انتشر فى مجتمعنا العربي مؤخرًا أناس يقال عليهم النخبة. و النخبة هم الذين يُسمع لهم باعتبارهم أهلاً للرأي.  ففى مصر قبل ثورة الخامس و العشرين من يناير، كانت أغلب هذه النخبة من الممثلين و لاعبى الكرة. وفجأة بدون سابق إنذار، توجهت الأنظار إلى الكتاب و الصحفيين و رجال السياسة. هذه الطبقة التى كانت مهمشة إلى حد كبير طيلة عهد الأنظمة السياسية السابقة فى مصر، طفحت على الساحة بلا مقدمات منطقية. و السؤال هنا هل تغير المعيار لدى الشعب الذى كان يتهافت على الممثل س أو الممثلة ص بحيث يستطيع التمييز بين الغث و الثمين و يختار نخبة حقيقية من الأدباء و المثقفين أم هي الظروف التى ساعدت على خروجهم بلا ضابط؟ هل تم إعادة استصلاح الإنسان المُجرف فى الأنظمة القمعية السابقة كى يستطيع الاختيار؟

أعتقد أن الموضوع له جذورممتدة لا فى مجتمعنا فحسب بل فى العالم على وضعه الحالى. فالإنسان النخبوى كى ينال هذه المكانة لابد له من أتباع وبما أن الأتباع لا يوجد منهم إلا قلة قليلة تستطيع التمييز بين الجيد و الرديء بسبب عمليات الانتهاكات التى حدثت للإنسان فى ظل النظام العالمي الجديد ، فلذلك يكون المعيار الذى على أساسه يسطع نجم كاتب أو صحفى أساسًا أقل ما يمكن وصفه أنه غير دقيق ، إن لم يكن غير صحيحًا من أساسه. والسؤال هو كيف صُنعت النخب الزائفة من كتاب و ساسة و صحفيين و غيرهم؟ و هل تغيير الاتجاه فى مجتمعنا على وجه الخصوص من الفن و الرياضة إلى السياسة و الفكر يعد دليلاً على الرُقى؟

للإجابة على هذه الأسئلة يجب أن نتسائل ما هى روح الفكر الذى يسيطر على العالم فى هذا الزمان. بدون الدخول فى تضمينات فلسفية صعبة، فعالم اليوم تهيمن عليه فلسفة عدم التجاوز أى أنه العالم يوجد ما يكفى فيه لتفسيره و لا داع لخوض فى مسائل الاعتقاد فى وجود خالق لهذا الكون. عالم اليوم هو غابة دارون الذى يسود فيه قانون البقاء للأقوى. فالقوى مرجع فى ذاته لا يهم كيف وصل و ما الغاية فيما يفعل. فالفائز بشهرة أو مال أو جاه دائمًا على حق و لا يُسأل عما يفعل. و صاحب الموهبة مبدع على طول الخط بغض النظر عن قيمة إبداعه. يحكم عالم اليوم فكرة الإنسان المتأله. السوبر مان على حد تعبير الفيلسوف الألمانى نيتشه. هذا السوبرمان هو الإنسان الذى بوسعه بلوغ ما يريد متحررًا من قيود الأخلاق التى هى قوام ثقافة العبيد. و بالضرورة لابد من وجود أشباه الإنسان، هؤلاء هم الذين لا حول لهم ولا قوة. لقد خُلقوا هكذا و سيظلون عبيدًا لأناس لا يخضعون كالخراف للنظام و الأعراف و ما إلى ذلك مما يكبل الإنسان الحر أو السوبرمان.

فى ضوء هذا يُمكن الفهم لماذا تُصنع النخب الزائفة. لأنهم ببساطة يتم زراعتهم فى تربة خصبة لتقبلهم. جمهور عريض لا يكترث كثيرًا عن كيفية الوصول إلى النجاح بل ينتشى بالنجاح فى ذاته. لا يهمه إذا كان النخبوى الذى يعبده فى بعض الأحيان متسقًا مع أفكاره أم هو إنسان علم قانون الغابة جيدًا فقرر أن يكون ذئبًا لا خروفًا. تنمو شجرة النخبة فى بيئة يعتقد أغلب سكانها أنهم أناس عاجزون عن الوصول إلى هذا النجاح المبهر بعدما أعمتهم هالة الضوء حول الإنسان النخبوى المتأله. هو جمهور يحاول أن يرى فى نجاحه الذى لم يصل إليه فى صورة هؤلاء النخبة. فهم يلعبون دور شبه الإنسان بتهافتهم الأجوف على صانعيهم من النخبة الزائفة. ومع تكرار التهافت على شاكلة “ممكن أتصور معاك و ممكن تمضيلى على الأتوجراف أو الكتاب بتاعك” يصدق النخبوى الكذبة و تصير حقيقة. فكما قال نيتشة الحقائق أكاذيب نسى الناس أنها أكاذيب. و لعل أبرز مثال يحاكى هذه الظاهرة قصة قارون مع قومه لما خرج على قومه يوم الزينة. الكثرة ألهته حتى صدق أنه المرجع لكل هذا النعيم و ليس الله. وبما أننا لسنا فى زمن المعجزات فلا تنتظر أن يُخسف بمن تعشق من النخبة و تتتباهى بتوقيعه الأرض. ولكن صدقنى الكثير منهم مخسوف بهم الأرض إن علمت حقيقة حياتهم ستعلم أنك معمى من قوة الضوء.

قد يقول قائل ولكننا مسلمون وما حاولت تفسير الظاهرة به ينبع من فلسفات لا تعترف بوجود الله “إحنا الحمد الله مسلمين و بنصلى و بنصوم و عارفين ربنا”. أقول أن الإسلام فى عالم اليوم كالجزء الصغير الذى يُرى من الجبل الجليدى. فمع اختلاف المجتمعات  والديانات و الأعراف يسود نموذج الغابة و السوبرمان العالم حتى و إن تخفى فى أى ثوب دينى أو فلسفى أخر، يظل مهيمنًا على الموقف: كالذى يلعب بعرائس الماريوت. لا تُخدع فتعتقد أن العرائس تتحرك بذاتها أو أن محركهم مختلف، بل هو واحد مستخف وراء المسرح. و بالمثل تُصنع النخب الزائفة، النموذج الكامن فى صناعتهم واحد باختلاف الأشكال و الاتجاهات البرانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النخب, مصر
عرض التعليقات