لم أتخيل يومًا أن أكتب مقالًا تحت هذا العنوان الصادِم، فكامل كيلاني (1897-1959م)  الذي ارتبطتُ به كغيري من الأطفال الذين تربوا على قصصه من إندونيسيا شرقًا وحتى المغرب غربًا، ومن تركيا شمالًا حتى جنوب أفريقيا مثالٌ للأديب العربي الموسوعي متعدد المشارب، وما كان لنا ولا لبني كيلاني من بعده أن نُضطر إلى الدفاع عن عروبة الرجل إلا في ظل ترويج الآلة الإعلامية الصهيونية زورًا وبهتانًا لـ(يهودية كامل كيلاني)، وهو الحديث الذي بات سخيفًا وممجوجًا!

كان خبرًا مثيرًا للضحك والمرارة في آن واحد عندما اتصل بي الأستاذ رشاد كامل كيلاني – رحمه الله – ليخبرني بأسىً بادٍ في صوته أن وسائل الإعلام الصهيونية توالي نشر أخبارٍ مفادها أن والده رائد أدب الأطفال هو يهودي ترجع أصوله إلى اليهود الذين عاشوا في منطقة عابدين بالقاهرة، وبالتالي فتراثه جزء من التراث اليهودي، وطلب مني في ذلك الآن أن أساعده في مواجهة هذه الأكاذيب من خلال وسائل الإعلام المختلفة؛ وعدتُهُ بذلك، ثم أغلقت الهاتف وانتابتني موجة أخرى من المرارة، إذْ مر بي شريط زياراتي المتكررة للأستاذ رشاد في المطبعة بمنطقة (باب الخلق) بالقاهرة وكيف كان حرصه على نشر الإسلام في أفريقيا وأوروبا، وكم كان معنيًا بترجمة الكتب وطباعتها وتوزيعها في أنحاء العالم على نفقته الخاصة؛ بل كان يخصص عاملًا لإطعام الطيور السانحات في جو السماء، وتذكرت محاوراته مع الدكتور إبراهيم أبو محمد مفتي أستراليا الذي قال لي مرة: «إن رشاد كيلاني رجل بأمة، ولو قيَّض الله للأمة قِلةً من أمثاله لتغير حالنا إلى أفضل حال». لقد كانت عاطفة رشاد نحو الدين طاغية بكل المقاييس، وكذلك إخوته وأولاده من بعده.

تمنيتُ وقتها لو أُثير الموضوع في إعلامنا باعتباره حفاظًا على هوية الأمة وانتصارًا لرموزها، لكن أكثر وسائلنا كانت مشغولة بالأحداث الجِسامِ المتلاحقة التي كانت تمر بها مصر بعد 2011م، فلم يَجدِ الموضوع كثير اهتمام إلا من مقدمي بعض البرامج القليلة التي لم تفِ بالغرض المطلوب.

إن الصهاينة مولعون – كعادتهم – بتزوير الحقائق وهدم الثوابت ونسبة كل نجاح ومكرمة إليهم، ومن ثم فليس غريبًا أن يدَّعوا يهودية كيلاني وقد ادعوا من قبل أنهم بناة الأهرام وأصحاب الحضارة المصرية، وما زالت الآلة الصهيونية تفجأنا يومًا بعد يوم بأخبار غريبة منها أن العالم فلانًا والمطرب الفلاني من أصول يهودية، وأن الأكلة الشعبية الأولى في بلد من البلدان يهودية الأصل، وأن كثيرًا من فلكولور بلد كذا في الأصل يهودي! وهكذا لا تتوقف آلتهم عن الدوران في محيط الكذب والبهتان!

على حين غفلة من العرب، وفي الوقت الذي تجاهلنا فيه عبقرية الرجل الذي بلغت كتاباته للأطفال زهاء الألف قصة وترجمت أعماله إلى لغات عدة، أبدى هؤلاء القوم اهتمامًا غير مسبوق بأدبه، فترجم منها اليهودي (شمعون لندن مان) عدة قصص لاقت استحسانهم حتى قرروا بعضها في مدارسهم ليتعلم منها النشء، وأصبحت كل كتبه المترجمة وغير المترجمة متاحة بـ(بيت بيرل) وهو معهد تعليمي بالقدس الشرقية، وليت الأمر توقف عند هذا الحد؛ فقد بالغ الكيان الصهيوني في غيه إذْ قام بإنشاء مركز في (تل أبيب) أُطلق عليه اسم (مركز كامل كيلاني لأدب الطفل والناشئة) وهو ما يعني أنهم اعتبروه رمزًا يهوديًا صِرفًا.

إنَّ حسَّ كامل كيلاني الديني الذي تصرُّ عائلته على نسبها القُرشي لم يكن ليغيب عنه حتى في ترجماته، فقد رأيناه يبكي مجد المسلمين في الأندلس، ويكتب من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – قصصًا كشفت بجلاء عن إيمانه العميق بدوره أديبًا مسلمًا، ورغم ذلك يدعون أنه يهودي الأصل. فمن لكامل كيلاني في هذه الحملة الصهيونية المغرضة التي تعمل على استلاب رموزنا وسحب البساط من تحت أقدامنا؟! أم سنكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد