بوابةُ الالهام عنيدة، كأعواد الخيزران وصعوبة تطويعها، تحتاج شيئًا خارقًا، مقدّسًا صلبًا، يوازيها في العناد ليتمكّن من فكّ أقفالها وحلّ ألغازها، تحتاجُ نبيًّا، يحملُ الصحفُ المقدسة عن كتفِ الملاك، أو قدّيسًا، يحملُ خطايا الناس فيكون مخلّصًا، تحتاجُ رجلًا يمسكُ بلجام الفصاحة ويطوّع جموحها، أو رجلًا يحملُ القضيّة على كتفه فيصلّي في محرابها حدّ الهلاك، بوابةُ الإلهام تحتاج – بكلّ كثافة – إلى غسّان.

غسّان كنفاني رجلُ الشمسِ الأول، الشرخُ في جسدِ فلسطين، الشاب المنيع، الراحل إلى ملكوت السماءِ في عمرِ المسيح، صاحبُ المعجزات حتّى في وفاته، مكسّرُ ألواح الصمتِ الباردة بكلماته يكتب فنصلّي معه لربّ الحرف وخالقه.

ويكتب..

الشمس رمزيّة الموت..

هنا شقّ طريقه عبر الشمس في عالمٍ تبرأ منه ومن ظلمه فغادره منتشرًا بكثافة في سماء فلسطين كتراتيل الكنائس، كخطبِ الجمعة، كنشيد الوطن المقدّس، كزفّة الشهداء، يكتب غسان وهو في الشمس، عن العجز، عن الذل، عن الأمل المجروح عن القادم الكحلي، يسأل على لسان سارقِ العمر، المغامرِ بالأرواح على صفائح الموت، فسارق العمرِ يسأل «لماذا لم تدقّوا جدران الخزان! لماذا لم تقرعوا جدران الخزان!».

على لسان فاقد الحسّ النضالي المتحسّر على زمن الأسلحة وعلى رجولة العربيّ الهالكة!

هل أرادها غسان على لسان أبي الخيزران عبثًا! لماذا نحلل العبارة وننسى قائلها! عبثًا؟ أم أراد أن يبثّ في العقلِ رسالة مفادها أن الناهب لجثث الموتى، وهو ينتشل من أياديهم ساعاتهم اليتيمة ونقودهم، الذين ظنّوا أنها بوابة العبور من نفق الظلام إلى شعاع النور! هذا الذي نهب حتى الجثث، هو من يصيح بعدما ملأ جيبه! لماذا لم تطرقوا جدران الخزّان! وهو لم يتجرأ أن يطرق على مكتبِ مسؤولٍ ليعجّله باتمام معاملة! هذا الجبان يسأل جثثًا لموتى لقمةِ العيش «لماذا لم تطرقوا جدران الخزان» هل أراد غسان أن يوضّح أن كلّ الناهبين لأعمارنا وجيوبنا، أصحاب الوطنية المزيّفة هم الذين يعايروننا بصمتنا المكلوم المثخنِ بالجراح!

وأنا أقول، لم يدّق موتى الخزان جدرانه، ولكنّ غسان ما زال يدقّه مرّة بعد مرّة، ما زال يدقّ جدران العقول في كلّ ليلة وكل صباح وعند شروق الشمس ومغيبها

ويغوص في زرقةِ السماء وزرقةِ الحبر، صلبًا عنيدًا مبهرًا، غير قابل للتفكيك كعلامة استفهامٍ كبيرة يصعبُ تجاهلها، ما انفكّ في كلّ طابعةٍ تنجز له كتابًا يدقّ جدران الخزان.

غسان الذي وحتى في استشهاده حمل الرمزية الأكبر فكان صاحب الرواية التي سطّر خاتمتها بدمه، فهنا تحوّل الكاتب إلى بطل الرواية، الذي رفض أن يتوقّف عن دقّ الجدران، فحتّى دمه المسكوب الدافئ كان يدق، وساعة يده على ذراعهِ المتطايرة ما انفكّت تدق.

