وأنت تتجول بين أزقة القيروان، وتلامس جدران معالمها، يأخذك الحنين إلى تاريخ مشرق، وتستنشق عبقات زمن الحضارة والازدهار، لن تتوغل كثيرًا، لتصطدم فجأة بجدار الواقع وهو يردد صدى قصائد الرثاء وألحان الأسى، على أمجاد عبثت بها أيادي حكام ما قبل الاستقلال وبعده، وألقت بها وبأهلها في غياهب الظلم والتفقير.

    المدينة العتيقة في القيروان

تعد القيروان من أهم المدن التونسية ومن أكثرها إشعاعًا في شمال أفريقيا وفي العالم الإسلامي، إشعاعًا جعل من الفقهاء يطلقون عليها اسم «رابعة الثلاث» أي رابع المدن المقدسة عند المسلمين بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف.

عرفت القيروان دورًا بارزًا على امتداد الحضارات المتعاقبة على شمال أفريقية، إلا أنه ومنذ الاحتلال الفرنسي لتونس أخذ دورها يتراجع شيئًا فشيئًا.

دور حضاري متميز

يعود إشعاع القيروان إلى دورها الرائد في نشر الإسلام واللغة العربية في تلك المنطقة، إذ فتحت منذ سنة 50 هجريًّا/ 670 ميلاديًّا على يد القائد الفاتح عقبة بن نافع، اختار عقبة بن نافع المكان في وسط أفريقية (تونس حاليًا) لبعده عن العدو البيزنطي من جهة البحر والعدو الأمازيغي من جهة الجبال، ونظرًا لما يتميز به من انبساط، وما توفره السباخ المحيطة من مراع للإبل، أما أصل اسم القيروان الذي أطلق على المدينة لاحقًا، فهو فارسي «كيروان» أي المعسكر أو المكان الذي يدخر فيه السلاح.

عرفت القيروان ازدهارًا حضاريًّا واسعًا، فقال فيها قديمًا المؤرخ الإدريسي في كتابه نزهة «المشتاق»: «القيروان أمّ أمصار وعاصمة أقطار، أعظم مدن الغرب قطرًا وأكثرها بشرًا، وأيسرها أموالًا، وأوسعها أحوالًا، وأتقنها بناء، وأنفسها هممًا وأربحها تجارة».

كانت القيروان عاصمة الدولة الأغلبية التي أسسها إبراهيم بن الأغلب سنة 200 هجريًّا عقب تراجع الدولة العباسية، ولعبت دورًا مميزًا خلال المراحل المتعاقبة التي مرت عليها، فظلت حوالي أربعة قرون عاصمة الإسلام الأولى لإفريقية والأندلس ومركزًا حربيًّا للجيوش الإسلامية ونقطة ارتكاز رئيسية لإشاعة اللغة العربية، فقد عرفت خلال هذه الفترة ثورة فكرية وعلمية، فكانت منارة يشد لها الرحال من كل الأقطار للعلم، وأنجبت العديد من الأعلام والعلماء الذين ساهموا في الحركة العلمية والأدبية الإسلامية، وكان لهم مكانة مرموقة في إثراء الحضارة العربية، ولعل من أبرزهم الفقيه أسد بن الفرات، والعالم الإمام سحنون، وأبو زيد القيرواني تلميذ مالك بن أنس، وابن الجزار عالم الطب، وابن رشيق، وابن شرف، والحصري الشاعر الضرير.

معالم أثرية مهمة

تاريخ القيروان وما تعج به من المعالم الأثرية بوأها لأن تٌختار من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عاصمة للثقافة الإسلامية سنة 2009، ومن أهم هذه المعالم وأروعها جامع عقبة بن نافع أو جامع القيروان الكبير، الذي شيده عقبة بن نافع، يعد هذا المعلم الديني بعد عمليات الترميم والتوسعة التي شهدها من أكبر مساجد الغرب الإسلامي، وتبلغ مساحته 9700 متر مربع، ويتميز بصحن فسيح تتوسطه ساعة شمسية ومئذنة تعد من أقدم المآذن في العالم الإسلامي إذ يصل ارتفاعها إلى 31.5 متر، كما يحتوي على كنوز قيمة، فالمنبر يعد تحفة فنية رائعة، وهو مصنوع من خشب الساج المنقوش، ويعد أقدم منبر في العالم الإسلامي، كما يزال محتفظًا به في مكانه الأصلي، ويعود إلى القرن الثالث للهجرة؛ أي التاسع الميلادي، كذلك مقصورة المسجد النفيسة التي تعود إلى القرن الخامس الهجري أي الحادي عشر الميلادي، وهي أيضًا أقدم مقصورة ما زالت محتفظة بعناصرها الزخرفية الأصلية.

جامع عقبة بن نافع

نجد أيضًا بيت الحكمة، من المعالم الموجودة في مدينة القيروان، وهي مكتبة أسسها إبراهيم الثاني الأغلبي 261 هـ / 902 م محاكاة لبيت الحكمة التي أسسها هارون الرشيد في بغداد.

تتميز القيروان كذلك ببهاء المدينة العتيقة، وبمقام الصحابي الجليل أبي زمعة البلوي، ومتحف العملة برقادة. فسقية الأغالبة أيضًا من المعالم المميزة في مدينة القيروان، إذ تعد أهم معلم هيدروليكي في تاريخ العالم الإسلامي، وقد شيدت في عهد أبي إبراهيم بن الأغلب بين 860 و862 هجريًّا.

فسقية الأغالبة

مخزون زراعي غني ومتنوع

بالإضافة إلى مخزونها الحضاري والثقافي تتميز القيروان بموارد مائية مهمة، ومخزون زراعي غني ومتنوع، أذ تمثل الزراعة أهم مورد اقتصادي بالجهة وتستوعب نسبة 40% من النشيطين من السكان. تمتد الأراضي الزراعية في القيروان لتبلغ أكثر من 612 ألف هكتار، ويتميز الإنتاج الزراعي فيها بالتنوع والإنتاجية العالية، إذ تحتل المرتبة الأولى في إنتاج الحبوب المسقية الذي تجاوز إنتاجها سنة 2017 أكثر من 850 ألف قنطار، والمرتبة الثانية في إنتاج الأشجار المثمرة، وأيضًا المرتبة الثانية في عدد القطيع، والثالثة في إنتاج الخضراوات كما يتميز زيت الزيتون، الذي تحتل به القيروان المرتبة الثانية من حيث الإنتاج، بالجودة العالية تونسيًّا وعالميًّا.

مجد مهمل وفرص غير مستغلة

رغم هذا الثراء الحضاري والزراعي، تعد القيروان اليوم من أكثر ولايات تونس تهميشًا، وصار ذكر مجدها القديم مرتبطًا بالحسرة والأسى، وقد عبر الشاعر التونسي الكبير مصطفى خريف عن هذه الحسرة فقال :

آه يا قيروان قد ضاع مجد … من يجيب النداء حين ننادي

هل لتلك الأيام رجعى قريبا … ليت شعري وهل لها من معاد

تأتي هذه الحسرة في إطار ما آلت اليه أوضاع القيروان من ترد، إذ تعد حسب تصريح لرئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الولاية الأكثر فقرًا في تونس، لتبلغ نسبة الفقر فيها 34%، وتبلغ نسبة الأمية بين سكانها 35%، أيضًا ارتبط ذكر القيروان مؤخرًا بظواهر اجتماعية سلبية؛ إذ تحتل المرتبة الأولى في نسبة الانتحار وفق أرقام المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة لانتشار المخدرات والجريمة في مدنها وقراها بما جعلها تتذيل قائمة الولايات التونسية في مستوى التنمية. تشهد القيروان أيضًا نسبة بطالة مرتفعة بلغت سنة 2017 نسبة 17% ليبلغ عدد العاطلين عن العمل فيها 30 ألف عاطل خمسهم من أصحاب الشهادات العليا، وذلك حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء.

أصبحت القيروان عاصمة الأغالبة تعيش تحت وطأة التهميش والتفقير، وهو الذي أكده لنا السيد قريش بلغيث عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، ورد ذلك لغياب «توجه استشرافي» تنطلق من مميزات الولاية الزراعية عن الحكومات المتعاقبة، رغم ما توفره الزراعة من إمكانيات كبيرة وحلول ناجعة للنهوض بواقع الجهة، مضيفًا بأن القيروان بإمكانها أن تعود مركزًا للإشعاع في المنطقة في حال القطع مع «الاستثناء الممنهج في حقها» من قبل الأطراف المتنفذة في الدولة.

«تثمين المخزون الحضاري والثقافي المهم والثري للجهة من الحلول التي تساهم في إعادة القيروان الى موقعها الطبيعي» هذا ما يراه السيد المولدي العنيزي الكاتب العام للنقابة الأساسية للثقافة بولاية القيروان ومدير المركب الثقافي أسد بن الفرات، والذي أقر بصعوبة تحقق ذلك في ظل عدم الاعتناء بهذا الموروث وعدم إيلائه المكانة اللازمة، ورصد الميزانيات الضرورية، بالإضافة إلى ما آلت إليه البنية التحتية الثقافية في القيروان من تهرؤ وعدم قدرة على مواكبة طموحات الفاعلين الثقافيين في الجهة وتطلعات المهتمين بهذا الموروث من داخل تونس وخارجها.

تبقى القيروان بما تحمله من تاريخ وما يتوفر فيها من إمكانات تبوئها من الخروج من وضعها المتأزم، العاصمة التي تنتظر من هم أدرى بشعابها للأخذ بيدها، ورفعها إلى حيث كانت خدمة لها ولأهلها وتحقيقًا للعدالة الاجتماعية المنشودة بعد ثورة الحرية والكرامة، واعتزازًا بإرث حضاري يشرف كل التونسيين، بل كل المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد