يُمثّل شباب الثورة تُحرّكه الرغبة الحارقة في تنفيذ العدل وإقامة دولة غير ظالمة خاصّة مع انكشاف أمر ثأره الشخصيّ ممن نهبوا حقّه. كل هذا كان مبررًا ومتماشيًا مع شباب الثورة الذي رفض أن ينهب العجائز حقّه ويسلبوه إرادته.

كنتُ أميل إلى تكوين فهمٍ رمزيّ عن شخصيّات المسلسل، توقعتُ مثلًا أن العلاقة بين الطبيب سعد والساحرة روايح التي جلبها شيخ الخفر لنصرتهِ قد توازيها العلاقة «المزعومة» بين شباب الثورة والدول الأجنبيّة ذات النفوذ التي استنجد بها مُبارك فلم تنجده، وأن الفترة التي قرر فيها شيخ الخفر أن يسجن ابن القاضي وابن كبير التجّار حمايةً لهما توازي المرحلة الانتقاليّة التي تم فيها تجميع رموز النظام السابق وفلوله في سجون فاخرة ذات خمس نجوم.

فهمتُ كذلك أن تفريق تجمهر الناس وتظاهراتهم أمام بيت شيخ الخفر ببضع كلماتٍ منه مغلوطة ومغايرة للحقيقة ثم رجوعهم إلى أعمالهم بإشارةٍ من إصبعه هي تعبيرٌ بليغ عن دور الإعلام الفاسد في قلب نفوس الناس وإذهاب ريحهم.

انتظرت نهاية العمل بشغفٍ لأعرف كيف سيبلور المؤلف التجربة الثورية. لكني حين شاهدتُ الحلقة الأخيرة أدركتُ أن ثمّة شيئًا خاطئًا لضحالتها الفكريّة وعدم اتساقها مع مسار الأحداث. كانت تبدو كنهايةٍ مقحمةٍ أو مفروضةٍ عليه وليست نابعةً منه. يقف الطبيب سعد – الذي نكتشف أنه شيطان فجأة! – موقفًا شديد الخبث من عوام الناس فهو يرى أن محاولة المظلوم رفع الظلم عن نفسهِ هي محاولة من الإنسان لأن يحقق مشيئته ضد مشيئة الله! إذ يرى المؤلف أنه من الأفضل للإنسان أن يلقى ربه مظلومًا عن أن يلقاه ظالمًا! يقول الطبيب سعد/ الشيطان لأخته «المظلوم لمّا ينسى ربّه وما يتكلشي عليه ويفتكر إن دراعه هو اللي بيجيب حقّه وأن النار اللي جواه لازم تحرق الكل، ساعتها بيتساوى باللي ظلم، المظلوم بيبقى ظالم والدايرة تكمل، دايرة الظلم والسواد»!

سأفترض جدلًا أن هذه النهاية هي الاستنتاج العبقري الذي وصلوا له وقرروا أن يبلوروا بهِ عملهم الفنّي. سيأخذني هذا إلى السؤال عن السبب البليغ الذي جعل المؤلف يُقحم الأخلاق في السياسة بهذا التصوّر السلطوي الكسيح؟ بل ويضعهما ضمن قراءة دينيّة مغلوطة لا تعبّر عن أيّ دينٍ قد يدعو الظالم إلى الاعتقاد بأن الظلم هو شريعة الله في الأرض، واعتبار أن أي رفضٍ للظلم هو رفض لمشيئة الله بما في هذا من تكريس للظلم ودعوةٍ للمظلوم للقبول بظلم الدولة، بل وإضفاء روح دينيّة تجعل من الخنوع والذل تديُّنًا مُحببًا.

إن جدليّة العلاقة بين السياسة والأخلاق هي جدليّة غير منتهيّة منذ هيجل ومكيافللي، ولا مجال لمناقشتها الآن، ولكن هذا السؤال – سؤال السياسة والأخلاق – كان يُطرح دائمًا في وجه السلطة والحاكم، وليس في وجه المحكوم. إن هذا الجدل – في أفضل حالاتهِ – يحاول أن يوفّق بين نموذج السلطة السيادي ومدى اتباعها أو عدم اتباعها للأخلاق، ولم يسأله أحد مطلقًا للمحكوم كي يتأدّب مع الله أو مع النظام ولا يقاوم الظلم الوقع عليه؛ حتى أتى مؤلف كفر دلهاب.

بخلاف توماس هوبز، لم يقل أحدٌ بقبول المحكوم لظلم الحاكم. يُشبه موقف هوبز من علاقة الدولة بالمواطن موقف بيع الإنسان روحه للشيطان، إذ لا يحق للمواطن استرداد حقه بعد تنازله الكامل عنه بمجرد قبوله للسلطة، وهو منطق ضد الحريّة والديمقراطيّة. على أن هوبز في فلسفتهِ كان يسعى لترسيخ صورة الدولة الحديثة ضد التشرذم الذي انتشر في أوروبا العصور الوسطى، بينما موقف «كفر دلهاب» يأتي ضد التيّار الثوري وفي وقتٍ تسعى فيه الشعوب العربيّة لبداية عصرٍ جديدٍ تُنهي فيهِ الفساد والتسلط.

الفهم الذي يحمله العمل للثورة تنتابه الكثير من العثرات والمغالطات، إذ يبدو أنهُ يُحمّل نتائج القتل والظلم والتعذيب والسجن كلّها للثوّار الذين رفضوا النماذج المصغّرة لهذا القتل والظلم والتعذيب قبل الثورة وخرجوا ضدّها. إنه منطق «إيه اللي ودّاها هناك» الذي يميّز الخنوع والذل والقبول بالهوان وهو السبيل الوحيد الذي يرى «رفض الظلم ومقاومته» فشلًا في ابتلاء الله وامتحانه للإنسان وفعلًا من أفعال الشيطان. وهو ذاته المنطق الذي يُكرّس الظلم ويضرب بجذورهِ في عمق المجتمعات. إن هذا العقل «العقل الذي يفكّر في فعل الثورة بطريقة: إيه اللي ودّاها هناك» هو العقل الوحيد القادر على أن يقرأ الدين هذه القراءة المغلوطة ويجعل من «الدفاع عن المال والنفس والعرض» خروجًا على طاعة الله وتنفيذًا لمشيئة الإنسان في مقابل مشيئة الله.

هذا الفهم للثورة أدّى إلى تكوين التصوّر الذي ظهر في نهاية العمل عن تجبّر المظلوم وتسويتهِ بالظالم. وبالرغم من أن الحالات التي يتجبّر فيها المظلوم إلى هذه الدرجة هي حالات نادرة في التاريخ؛ إلا أن هذا التصوّر قد يطرح سؤالًا لا بأس بهِ حول الحد الذي يجب أن يقف عنده المظلوم في مطالبتهِ بحقّه!

كنتُ غارقًا في تأمُّلاتي هذه حتى شاهدتُ بعض التصريحات التي قام بها أفرادٌ من فريق العمل فأفقتُ على الكارثة. لقد بدا لي أن هؤلاء القوم لا يفهمون العمل الفنّي الذي أبدعوه لتوّهم. إذ بدا فهمهم للنهاية التي قرروها لعملهم الرائع سطحيّة للغاية ولا ترقى لأي من الأسئلة التي كانت تدور ببالي. بدا لي وأنا أستمع للمؤلف أنه لم يكن يعرف إلى أين سيأخذه عمله، وفي نفس الوقت كانت تسقط منه كثير من التفاصيل الصغيرة التي أوجبتها اللحظة وعارضتها الأحداث التاليّة (كالبنت الصغيرة التي ترسم أحداثًا مستقبليّة بوحي من فتاة شبحيّة، وكظهور الفتاة الشبحيّة للطبيب حين كان يجلس مع البنت الصغيرة، وغيرها من التفاصيل). في نفس الوقت بدا أنه لا يمكن الرجوع عن هذه التفاصيل التي تمت كتابتها وتمثيلها وعرضها على الجمهور قبل أن تكتمل كتابة النص كلّه. ربما لأسبابٍ كهذه بدا حلّ «الشيطان» حلًّا مغريًا تصعب مقاومته، وبرغم ما في هذا من معالجةٍ ركيكة على طريقة الإله من آلة Deus ex machina التي كان اليونان يلجؤون إليها لحل عقد مسرحياتهم؛ فيبدو أن المؤلف قرر أن يقول لنا تحت ضغط الوقت: إن كل التفاصيل التي سقطت منه غفلة إنما هي –كذلك – من فعل الشيطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد