هل يكون لتطورات الأوضاع الأخيرة في منطقة «الكركرات» الحدودية بين المغرب وموريتانيا، وما يعرف بـالجمهورية الصحراوية، دور في إعادة رسم خارطة الصراع من جديد؟

سؤال يفتح أقواسًا يبدو أن نيران الحرب ستبقيها كذلك إلى ما لا نهاية، فوضع «الكركرات» من الناحيتين الاقتصادية والاستراتيجية، مع أخذ التاريخ الخلافي المعروف في الاعتبار، وما آلت إليه تقسيمات الخرائط، ينذر بأن التأجج هذه المرة لن يمر مرور الكرام، ولن يسفر عن أقل من اختلاف خارطة الصراع، وطبيعة التواجد العسكري، والانصياع لتعليمات الأمم المتحدة فيما يتعلق باتفاقيات 1991، التي أقرت وقف إطلاق النار في الصحراء الغربية.

جغرافيا التاريخ

من الناحية الجغرافية، تعتبر الكركرات الظهير الحدودي لما يعرف بـالجمهورية الصحراوية من الناحية المغربية شمالًا، وفي أقصى شماله توجد نقطة لتمركز القوات المغربية، ومن الجنوب أخرى موريتانية، للتحكم في حركة النقل البري بين البلدين، لكن الجانب الداخلي منها يعتبر في نظر الصحراويين محررًا وخاضعًا للسيطرة الصحراوية.

قبل تصاعد وتيرة الأحداث في أغسطس (آب) 2016، كان الوضع على ما تم الاتفاق عليه في 1991، وقف إطلاق النار بين البوليساريو والمغرب، في المنطقة التي تنازلت موريتانيا عن سيادتها في 1979 عقب العديد من عمليات البوليساريو التي طالت أهدافًا في قلب نواكشوط، العاصمة الموريتانية، فآثرت موريتانيا البعد عن جبهة الصراع المسلح، وترك المسألة بين المغرب والبوليساريو.

بعد الانسحاب الموريتاني، تقدمت القوات المغربية للسيطرة على تلك المساحة، التي تعادل ثلث مساحة الصحراء الغربية المتنازع عليها منذ الانسحاب الأسباني في 1976، وهنا اندلعت اشتباكات مسلحة لم تتوقف إلا بعد اتفاقيات 1991.

أعلنت المساحة الحدودية التي تضم الرقعة الثلاثية المشتركة بين كل من المغرب وموريتانيا والجمهورية الصحراوية منطقة خاضعة لمراقبة بعثة المينورسو التابعة للأمم المتحدة، وأعلنت منطقة منزوعة التسليح، لا تمر فيها معدات عسكرية، ولا تمر بحذوها سوى معدات مدنية لتسهيل التبادل التجاري المغربي الموريتاني، ذلك الشريط البري هو الكركرات طليعة المنطقة الحدودية الفاصلة المعروفة بـقندهار لعدم أهليتها بالسكان، ولطبيعتها الصحراوية المقفرة.

ذلك هو الوضع الجغرافي للكركرات في سياق الصراع التاريخي، فما الذي استجد بدءًا من أغسطس (آب) الفائت؟

تهديد وتراجع

في الحادي عشر من أغسطس (آب) 2016، أعلنت جبهة البوليساريو، مؤسسة ما يعرف بـالجمهورية الصحراوية وجود اختراق مغربي لشروط الأمم المتحدة في المنطقة الحدودية، عبر توغل معدات مغربية في المنطقة منزوعة السلاح، ودعت الأمم المتحدة بعد يومين لاتخاذ كافة الإجراءات لضمان احترام الاتفاقات، قبل أن تصعد حدة لهجتها محذرة من الانزلاقات التي قد تؤدي إليها التصرفات المغربية.

المعدات التي اخترقت الكركرات زعمت البوليساريو أنها عسكرية، بينما أكد الطرف المغربي أنها معدات مدنية في البداية، وأن الأفراد كانوا مهندسين ذهبوا خصيصًا لمد طريق من المركز الحدودي المغربي باتجاه نظيرها الموريتاني.

تفاعل الجمهورية الصحراوية مع الرواية المغربية بعد ذلك كان مفتاحًا لتصاعد الأزمة، فقد أعلن المغرب أن ذلك التحرك جاء كرد فعل لتنامي تهريب الممنوعات وإعاقة الحركة التجارية بين المغرب وموريتانيا، وهنا أكدت البوليسايرو أن التحرك الرامي إلى مجابهة التهريب، لم يكن بالتأكيد مدنيًا.

اعترفت الأمم المتحدة بالخرق المغربي، بينما دعا المغرب إلى وقف استفزازات جبهة البوليساريو في المنطقة الحدودية بعدما أظهرت صور على مواقع الإنترنت توقيف بعض العناصر المسلحة التابعة للجبهة لشاحنة حملت العلم المغربي، وطالبتها بإخفاء العلم والعودة لأدراجها، قبل أن تمر الشاحنة وسط وابل من الشتائم والسباب، ما شكل تطورًا نوعيًا لم يحدث منذ 1991، إذ لم تتقدم الجبهة إلى تلك المنطقة عسكريًا من قبل، ولم تعترض طريق التجارة المغربية الموريتانية.

استفزازات وصلت بعد ذلك إلى نشر مجموعة من الجنود الصحراويين لصورهم على شاطئ المحيط الأطلسي.

الأمم المتحدة أعلنت ضرورة انسحاب جميع القوات من المنطقة منزوعة السلاح، مطالبة جميع الأطرف باحترام الاتفاقيات، فيما أكدت البوليساريو أن كل هذا جاء كرد فعل للسلوك المغربي.

وبأمر من الملك محمد السادس، أعلن المغرب في السادس والعشرين من فبراير (شباط)، انسحابًا أحادي الجانب من الكركرات مؤكدة على احترام قوانين الأمم المتحدة واتفاقات وقف إطلاق النار، انسحاب بدا خاتمة للوضع، لكنه قد يكون فاتحة لانفجار آخر منذر بمرحلة جديدة للصراع.

لم ينسحب بعد!

من الناحية الاستراتيجية، لم تتقدم الجبهة عسكريًا إلى هذه المسافة من قبل، فبحسب تقرير للـ«سي إن إن»، وصلت المسافة بين قوات البوليساريو وقوات الجيش المغربي إلى 120 متر فحسب، مسافة غير مسبوقة منذ 1991، وإنذار باحتدام الصراع.

وحين أعلن المغرب انسحابه من المنطقة، وصفت انسحابها بـالأحادي الجانب في إشارة سياسية مكونة من كلمتين للمجتمع الدولي، مفادها أن الطرف الآخر لم ينسحب بعد.

وتثار مخاوف مغربية تعززها مطالبات صحراوية بعدم الانسحاب من تلك المنطقة، ورفض الانصياع للمطالبات، وإكمال فرض السيادة بحسب تسمية جبهة البوليساريو في بيان رسمي لها عقب اندلاع الأزمة، على المنطقة المحررة حسب الوصف الصحراوي.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو، ماذا لو لم تنسحب البوليساريو عسكريًا من المنطقة؟ كيف سينعكس ذلك على الخارطة الجغرافية والاستراتيجية للمنطقة؟ وكيف سيكون رد الفعل الدولي؟

قابل للانفجار

مخطئ من يظن الجانب العسكري المتأثر الوحيد بتطورات الأوضاع، فالحديث حول تعديل بنود التسيير التجاري بين المغرب وموريتانيا بمحاذاة المنطقة الفاصلة يتنامى بشكل غير مسبوق في الأوساط الصحراوية، وفرض لوائح جمركية جديدة على الطرف المغربي الذي يعتبر عدوًا للصحراويين، سيكون بلا شك بادرة قلب موازين جديدة، إن تمّ.

الكاتب الصحفي الصحراوي حمدي الحافظ، رئيس تحرير مجلة «20 ماي» في مقال له نشر على موقع «صحراوي» ضمّن الآتي: هل حان الوقت لأن تفرض الجبهة هي الأخرى أرباحا سياسية واقتصادية على عبور الأفراد والآليات والسلع لأراضي الشعب الصحراوي؟ أليس ذلك من حقها الشرعي؟ وكيف سيكون ذلك؟ ألم ترافع الجبهة في المحاكم الدولية من أجل ثروات الصحراء الغربية؟ أو ليس ما يستثمر من موارد مالية عبر طريق الكركرات ثروة من ثروات الصحراء الغربية وثروات الشعب الصحراوي؟

ليس هذا فحسب، بل إن تصريحًا أكثر خطورة، صدر من وزير دفاع جبهة البوليساريو، عبدالله لحبيب بلال، قال فيه إن الوضع قابل للانفجار في أية لحظة، تصريح يبدو تقليديًا، لكنه لن يكون كذلك إن علمتَ أنه جاء إجابة على سؤال من موقع مسارات الموريتاني حول إمكانية تشييد الجبهة لمناطق عبور وجمركة في الكركرات!

الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة هنا، ما مستقبل العلاقات المغربية الموريتانية، والحركة التجارية البينية، وقبل كل ذلك، ما هو رد الفعل المغربي، إزاء هذا التطور إن فكر الصحراويون فيه بشكل جدي؟ وماذا يمكن أن يحدث إن فرضت البوليساريو شروطًا جمركية أخف وطأة على الجانب الموريتاني للإيعاز بتقويض الشراكة مع المغرب؟ وهل ستواصل موريتانيا إمساك العصا من منتصفها في ظل مستجدات كهذه؟

مراقبة وتأهب

أما من الناحية السياسية، يبدو أن القضية الصحراوية لم تكن أقوى على المحفلين الدولي والمغربي أقوى من تلك الأيام، خصوصًا بعد الانسحاب المغربي، وتأييد الحليف الوفي، الجزائر.

الأخيرة التي احتضنت البوليساريو في مهدها، ولا زالت تدعمها وتفتح لها ذراعيها في تندوف أعلنت عبر رئيسها عبد العزيز بوتفليقة – عزيز التصريحات – عن دعمها الكامل لمساعي جبهة البوليساريو، قبل الانسحاب المغربي وفي أعقابه.

خلاف جزائري مغربي متشعب، متعلق بفرض السيادة المغاربية، ومنتهيات حرب الرمال، وتأكيدات الجزائر بدعم جبهة الإنقاذ الجزائرية التي شكلت محور العشرية السوداء في الجزائر، أدى إلى دعم جزائري غير مشروط للجبهة، ومراقبة مبتسمة للمتغيرات الأخيرة.

إفريقيا معيارًا

جانب آخر بالغ الخطورة، متعلق بالظهير الإفريقي للمغرب، الذي مالت كفته منذ 1984 ناحية الجمهورية الصحراوية في أعقاب اعتراف معظم الدول الأعضاء باستقلالها، وبإيجاز ممثل لها في منظمة الوحدة الإفريقي سلف الاتحاد الإفريقي الحالي، لينسحب المغرب من المنظمة اعتراضًا على الاعتراف الإفريقي.

مع اقتراب نهاية العام الماضي 2016، أعلن المغرب عزمه العودة إلى الاتحاد الإفريقي، ومواصلة جهوده بحماس واقتناع مع عائلتها المؤسسية، في إشارة إلى الاتحاد الإفريقي، وذلك حسب بيان صدر عن الملك محمد السادس، ليعود المغرب رسميًا في 30 يناير (كانون الثاني) 2017 إلى الاتحاد الإفريقي.

بدا أن المغرب – مكسور الشوكة – فيما يتعلق بالقضية الصحراوية بعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي، وسط وجود ممثل صحراوي في نفس الاتحاد، تطورات قد تشي بانتهاج الملك محمد السادس لسياسة المقاربات وسط المشاكل الاقتصادية التي تمر بالبلاد، واحتياجها لظهير دولي وإفريقي مساند.

ما يعزز من ذلك الاستنتاج، الانسحاب من الكركرات في استجابة لما قال المغرب إنه تعليمات من الأمم المتحدة ووصفته – كما سبق شرح فحواه – بالانسحاب الأحادي الجانب، لكن المغرب بذلك يفتح الباب على مصراعيه أمام العديد من الاحتمالات والشكوك حول طبيعة الموقف السياسي للـجمهورية الصحراوية.

هل تعني كل تلك التطورات اعترافًا مغربيًا غير معلن بسيادة البوليساريو؟ وهل كل هذه مقدمات لما يبدو اعترافًا دوليًا وشيكًا وواسعًا بالجمهورية التي لم تكن أفضل حالًا من الآن منذ بدء الصراع؟

الصيغة الأهم، والأكثر وضوحًا، والأكثر جمعًا لكل ما مضى من تساؤلات، هل استجاب المغرب لأمر واقع؟ أم لم يستجب؟ وإن لم يكن.. فكيف سيكون رد الفعل؟

تنازل أم دماء؟

وأيًا كانت الإجابة على كل تلك التساؤلات، فبينما يرى البعض في الانسحاب المغربي مقدمة لانقشاع سحابة الصيف، يبدو الأمر كما لو كان مقدمة لبركان مقبل، إذ لم تكن القضية الصحراوية أقوى أبدًا منها الآن في أي وقت مضى.

ترك القوس مفتوحًا سيكون الخيار الأكثر صوابًا، فتطورات الأحداث المتلاحقة في المنطقة لن تبقي لعقل أو تذر، لكن المؤكد، أن الكركرات ستفتح بابًا، قد يستحيل إغلاقه، وتحضر ماردًا، لن يكون صرفه خاليًا من الدم أو التنازلات التاريخية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد