قبل يوم واحد من توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكا، وقعت مشادة كلامية بين الرئيس السادات وبين وزير خارجيته محمد إبراهيم كامل، كان على إثرها أن شتم الوزير الرئيس الأمريكى چيمى كارتر بأبيه، وقدم استقالته، وعاد إلى مصر بدون أن يحضر الاحتفال الذي أقيم في الحديقة الخلفية للبيت الأبيض.

ولم تكن تلك أول مرة يتشاجر فيها الرئيس مع وزير خارجيته منذ أن تم اختيار كامل وزيرًا خلفًا لإسماعيل فهمي الذي استقال احتجاجًا على زيارة السادات لإسرائيل نوفمبر (تشرين الثاني) 1977، على الرغم من التاريخ الطويل المشترك بينهما منذ أن تعارفا في خلية حسين توفيق ابن خالة كامل، واشتركا في قتل أمين عثمان، وسجنا معًا في زنزانة واحدة حتى نالا البراءة.

ولقد بدأت المشاجرات من قبل حتى أن يتولى الوزير مسؤلية وزارته، حيث أراد السادات مجاملة صديقه مناحم بيجين بحضور مراسم أداء وزير خارجيته الجديد اليمين الدستورية (في أول زيارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي لمصر، وكانت في مدينة الإسماعيلية، وهو ما رفضه كامل رفضًا تامًا، وأبلغ حسن كامل مدير المراسم في الرئاسة أنه يطلب إعفاءه من ذلك المنصب، ورفض الخروج، حيث كان الرئيس ينتظره، ما اضطر السادات للذهاب إليه وحده، وحلف الوزير أمامه اليمين.

بصفة عامة لم يكن محمد إبراهيم كامل رافضًا لخطوة السادات لصنع السلام في الشرق الأوسط، وكان يرى كما يذكر في مذكراته أن هناك فرصة لتحقيق سلام عادل وشامل بين العرب وإسرائيل بشرط أن يحسن المفاوض العربي (والمصري) استخدام أوراقه وإدارة المفاوضات بوعي ليصل نحو هدفه.

ولقد حاول (مع مجموعة مساعديه) أن يقدم للرئيس كل الطرق والأساليب التفاوضية الممكنة على أن يختار من بينها،لكنه – بعد وقت قليل – اكتشف أن السادات ليس لديه صبر لقراءة ومناقشة تقاريره وخططه، بل إنه كان بشكل أو بآخر يتآمر عليه، حيث كان يحدث كثيرًا أن يتفق الوزير معه على شيء في المفاوضات، ويذهب للتفاوض؛ فيفاجأ بأن السادات اتفق مع الإسرائيليين والأمريكان على شيء آخر تمامًا، وكان كامل يكتم في نفسه ويضغط على أعصابه، كاظمًا غيظه، ومؤجلًا انفجاره؛ لأن تلك اللحظة – كما يقول – كانت لحظة فارقة في تاريخ مصر والعرب، وكان لديه أمل أن الرئيس لديه حد معين وخط أحمر لن يستطيع تجاوزه مهما كان.

من ناحية أخرى كان السادات يتهم وزير خارجيته (وكل مساعديه) بأنهم لايفهمون في السياسة، ولا يقدرون على فهمه كرجل استراتيچي يهتم بكليات الأمور، ولا يتدخل في التفاصيل الصغيرة التافهة التي تشغلهم، من نوعية أساليب التفاوض، والقانون الدولي، وضمانات الطرف الآخر وغيرها!

وفي الأسبوعين اللذين قضتهما وفود مصر وإسرائيل وأمريكا في منتجع كامب ديفيد بولاية ميريلاند كانت أعصاب الوزير المصري قد وصلت لأقصى ما تحتمله، وهو يرى رئيسه يقدم التنازل تلو الآخر مجاملة للرئيس الأمريكى، الذي كان يطلب من السادات التوقيع على أي اتفاق ليساعده في النجاح بالانتخابات الأمريكية مع وعده أنه – لو نجح! – سوف يرد له جميله أضعافًا مضاعفة، ولقد كان أعضاء الوفد المصرى يتندرون فيما بينهم؛ إذا وجدوا نصًا أو بندًا وافق عليه الرئيس بدون الرجوع إليهم وأخذ مشورتهم، بأنه علشان خاطر كارتر.

وفي ذلك اليوم الأخير من المفاوضات صدم محمد إبراهيم كامل صدمة عمره عندما قدمت إليه أوراق المعاهدة التي سيتم التوقيع عليها في الغد في البيت الأبيض، وذهب للسادات، وطلب منه تفسيرًا لقبول مثل تلك المعاهدة المهينة لمصر، والتي تنتقص من سيادتها على أراضيها، وتصفى القضية الفلسطينية برمتها؛ بخروج أكبر دولة عربية من الصراع، وكان رد الرئيس عليه بأنه قبل كل ذلك من أجل خاطر صديقه الرئيس الأمريكي، وليس لأي شيء آخر، وهنا فلتت أعصاب كامل، وسأل: كل ذلك من أجل كارتر! وقبل أن يجيبه السادات، رمى الوزير الأوراق من يده صارخًا: الله يلعن أبو كارتر. واستقال!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

السلام الضائع فى كامب ديفيد
عرض التعليقات
تحميل المزيد