يكتب.. ويدق..

وعلى جناح وحي الكتابة، غسان يهلهل بالثأر ويسأل: «ماذا تبقى لكم؟».

ما الذي سيتبقى لنا في عالمٍ ليس لنا لولا أن مريم ثأرت لنفسها وغسلت عارها بيدها وقتلت مغتصبها بثورتها الغاضبة؟ ولو أن الصحراء لم تنطق وحامدٌ على صدرها! كان غسان قد حوّل نظره فرأى شعاعًا في الشمس يضيءُ ولا يُحرِق، فكتبَ للثورة وقطع الحدود إلى الأمل والمخاطرة وإنطاق الجماد وجعل الصحراء التي كانت مقبرةً في رجال الشمس، رمزًا للتعاطف مع حامد.

هنا تكمن ازدواجية الرمز عند كنفاني، فحسب الظرف الذي يفرضه الواقع، يحاول غسان اجتراح الأمل، أو في حالاتٍ معيّنة، إثبات مرارة الواقع أملًا في بثّ الوعي في العقول المشغولة في اللحاق برغيفها.

كاتبًا وقارعًا وسائلًا..

رحمٌ يلدُ قضيّة..

كانت صفية وكانت أم سعد، عادت صفية إلى حيفا، وعادت أم سعد إلى الأمل المغروس مع عرق الدالية الناشف الذي هلّلت به مستبشرة «أورقت الدالية يا ابن العم…». فبلمسةٍ من امتزاج شفافية الماء بزرقة الحبر جعل غسان عرق الدالية الناشف يورق، وكانت الثورة، ثورة الأشبال الذين يرضعون حليب المقاومة من صدر الأرض الأم العشتارية الكبرى، فهي تخلّف وفلسطين تأخذ.

ومن المخيم إلى حيفا، يلدُ الرحم قضية، وفكرة تتغذّى كل يومٍ وتكبر كالجسد المرصوص، فخلدون أقصد دوڤ! وما معنى الاسمين! وما القصد من الاسم سوى فكرته! فخلدون الذي وُلد فلسطينيًا من المفترضِ أن يعادي العدو، خلق من نفسه عدوّا وقاتله.

دوڤ قاتل خلدون، قاتل نفسه، هذه النفس المتناقضة، التي يسخر منها القدر، التي لم تحدد مصيرها، ولا اختارت في أي طرفٍ تكون.

وما هو الإنسان سوى لحمٍ ودم وفكرة تعجنُ بأجزائه وتتشعب على مدار سنواتٍ وسنوات حتى يقتات الآدميّ عليها أكثر مما يقتات من الطعام، فالإنسان في نهاية الأمر: قضيّة.

غسان الكاتب المشاغب، المتمرّد، صاحب القلم الذي ينبض بالحق وصوت البندقية، يرسم بالكلمات طريقًا حجريًّا ينتهي بناقوس الثورة الذي يدقّ مبشّرًا بالحرية، ويبدأ مليئًا بشوك الذل وغصّة العار التي خلّفها سرقة التراب الذي تشكّل منه شعب فلسطين في الخلق الأول قبل الأزل، ومنذ اتخذ الكنعاني الأول من أرض فلسطين مُستقرّا، فظلّ غارقًا في المياه التي تشكّل منها جسده، دون ترابٍ يكسبه منعة الوقوف، وفي كل شهيدٍ يدقّ جدران الخزان، يكتسب الفلسطيني مزيدًا من التراب، ليصبح جسدًا كاملًا، منه التراب، والطين، والمياه، ومنه حروف غساّن التي شكّلت قضيته وبنَت جسده، وزوّدتهُ بترياق الفداء، والعزّ، ورسمِ طريق الحريّة.

منكَ وإليكَ يا غسّان تحية العلم، ونبض القلب، ورصاص البندقية، وزرقة السماء والحبر والماء، فالسلام عليكَ يومَ ولدتَ، ويوم مت، ويوم تبعثُ فدائيًّا مناضلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد