تعلَّمنا جيدًا من “الحداثيِّين العرب” أمورًا جميلة حول نظام الحياة واحترام التخصص والأدب في الحوار وسعة الصدر عند الخلاف وكثيرًا من المبادئ التي قضوا أعمارهم في الدفاع عنها عبر مقالاتهم وكِتاباتهم، وفعلًا.. نحن أخذناها منهم لأننا خرجنا من نفق الاستعمار الأوروبي المظلم إلى رحابة الاستقلال، ونحن بعيدون عن كثير من أسباب الحضارة، فحُقَّ لهؤلاء أن يحملوا مشعل التنوير والتحرير وحُقَّ لنا أن نستفيد من تجاربهم واحتكاكهم بالمجتمعات الغربية.. هذا كله يبدو جيدًا ومعقولًا.

في الحقيقة؛ ستتلاشى تلك المبادئ الجميلة عند أول تجربة عملية مع هؤلاء المثقفين الحداثيين “العرب”، كُتَّاب وشعراء وإعلاميين ومحللين سياسيين بحَّتْ أصواتُهم في تعليمنا أنه على كل إنسانٍ أن يحترم مجاله المعرفي ولا يتعدَّاه، وأنه على كل إنسانٍ أن يحترم حرية أخيه الإنسان وآرائه مهما كان نوع الخلاف.

هذان الأمران سمعناهما وامتلأت بهما رؤوسنا في كل منابرهم الإعلامية، ولكننا وجدنا هؤلاء أنفسهم يمُرُّون على تلك المبادئ مرور الكرام وكأنهم لا يعرفونها ولم يسمعوا بها من قبل، فضلًا عن أن يؤمنوا بها ويعملوا بها، ففي كل مرة يأتينا خبرٌ مَفاده أن الحداثيَّ الفلانيَّ أفتى بإباحة الخمر والمثلية الجنسية.

سيدي العزيز؛ أظنك كاتبًا روائيًّا يسرُد علينا تفاصيل شيقة عن لقاءٍ رومانسيّ أو عن جلسة موسيقية على شاطئ البحر، أو يصف لنا جمال امرأة غير قابلةٍ للحُبِّ حتى نقع في حُبِّها ونخطِفها من بين صفحات الرواية.. كنتُ أعهدك تتقن غاية الإتقان في ميدان تخصصك الجميل.. فما بالك صرتَ مفتيًا تزاحم أبا حنيفة والشافعي في المسائل الفقهية؟

يأتي الكاتب الروائي “كمال داود” عند توقيعه كل مرة لأحد أعماله الجديدة وكأنه شيخٌ من شيوخ “فتاوى على الهواء” التي نشاهدها في التلفزيون، ولا أدري هل الخلل في الصحافيين الذين يُجرون معه اللقاءات أم في شخصيته هو؟ أم الأمر مدبرٌ بِلَيْلٍ والمسألة ذات جذور إيديولوجية سياسية تتناغم فيها عدة أجزاء يمكننا رصدها من ههنا وهناك.. تغريب المنهج الدراسي.. التضييق على المساجد والأذان.. محاربة الحجاب واعتباره كما يقول فضيلة الشيخ المفتي “كمال داود” خضوعًا وإلغاءًا للحرية.. يمكننا فعلًا أن نجمع أجزاء تلك الصورة لنعلم أن وراء تلك القِطَع كلها محرِّكًا واحدًا نعرفه جيدًا ونعرف أنه العدو الأول لمبادئ وثوابت الشعب الجزائري والعدو الأبرز لمبادئ ثورة الفاتح من نوفمبر المجيدة.

ما دهاك يا كمال داود؟ من منعك من الكتابة؟ اكتبْ ما شئتَ.. عندك عقدةٌ من القضايا الجنسية؟ اكتب واملأ رواياتك بالحديث عن الجنس كما يحلو لك، اكتب رواية كاملة عن جسد أنثى.. اكتب روايتين عن جمالية خيانة المرأة لزوجها.. اكتبْ بكل جرأة حتى يدرك الناس ما الكبت الذي تعاني منه، وما الذي تريد الوصول إليه.. من منعك؟ الشرطة؟ القضاء؟ خليفة المسلمين؟ أمير المؤمنين؟ خادم الحرمين الشريفين؟ لا أحد يمنعك صدقني.. بل هناك من يحميك ويدفع المال لترويج رواياتك وكتاباتك.

لكن ما دمت حضرتك حداثيًّا متنورًا وتعتزُّ بذلك فلا دخل لك في الإفتاء والفقه، لا تتكلم حين يسألونك عن رأيك في الحجاب، فلا تقل رأيك فيه، لأنه قضية سِتْر، وأنت تخصصك في العراء.. فرجاءً كن وفيًّا لمبادئك الحداثية الجميلة.. احترم تخصصك ومجالك المعرفي الثقافي.. وثانيًا؛ احترم المرأة التي تلبس الجلباب والنقاب؛ لأن ذلك من حُرِّيَّتُها.. فقد مللنا من برامج فتاوى على الهوى بالله عليك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد