حين تسمع عن الكماليين يتراءى إلى ذهنك أولئك الأتراك الذين يعظمون شخص مصطفى كمال وسيرته وأفكاره فهو أبو الأمة مؤسس الجمهورية وقائد حرب الاستقلال.

لكن ليس عن هؤلاء الكماليين أكتب. كماليون آخرون يؤمنون بالكمال لكل شيء وهو مرادهم. لا يؤمنون بالغيوم فإما سماء صافية ونهار واضح وإما سواد حالك. إما شوك بلا زهر أو زهر بلا شوك. تجدهم كثيري التشكي والتذمر من وجبة لا تحاكي مطلبهم أو من زحام الشوارع فهم دائمًا في هم.

جلس أحدهم مرة منكفئًا على نفسه متكئًا برأسه على ركبتيه خافيًا رأسه بين ذراعيه يحبس دموعه. كانت ليلة باردة من ليالي ديسمبر. على سلم المترو جلس ذلك الطفل يبيع المناديل. يرتعش من البرد. لم أعد أذكر هل كان ديسمبر الماضي أم الذي قبله. خط الزمن لم يعد يعني شيئًا.

أذكر أني نظرت شاردًا إلى حاله ثم تركته. أذكر أني قررت البحث عنه في اليوم التالي وبعد ستة أشهر. أذكر أني لم أفعل وأعرف أني لا أفعل. أعرف أن له على هذه البقعة من الأرض ثلاثة ملايين يشبهونه وأضعافهم يجمعهم البؤس والفقر وأدرك أن بسمة على وجه هذا الطفل تجلب السعادة لو قبضتها. كذلك قص علي ما أحزنه وحين ظننته قد أخرج ما كان يؤرق صدره.. استرسل.

حين ترى كل ما حولك ينحدر لقاع ولا مفر من الألم فتعتزل كي لا تشهد ولا تنصت فيؤذيك ما تسمع، وإن استطعت أن تفر بعيدًا فلا تبطئ، وإن كان انحدارنا قدرًا فلا بأس من وصف القاع لعل أحدنا يهتدي يومًا. في القاع يتبدل الإدراك فالشيء هو ونقيضه وكيف لك باليقين وكل ما حولك ظلام.

صرت أكثر فهمًا للذين يئسوا من الله قبل أن ينكروه. من سخطهم يعيدون ترتيب الطاولة التي لا تعجبهم. أنا مثلهم في سخطهم لكن أضعف حجة أن أنكره ولله في قلبي أثر لا يزول، طال حسدي من رحل بجسده عن قاعنا أو من رحل بعقله واستغنى عن عالمنا. أيكتب القرآن مرتين ليحل الخمر فننسى!

وفي القاع لا تتغير الفيزياء فكل ساكن يجره ثقله إلى أسفل فالقاع لا يعرف اليمين ولا اليسار فإما أن يستنقذوك أو لك في القاع مستقر ومقام. أصلي فردًا من الفروض خمسة وأعرف أني في الركعة الثانية لا أذكر ما قرأت في الركعة الأولى وأتجنب الجمع فاجتماعكم تافه وإمامكم كاذب. وفي القاع تخلع عنك كل رداء وتتجرد من كل انحياز فما هوى بك إلا هواك.

قرأت قديمًا أن إبراهيم وهو غلام أتاه جبريل في المنام وقام من منامه تحت الشجرة فوجده حقًا. وإن كان مقام إبراهيم يومًا السؤال وغايته الاطمئنان وهو المختار غلامًا فما ظنك بمن دونه! أيكون كفرًا إن كان إيماننا منقوصًا. أيكون إنكارًا إذا عجزنا عن الإثبات. إن كان كذلك فإننا في شقاء.

وفي القاع شجون وهمهمة يحسن صداها في رؤوس أصحابها حتى إذا تحركت ألسنتهم صارت سخفًا وحماقة فالكمال حديث النفس وتمنيها ربما لذلك قيل الصمت من ذهب. يحيطك عقلك بكل ما ولماذا وتخشى أن يغشاك أجلك فتشقى! ربما تعاستي نقص في هرمون الدوبامين كما قرأت مرة. الحب والسعادة وفلسفتنا وأفكارنا ربما مردها إلى هرمونات تتلاعب بنا.

إن عمري لا يكفي لأعيد السؤال عن كل كائن وكل حديث وكل منظور. ما قيمة إنسان وما قيمة عدمه. عن أطفال خان شيخون وعن من قتلهم. عن إيان والبحر الذي ابتلعه وحوريات البحر التي تركته. عن دماء محمد في الطائف ومعراجه إلى السماء. عن ملائكة بدر وأشلاء حمزة في أحد. عن سمو اجتماع الرضوان ودناءة حديث الإفك. عن مهند وقاتله وما يجري لنا.

لكن عمري يكفي لأبكي كل قتيل وأستذكر كل ألم، وألعن كل قاتل. فحين يخيفك الطبيب؛ اكتب. وحين يعجزك السؤال؛ اكتب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, اجتماع, نفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد