(١)
توفي والدي وأنا لم أبلغ العامين بعد، وترك لنا إرثًا عظيمًا، مكتبة ضخمة بها ما لذ وطاب من الكتب، “نيل الأوطار” و”تفسير ابن كثير” وكثير من الشروحات العقائدية، بالإضافة إلى المكتبة ورثت وإخوتي ثلاثة أدراج صغيرة من شرائط التسجيل، تحوي “القرآن الكريم بصوت والدي رحمه الله” و”خطب للشيخ كشك” وشرائط غنائية لـ “أم كلثوم” و”فريد الأطرش” وثلاثة شرائط لـ “سيد مكاوي”، وهكذا عرفته.

(٢)
يا ليل ابعت سلامي للناس الطيبة.

(٣)
شيء غامض في صورة الرجل تدفعك – رغمًا عنك – للابتسام حين تراها؛ قبل حتى أن تستمع إليه، بالنسبة لي فأنا أعتقد أن السبب الأكبر هو كون سيد مكاوي “كفيف”، يرتدي نظارة سوداء ضخمة تأكل النصف العلوي من وجهه، تمامًا كصورة أبي “رحمه الله” الكبيرة الموجودة على حائط المنزل، ربما تكون أيضًا “الضحكة” الدائمة التي يظهر بها في كل صوره وفي الحفلات القليلة التي صادفتها على شاشة التلفاز في طفولتي، أو الحضور المسرحي الغير عادي وتفاعله مع جمهوره كأنهم أصدقاء الدراسة ورفاق الصبا، حقيقةً لم أعرف أبدًا ماهو السر وراء تهلل وجهي حين تصادفني صورته أو تفاجئني الإذاعة بمطلع لإحدى أغنياته، المهم أنني – وأظن غيري كذلك – أبتسم.

(٤)
أما أنا فنان موسيقار.

(٥)
براعة سيد مكاوي وتفرده تأتي – من وجهة نظري – من تربيته الدينية، فقد دفعه والداه رقيقا الحال إلى “الكُتّاب” منذ صغره، ليحفظ القرآن الكريم وهو لايزال صبيًا، ويدفعه أهل حارته في “الناصرية” ليؤمهم في صلواتهم ويؤذن لهم، ليصير معروفًا بلقب “الشيخ سيد مكاوي”، ما أدى بطبيعة الحال لميله للاستماع إلى الموشحات والابتهالات الدينية، التي عرفته المقامات، وغذت أذنه بالذوق الموسيقي الرفيع، فكان الأمر سهلًا بالنسبة إليه أن يمزج بين خفة روحه وما يحبه.

(٦)
ما تفوتنيش أنا وحدي.

(٧)
تظهر بصمة سيد مكاوي واضحة جلية في كل لحن له، دائمًا هناك نوعٌ من “الدلال” الخفي، “شقاوة” مراهق في تغزله، “روح حية” دفعت أم كلثوم أن تتأسى بها، وتسير على خطاها تمامًا حين لحن لها “مكاوي” أغنية “يا مسهرني”، التي دفعت أم كلثوم أن تطلب منه تلحين أغنية “أوقاتي بتحلو” لها بنفس القدر من الدلال والروح الطفولية بعد ذلك بأعوامٍ عدة ولكن موتها حال دون ذلك، لتغنيها وردة بعد ذلك بأعوام.

 

خلطة “الشباب والروح” مع “السلطنة” في أغاني مكاوي كـ “أنا هنا يا ابن الحلال” و”الورد جميل” و”ليلة امبارح”، تجعلك لا تتخيل أن هذا الرجل قد خُلق لفعل أي شيء سوى إضفاء البهجة على حياة مستمعيه، فاستحق أن يُخلد اسمه مع الإرث الأكثر إبهاجًا في تاريخ الموسيقى المصرية – بالنسبة لي على الأقل – “أوبريت الليلة الكبيرة”.

 

(٨)
أنا جدع كلي مروة، وقلبي أبيض من جوة.

 

(٩)
“مكاوي” رجلٌ صادق، لا يمكن لأي كان أن تخطئ عيناه هذه الصفة، في لقاء تلفزيوني في عام ٩٣ سألته المذيعة عن رأيه في الأغاني الجديدة فكانت إجابته: “والله أنا قلت إنها صداع ودوشة من أول ما طلعت وأنتو ما صدقتونيش لحد ما اتسببت في الزلزال”، هكذا ببساطة وواقعية وخفة دم لم يتخل عنها أبدًا، تمامًا كيوم طلبته أم كلثوم ليلحن لها “يا مسهرني” فسألها بتلقائية: “هتدفعوا كام” وكان ردها: “ده أنت هتلحن لأم كلثوم” فيكون الرد البسيط المقنع المباشر “مش هعرف أكتب دي في نوتة البقال” ويضحك، هكذا كان تعامله مع الحياة، بسيط، ساخر، والأهم صادق.

(١٠)
اجعلني شمعة تنور بالحب والإخلاص.

(١١)
يقول نيتشه “إذا أردت أن تحكم على شعب فاستمع إلى موسيقاه”، وأنا أؤمن أن موسيقى سيد مكاوي هي خير ممثل للثقافة المصرية في زمانه، حالة إنسانية مصرية بكل تناقضاتها، واقعه القاتم، لا مبالاته وتفاؤله الدائم، خفة روح ظاهرة حتى في تعامله الجاد، لا يخجل من أن يظهر ضعفه وانكساره وفورته على الظلم – فعلها مكاوي في لحنه لشادية بعد مذبحة بحر البقر “الدرس انتهى لموا الكراريس” -، تلقائية شديدة وبساطة في تعامله مع كل الناس حتى تشعر وأنت تراه أنك تجلس مع أحد أقربائك.

(١٢)
ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني.

(١٣)
(سيادتك، تحب أناديك بـ “أستاذ سيد” ولا “الشيخ سيد”)؟
– والله في كتير بيقولوا أستاذ وبيقولوا الشيخ، إنما أنا بفضل “أبو السيد”.
*من لقاء مكاوي مع طارق حبيب في برنامج اتنين على الهواء – التلفزيون المصري – ١٩٧٠.

 

 

(١٤)
ده الغالي علينا غالي ولا عمره بيتنسى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد