قصة قنديل أم هاشم.. لم تكن بيضة الديك ولا تمرة الغراب، ومع ذلك فقد اختزلت حياة صاحبها؛ فلا يذكر يحيى حقي إلا ومعها «صاحب القنديل». حياة حافلة خلطت دماء السياسة بالفن، وجمعت بين العرق التركي والاهتمام المصري؛ فتكونت لنا شخصية فريدة في الأدب الحديث؛ إنها شخصية صاحب القنديل. لعل الروابط التي جمعت يحيى حقي بقنديل أم هاشم كثيرة، وقد يراها البعض شواهد دامغة على ربطه بالقنديل، وهذا ما نطوف في رحابه الآن، ثم نعرِّج على قصة صاحب القنديل نفسه.

إن اسمي لا يكاد يذكر إلا ويذكر معه «قنديل أم هاشم» كأني لم أكتب غيرها.. وكنت أحيانًا أضيق بذلك، ولكن كثيرين حدثوني عنها، واعترفوا بعمق تأثيرها في نفوسهم.. منهم أديب يمني قال لي: لقد أحسست أنك تصفني حين أعود من القاهرة إلى اليمن، وقال لي بائع كتب قديمة: مش القصة اللي فيها واد بياكل بفتيك في أوروبا، وأهله بياكلوا طعمية في مصر! 

*يحيى حقي (1905 – 1992) 

عدت بآلة الزمن قليلًا، وجالست الرجل عبر أحاديثه الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، وحاورته حوارًا أفدت منه؛ فسرني أن أنقله لكل من لم يعرفه، وأن نستزيد من خبرته الحياتية ودوره في فن القصة والنقد، وعن علاقته بأقرانه وأساتذته والكتَّاب الشباب واللغة العربية، كما دار الحديث في أمور أخرى أحسبها تثري ثقافة القارئ؛ فإلى هذا الحوار الماتع:

أستاذنا الأديب الكبير..

لم يتمالك نفسه حين وصفته بتلك الكلمات، واستوقفني بنبرة هادئة وحاسمة، ثم قال: من قال لك أني الأديب الكبير؟ من الذي يقرر؟ هل تسمعون الإذاعات الأجنبية؟ إنهم يقولون الكاتب أو الأديب، ولا يزيدون عن ذلك؛ فلا تبالغوا في الإطراء على الأدباء ولا على غيرهم، وأقول لك يا بني! إن الإنسان الذي يبالغ هو ببغاء ينقل ما يسمعه، ولم يتكلف مشقة القراءة والبحث، وقد استضافتني السيدة ليلى رستم يومًا في برنامجها (قمم)، وسألتني سؤالًا قالت: في روايتك (فجر القصة العربية)؛ فقلت لها: إنها ليست رواية! قالت: في مجموعتك القصصية! قلت لها: إنه كتاب صغير، ولم يكن مجموعة قصصية، لكنه تناول الحديث عن بدايات القصة المصرية. هذا يأخذ بيدك إلى نقطة غاية في الأهمية، وموجزها أن من يطلقون الألقاب الكبيرة على الناس، لم يقرأوا ولو قرأوا لكانوا أكثر تحفظًا في إطلاق الألقاب؛ فلتنادني بالأستاذ أو الأديب أو الكاتب إن شئت.

من أين نبدأ معكم الحديث؟

إن كان الأمر لي وحدي لاخترت أن أبدأ حياتي من أولها، من البيت الذي نشأت فيه، ومن بواكير حياتي التي أثرت فيَّ إلى اليوم، لكنك يا بني قادم إليَّ بعد أن رحلت عن عالمكم، وقد بلغني أن عزوف جيلكم عن الأدب يرثى له؛ لذلك لا يجمل بي الحديث عن نفسي أولًا، لكنني أحب أن ننطلق من نقطة التلاقي، وهي بلا شك إن لم أكن مخطئًا.. القنديل. يبدو أن القدر يرسِّخ للقنديل أكثر مما لصاحبه في نفوس الناس؛ فلتكن البداية من القنديل، ثم نرجع بطريقة (الفلاش باك) إلى حياتي الشخصية، وبالمناسبة فأنا أول من كتب القصة بطريقة الفلاش باك، أو كما هو معروف بالعربية طريقة العودة للوراء. ونتناول الحديث عن أسرتي وأصولي التركية، ولماذا يحلو لبعض النقاد أن ينعتوني بالخواجة، ولماذا كنت ناقمًا على المدرسة الابتدائية؟ ثم الحياة السياسية وتعلقي بالخطابة، ومن ثم دراستي للحقوق وبداية تعرفي على توفيق الحكيم، والسلك الدبلوماسي والفنون، وعشقي للغة العربية وعلاقتي بالشيخ محمود محمد شاكر، والحديث ذو شجون.

يقول عنك النقاد: «محسوب أم هاشم» فما ردك؟

يبتسم ويهز عصاه التي لا يفارقها ثم يقول: ربما لأنني كتبت أيضًا أم العواجز؛ فارتبط اسمي بالسيدة زينب، وأنا مولود في هذا الحي وأحبه، وهذا قد يعزز نظرة النقاد لما ساقوه. وبعد إطراقة خفيفة يستطرد: وحين أحاول البحث عن سبب قوة تأثير (قنديل أم هاشم) لا أجد ما أقوله سوى أنها خرجت من قلبي مباشرة كالرصاصة، وربما لهذا السبب استقرت في قلوب القراء بنفس الطريقة.  هذه الرواية كتبتها ما بين عامي 1939 – 1940 بعد عودتي من أوروبا، ونشرت لأول مرة في سلسلة اقرأ بالعدد 18 في يونيو 1944، ولم أصدر كتابًا بعدها لمدة 11 عاما؛ مما طبع في أذهان الناس أنها بيضة الديك.

إنها قصة غريبة جدًا، كتبتها في حجرة صغيرة كنت أستأجرها في حي عابدين، وعشت فيها لوثة عاطفية مثيرة عبرت عنها في أناشيد (بيني وبينك). كنت أبحث عن كل كلمة، وأضعها كما يضع البناء الحاذق الحجارة؛ ليصنع قصرًا فخمًا وبناء رصينا، انظر مثلًا لبطل القصة إسماعيل بعد عودته من أوروبا، وتمرده على القديم بكل أصنافه وأطيافه، وقد أمسك بعصا أبيه وضرب القنديل فحطمه، وقتها مكثت أكثر من أسبوع أبحث عن الكلام الذي ينبغي أن ينطق به، وقد أحسست أن يجب ألا يزيد عن لفظٍ واحد، إذ ليس من المعقول أن ينطق بجملة طويلة وهو في تلك الحال، وأردت أن يكون لفظًا معبرًا عن الأنين وعن الرغبة في البوح، وفي الاستعطاف وفي تأكيد الانتماء. وبينما أنا حائر في البحث عن الكلمة المناسبة تذكرت نصًا كنت قرأته عن حياة الفيلسوف الألماني (نيتشه)، وبقي منه في ذهني أنه حين أصيب بلوثة الجنون، هبط من بيته الذي يقع على قمة جبل مرتفع وهو يصرخ: (أنا.. أنا.. أنا..).

عندئذ أدركت أن هذه هي الكلمة التي كنت أبحث عنها؛ لأنها تجسد كل المعاني التي طلبتها، خاصة وأن حرف النون فيه نغمة الأنين. ولعل الذي قادني إلى تذكر هذا النص أن إسماعيل في هذا الموقف كان هو الآخر قريبًا من الجنون، وهكذا يتأكد اعتقادي أن الذي يضفي على النص الأدبي قدرًا من قيمته هو إشاراته الخفية إلى أعمال أدبية أخرى ممتازة؛ فكأن للأدب كيانا متكاملا اشترك في تشييده كل من سبقونا ومن يعاصرونا من كبار الكتاب في كل اللغات. وخلال فترة صيامي عن تأليف الكتب، لم أنقطع عن المقالات الأدبية والاجتماعية المتنوعة، وأدين بالفضل في ذلك لفؤاد دوارة.

ماذا دور الناقد الأدبي فؤاد دوارة؟

بعد القنديل كتبت في جرائد غير مقروءة، وكنت في غاية السعادة؛ لأنه حين لا أحد يقرأ هذه المقالات أستشعر حرية كاملة، ولم أحرص على جمع تلك المقالات، فقط أرسل المقال وانتهى الأمر. فؤاد دوارة عمل معي في مصلحة الفنون (وسيأتي الحديث عنها لاحقًا)، وأعد أغلب أعمالي الأدبية للطبع، ولك أن تتخيل المجهود الذي بذله حين عاد وحده إلى دار الكتب، ونسخ المقالات القديمة بيده، وكتبها من جديد ثم قدمها للمطبعة وراجعها بعد الطباعة وصحح الأخطاء، وأخرج لي ربما عشرة كتب بهذه الطريقة، وأكاد أزعم أنه لم يخدم رجلٌ رجلًا في الأدب العربي كما خدمني فؤاد دوارة. لقد غير الفكرة التي روج لها الكثيرون، فكرة أن مقل في أعمالي الأدبية، وأنني كاتب كسول، أو أنني صائم عن الكتابة منذ كتبت القنديل.

تعقيب: في كتابه (أنشودة للبساطة) ذكر يحيى حقي ما يدحض هذه السعادة؛ وتحت عنوان لمن يكتب الكاتب؟ يحدثنا: (يقول بعض الكتَّاب: إنني أكتب لنفسي، لا لأحد غيري! وقد يضيف: إنني لن أتنازل عن عليائي لأن الفن لا يمتهن. لقد شاع هذا القول وردده التلاميذ عن الأساتذة، وقد آن أوان كشف زيفه؛ فما هو في الحقيقة إلا وهم المخدوع بنفسه، وشقشقة فارغة تندرج بين الطقوس الفارغة التي تحب كل فئة أن تحيط نفسها بها؛ لتضمن تفردها واستقلالها وامتناعها على غير أربابها. فمحال أن نتصور بقاء قدرة الكاتب على الكتابة طويلًا إذا ظل لا يكتب إلا لنفسه، من الذي يضمن له أن نكته الجديدة التي يضحك لها هو، سيضحك لها أيضًا جمهور القراء! لا بد أن يكون في قاع ذهن كل كاتب إحساس بأنه يخاطب جمهورًا). وقد نعود لهذه النقطة خلال لقائنا المقبل معه، لكنني وددت أن يلم القارئ الكريم بطرفي المسألة.

سنة 1968 ظهر القنديل في عمل سينمائي.. فهل نجح بالشكل الذي كنت ترجوه؟ 

أشاح بوجهه بعيدًا ثم التفت إليَّ: لم ينجح فيلم قنديل أم هاشم في السينمات الراقية، ووافق نجاحًا ملحوظًا في السينما الشعبية، أنا أردت أن أتكلم في القنديل عن الصراع بين الشرق والغرب بصورة مجملة، فإنني ميسرٌ للوصف أكثر من الحدوتة، والسينما تحتاج إلى حدوتة ومظاهر حب وعتاب ولوم وخلافه؛ فكنت غير موافق على تحويلها لفيلم سينمائي، وقد نجح الفيلم في السينما الشعبية ولم ينجح في السينمات الراقية. عنصر الحدوتة في أعمالي ضئيل؛ لهذه الأسباب لم أكن مهتمًا بتحويل أعمالي للسينما، لكن هذا ما جرى بالفعل. المسرح أيضًا قدَّم قنديل أم هاشم في نفس العام تقريبًا، وكان من نجوم هذا العمل محمد توفيق، وأحمد أباظة، وحسن قنديل، ومظهر يونس، ورشوان توفيق، وفاروق نجيب، وتهاني راشد.

وكلها التزمت نفس جو القصة؛ فالأحداث تدور في ميدان السيدة زينب، وفي الغالب نجح الفيلم في السينما الشعبية لأن الناس في الأرياف يحرصون على زيارة مسجد السيدة زينب، وخيط رحلتهم من القرية إلى القاهرة يكاد ينحصر في زيارة الأولياء، وربما امتد ليشمل حديقة الحيوان؛ فهذه الأماكن بالنسبة لهم هي القاهرة، ولأن القصة والفيلم تدور في هذا الإطار؛ فهم أحرص الناس على تلقف أحداثها.

ومما يؤكد لك نظرتي لأعمالي وبعدها عن جو السينما، أن كتابي (خليها على الله) يصف عملي في منفلوط بالصعيد، وهي فترة من أفضل سنوات عمري، واقتطفت الإذاعة المصرية أن جزءًا يسيرًا منها، وحولته إلى عمل درامي يحمل نفس الاسم (خليها على الله). وأترك باقي أعمالي الأدبية التي تحولت للإذاعة والتلفزيون، على أن نتحدث عنها في حينها كما اتفقنا، لكنني أردت التأكيد على أنني لم أكتب وفي بالي أن يتحول العمل للإذاعة أو التلفزيون.

وكم كانت سعادة الأستاذ يحيى حقي كبيرة! سعادة لا تحتويها الكلمات حين أخبرته أن فيلم القنديل نجح؛ بل جاء في المركز الثالث والستين بين مئة فيلم في ذاكرة السينما المصرية خلال الفترة (1927 – 1996).

يحيى حقي.. الكاتب الأول في تاريخ مصر الذي يعتزل الكتابة.. لماذا؟

يضحك ضحكة طفولة تجمع كل معاني البراءة، ويفتل عصاه بين كفيه ثم يتذكر: أتدري! في أكتوبر 1991 التقيت صدفة بالشاعر السوداني محمد الفيتوري، كنت جالسًا في مقهى ريش أنا وزوجتي الفنانة التشكيلية الفرنسية چان ميرى چيهو، ننتظر سيارة الأجرة لنعود لبيتنا، ودخل الفيتوري ولم أكن قد رأيته من ثلاثين عامًا؛ فسألني: ماذا يكتب أو فيما يفكر الأستاذ يحيى حقي الآن؟ ذكرني سؤاله هذا بكلمات ليلى رستم -في برنامج قمم حدثتك عنه قبل قليل- وأدركت أن المثقفين لا يتابعون؛ فما بالك بعامة الناس، ولم أشأ أن أحرجه فقلت: أفكر في سعادتي بك وفي فنجان القهوة الذي أشربه الآن! فلما استوضحني قلت: أنا اعتزلت الكتابة من عشرين سنة؛ فاستغرب: وقال: كيف هذا؟ ولماذا؟ قلت: لأكون صادقًا مع نفسي؛ فإن لم يكن لديّ ما أقدمه للناس، فلا يجدر بي أن أتبجح وأخرج عليهم بتكرار ما قلته من قبل.

الكاتب يأخذ من وقت القارئ، وعليه أن يدرك هذا جيدًا، وأن يحترم وقت قارئه؛ فإن فعل شعر بمسؤولية تجاهه وأرهق نفسه في الإعداد والابتكار، وبغير هذا يكون عبئا على القارئ، والناس تميل للتحرر من الأعباء سريعًا.

من بين كل الأدباء.. اختار نجيب محفوظ أن يهديك جائزة نوبل.. ما تفسيرك لهذا الإهداء؟

سأذكر لك تفاصيل هذا الموقف النبيل من نجيب، لكنني الآن أشعر بالإرهاق؛ فاسمح لي يا بني بالراحة، ولنضرب موعدًا لا نخلفه نحن ولا أنت؛ لأجيبك عن هذا السؤال وغيره، فإلى لقاء قريب إن شاء الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد