قبل البداية

أي تشابه يراه القارئ بين ما حدث هناك، وما يحدث هنا يتحمله القارئ وليس الكاتب.

على أبواب الكرملين.. والسؤال المُثار «من هو فلاديمير بوتن»؟

كنت تحدثت في الجزء الماضي من مقالي عن كيفية صعود بوتن إلى سُدة الحكم، وكيف وصل بوتن إلى أبواب الكرملين.

وكانت أول مشكلة تواجه الوريث أنه ليس له تاريخ معروف فـ«بوتن» عندما اختاره «يلتسين» كوريث كان شخصية غامضة وغير معروفة، فكان لا بد من إعطاء معلومات عن قيصر روسيا الجديد! و تولى القيصر «بوتن» نفسه الإجابة على السؤال الذي شغل بال الكثيرين داخل روسيا وخارجها «من هو بوتن؟».

يقول بوتن: «كنت مترددًا خلال سنوات شبابي بين الاختيار أن أكون طيارًا أو بحارًا، فقد كان الخيار الأول يستجيب لأحلام جيل كامل أحب السير على طريق (يوري ججارين) رائد الفضاء الأول، وأما عن الخيار الثاني فقد استلهمه بوتن من حكايات أبيه أثناء خدمته في سلاح الغواصات، وحكايات عمه الذي كان ضابطًا في أسطول البلطيق.

ولكن بوتن عندما كان في السابعة عشرة من عمره قرر الالتحاق بكلية الحقوق بدلًا من دراسة الطيران أو البحرية». وأضاف بوتن: «أنه كان يرغب بعد إنهاء الدراسة الثانوية العمل في جهاز الاستخبارات»، وأشار إلى أن هذه الفكرة ترسخت في ذهنه بعد مشاهدته فيلم سينمائي عن عالم التجسس.

ويكمل بوتن: «أنه ذهب بالفعل إلى مبنى (الكي جي بي) في بطرسبرج، والتقى مع أحد الأشخاص هناك واستفسر منه عن كيفية الالتحاق بالعمل معهم، ولكن هذا الشخص المجول الذي لم يذكر بوتن اسمه أوضح له أن الجهاز لا يقبل متطوعين، وعليه إكمال دراسته الجامعية والانتظار».

ويستطرد بوتن قائلًا: «بدأت بعدها الاستعداد للالتحاق بكلية الحقوق في جامعة ليننجراد»، ثم يضيف بوتن في كتاب (حوارات مع بوتن) أنه «أثناء سنوات الدراسة الجامعية كلها أنتظر أن يتصل به الشخص الذي كان قد ذهبت للقائه في جهاز (الكي جي بي) في ليننجراد لكنه بالطبع كان قد نسيه، وبعد تخرجه من كلية الحقوق بجامعة ليننجراد في عام 1975 أُرسل للعمل في جهاز أمن الدولة للاتحاد السوفيتي (الكي جي بي)، وعمل في الإدارة الأولى (القسم الخارجي) بمسقط رأسه».

وفي الفترة من أغسطس 1985 وحتى مطلع 1990 عمل في ألمانيا الشرقية لحساب المخابرات السوفيتية كمدير لبيت الصداقة السوفيتية الألمانية الشرقية في مدينة درزدين، وخلال عمله في ألمانيا الشرقية حصل على رتبة (مقدم) لما قام به من أعمال وخدمات.

وعندما عاد من ألمانيا الشرقية رفض الانتقال إلى العمل في الإدارة المركزية لـ (الكي جي بي) في موسكو حسب قول بوتن.

ثم يُضيف بوتن : «أنه قدم استقالته من (الكي بي جي) مرتين خلال التسعينات من القرن الماضي، بعد أن انتقل للعمل في المجلس البلدي لمدينة ليننجراد، لكنه بعد القضاء على انقلاب أغسطس الفاشل في 1991 وخرج منها برتبة مقدم احتياط، وحصل على رتبة عقيد جيش في الاحتياط مطلع 1999 أي في عهد يلتسين».

ويقول بوتن : «إنه عندما عُين في منصب رئيس جهاز الأمن الفيدرالي في 1998، كان يمكن أن يطلب الترقي إلى رتبة جنرال، ولكن هذا لم يحدث لأنه عُين بشكل سريع في منصب رئيس الحكومة الروسية في أغسطس 1999».

ثم بعد عودة بوتن إلى ليننجراد من ألمانيا الشرقية عُين في منصب رئيس جامعة ليننجراد الحكومية للشئون الدولية، واستأنف تعارفه مع «أناتولي سوبتشاك» أحد قادة الحركة الديمقراطية في عهد «جورباتشوف»، وأحد أنصار «يلتسين» والذي انتخب في مايو 1990 رئيسًا لمجلس المدينة ودعا «بوتن» للعمل معه.

وبعد انتخاب «سوبتشاك» في 12 يونيو عام 1991 عمدة لمدينة بطرسبرج، جرى تعيين «بوتن» رئيسًا للجنة العلاقات الخارجية لبلدية المدينة. وفي مارس 1994، شغل منصب النائب الأول لرئيس حكومة المدينة. وفي مايو 1995، ترأس فرع جزب «روسيا بيتنا» (حزب السلطة وقتذاك) في بطرسبرج بناءً على تكليف من سوبتشاك. وفي العام المذكور ترأس الحملة الانتخابية لحزب «روسيا بيتنا» في انتخابات مجلس الدوما لروسيا الاتحادية، وقاد الحملة الانتخابية لسوبتشاك الذي رشح نفسه من جديد لمنصب عمدة بطرسبرج.

وبعد هزيمة «سوبتشاك» في الانتخابات المذكورة، ترك «بوتن» كافة مناصبه بالمدينة، وانتقل للعمل في الكرملين بموسكو. وفي الفترة الواقعة بين يونيو عام 1996 ومارس 1997، شغل منصب نائب رئيس ديوان الرئيس الروسي (ديوان الكرملين). وفي 26 مارس عام 1997، عُين بمرسوم رئاسي نائبًا لرئيس ديوان الكرملين، ورئيسًا لهيئة الرئاسة العامة للرقابة. وفي 25 مايو1998، أصبح النائب الأول لرئيس ديوان الكرملين والمسئول عن العمل مع الأقاليم.

وفي 25 يوليو عام 1998، عُين مديرًا لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (الاستخبارات الداخلية ومكافحة التجسس).

ثم عينه يلتسين رئيسًا للوزراء في أغسطس 1999؛ تمهيدًا لتوريثه الحكم.

خطوات فلاديمير بوتن لترسيخ سلطته

بعد انتخابه للولاية الرئاسية الأولى في مارس 2000، بدأ بوتن على الفور في اتخاذ مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى ترسيخ سلطته، أو ما عُرف «بالديموقراطية الموجهة»، وتقوية سلطته الشخصية من خلال تقوية المراكز في مواجهة الطراف المكونة للاتحاد الفدرالي الروسي، والعمل على إنهاء النزاعات الانفصالية، والأهم
إنهاء سيطرة الأوليجاركية ووسائل الإعلام التابعة لها، وإخضاعها لسيطرة الدولة، ثم السيطرة على النظامين الحزبي والانتخابي في روسيا.

الخطوة الأولى.. تقوية المركز في مواجهة الأطراف

«كان ممكن للقوقاز أن ينفصل بأكمله، وبعد ذلك يمتد الانفصال إلى منطقة الفولجا وباشكيريا وتتارستان، وعندما تصورت ذلك وجدت أن النتائج ستكون مفزعة ليس علينا فقط؛ بل على الغرب أيضًا». الرئيس بوتن

تمثلت الخطوة الأولى للوريث بوتن بعد انتخابه في الإصلاح الإداري والسياسي الذي تمحور حول تشديد مركزية الدولة، وتقوية هرم السلطة، وإخماد النزعات الانفصالية التي انتشرت على نطاق واسع في عهد يلتسين. وأصبح شعار «ضرورة الحفاظ على وجدة الدولة الروسية»، وتقوية المركز في مواجهة الأطراف أحد مكونات أيدولوجيته خلال ولايته الأولى.

سعى بوتن منذ اللحظة الأولى إلى إلحاق هيئات السلطة في مكونات الفيدرالية الروسية بمنظومة بيروقراطية موحدة يمكن التحكم فيها من المركز مباشرة، وبدرجة شبه مطلقة. ففي مايو 2000، أصدر بوتن مرسومًا يقسم روسيا إلى سبع دوائر فيدرالية، تضم كل واحدة منها عدة مكونات للاتحاد الروسي.

وعين على رأس كل دائرة من هذه الدوائر السبع ممثلًا خاصًا له، وجلب هؤلاء الممثلين بشكل رئيسي من «الجيش» و«أجهزة الأمن والاستخبارات»، وكان الهدف هو تقوية السيطرة على الحكام في مكونات الفيدرالية الروسية المنتخبين بشكل مباشر من السكان، وتقليص حرية حركة النخب الحاكمة في الجمهوريات الداخلة في الفيدرالية الروسية، فهذه الجمهوريات سعت في عهد يلتسين إلى الحصول على المزيد من الصلاحيات في مواجهة المركز.

وبموجب مرسوم بوتن لم تُصبح هذه الجمهوريات جزءًا من الأراضي الروسية وحسب؛ بل باتت أيضًا جُزءًا من تنظيم إداري يخضع للمركز وللرئيس شخصيًّا.

ولا يكتفي بوتن بذلك؛ بل يأمر بمراجعة القوانين الصادرة في مكونات الفيدرالية الروسية، ومدى مطابقتها وتوافقها مع الدستور الروسي. وبعد أحداث مدرسة بيلا نفي أوستيا الشمالية جنوب روسيا في سبتمبر 2004، بلغت جهود بوتن لتقوية سلطة المركز ذروتها، فقد قرر إلغاء الانتخاب المباشر لحكام المناطق والأقاليم والجمهوريات المكونة للاتحاد الفدرالي الروسي، والانتقال إلى تعينهم عمليًّا من قبل الرئيس، وبرر بوتن هذا التحول بضرورة مكافحة الإرهاب التي تتطلب تمركز السلطة.

ولم يتوقف بوتن عند هذا الحد، وإنما منح نفسه حق عزل أي شخص من هؤلاء الحكام أو إبعاده عن منصبه بشكل مؤقت، ومرر بوتن هذا القانون عبر البرلمان الذي أصبح مواليًا له. ثم قام بعد ذلك بوتن بإلغاء المدة الزمنية المحددة لولاية الحاكم في منطقته، وبذلك أصبح الحاكم خاضعًا تمامًا للرئيس.
فالحاكم غير الموالي للرئيس يُمكن عزله، وأما الحاكم الذي يلتزم بالولاء للرئيس يستمر في الحكم.

وأصبح المبدأ الأساسي لاختيار الحكام هو الولاء التام لبوتن، مقابل إطلاق أيديهم في إدارة المناطق التابعة لهم.

ثم استطاع بوتن بعد ذلك تهميش منصب رئيس الحكومة بعد أن كان له صلاحيات واسعة في عهد يلتسين.

بوتن يقضي على التمرد الشيشاني

وبجانب الإجراءات المذكورة لتقوية مركزية الدولة، وهرم السلطة، ومنظومة السلطة الشخصية لبوتن في المناطق والأقاليم والجمهوريات المكونة للاتحاد الفيدرالي الروسي، عمل بوتن على تسوية المعضلة الشيشانية بعد أن تمكن بقيادته للحرب الشيشانية الثانية من إحراز انتصارات مهمة على المسلحين الانفصاليين الشيشان.

ففي أكتوبر 2003، أجرى بوتن انتخابات رئاسية في الشيشان وفقًا لخطة وضعها لتسوية المشكلة الشيشانية، بدأت في مارس من العام المذكور بإجراء استفتاء على دستور جديد لجمهورية الشيشان، وتم بالفعل إقرار هذا الدستور بأكثر من 90% من الأصوات، وهو ما شكك فيه الكثيرون. وينص هذا الدستور «على أن جمهورية الشيشان (المتمردة) تعتبر جزءًا لا يتجزأ من الاتحاد الفدرالي الروسي».

أما الانتخابات الرئاسية في الشيشان التي جرت في أكتوبر 2003، فقد استبعدت الرئيس الشيشاني «أصلان مسخادوف» الذي انتهت مدته الرئاسية في عام 2002، كما استبعدت بالطبع المجموعات المسلحة الشيشانية المتشددة (المطالبين بالانفصال) التي كان يقودها «شامل باسايف» وأسفرت هذه الانتخابات عن فوز «الحاج أحمد قاديروف»، الذي تحول من صفوف المقاتلين الشيشان في الحرب الأولى إلى صفوف الكرملين.

وكان واضحًا في تلك السنوات أن بوتن استبعد تمامًا التفاوض مع مسخادوف، وانتهج نهجًا لتصفية قيادات المسلحين الشيشان، وذلك بالرغم من إعلان أصلان مسخادوف المتكرر عن استعداده لإجراء مفاوضات سلمية مع موسكو دون شروط مسبقة.

وجاء اغتيال الحاج أحمد قاديروف في التاسع من مايو 2004؛ ليُعقد خطط بوتن لتسوية الأزمة في الشيشان، وسارع بوتن بعد تأكد نبأ قاديروف باستقبال نجله رمضان في الكرملين، كما قام بوتن بزيارة خاطفة للشيشان لمنح وسام البطولة لأسرة قاديروف، وعمليًّا يمكن القول بأن الكرملين ورث نجل قاديروف الموالي لبوتن حكم الشيشان.

وفي 8 مارس 2005، تمكنت الأجهزة الأمنية الروسية من قتل «أصلان مسخادوف» في إطار عملية خاصة نفذها جهاز الأمن الفيدرالي الروسي في قرية تولستوي في جروزني.

وفي العاشر من يوليو 2006، أعلنت السلطات الروسية عن مقتل القائد الميداني الشيشاني «شامل باسايف» في جمهورية أنجوشيا.

وبذلك تمكن بوتن عمليًّا من التخلص من أغلب القيادات الشيشانية المسلحة التي عملت مع الجنرال «جوهر دوداييف» (الذي تخلص منه يلتسين في أبريل 1996) من أجل استقلال الشيشان، وانفصالها عن روسيا.

وهكذا تمكن الوريث خلال ولايته الأولى من تقوية السلطة المركزية عبر هرم للسلطة يتحكم فيه مباشرة من الكرملين، بهدف تقوية سلطته الشخصية قاطعًا الطريق بذلك على حاشية سلفه يلتسن التي تصورت أنه سيقوم بدور الرئيس «المُطيع» له، أو الرئيس «الدُمية» كما كان الحال مع يلتسين.

أما بقية خطوات بوتن لترسيخ سُلطته سنتابعها في الأجزاء القادمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد