كارل ماركس كتب مذكراته لدى أميرة «ست الشاي»

الجزء الأول

فتحت حقيبتي لإخراج جهاز اللابتوب ففوجئت بوجود دمية كبيرة وبعض أكياس البلاستيك الفارغة بداخلها، بين مستغرب ومنتش لسخافة الموقف أطلقت ضحكة اهتزت لها رؤوس كل من بالمكتبة احتجاجًا. انتبهت لذلك فتمالكت نفسي وصدر من داخلي صوت هامس يقول «تاااااااني يا مريومة!». نعم إنها صغيرتي مريم لا أحد غيرها يقوم بمثل هذه الأفعال الغريبة. لم أتهم مريم افتراء، بل كان ذلك تخمينًا منطقيًا للتعرف على الفاعل من خلال الفعل. فاختفاء مجوهرات من الخزانة مثلاً يدل على وجود سارق، وباب كتب عليه «حضرنا ولم نجدكم» يدل على قدوم زائر وهكذا. بهذا المنطق نفسه يراودني أحيانًا شعور بأن المفكر الشيوعي الكبير كارل ماركس كتب مذكراته وهو جالس على بمبر يحتسي شايًا باللبن المقنن مع صحن من الزلابيا لدى ست الشاي الشهيرة أميرة. لا تسألوني كيف لكاتب توفي أيام المهدية أن يفعل ذلك، لأن ردي سيكون اذهبوا إلى ماركس واسألوه من أين أتى بهذه القدرات السحرية. أما من ناحيتي فإن ماركس كتب عن حال السودان في مذكراته ما يكفي للجزم بأن شاي أميرة ساهم بشكل واضح في توثيق نتاجه الفكري.

كتب ماركس كثيرًا عن الانشقاق الطبقي الذي يقسم المجتمع إلى طبقيتين: طبقة كادحة ومطحونة تتهافت على رزق اليوم وتخشى عتمة المستقبل ويسميها بالبوليتاريا. وطبقة برجوازية تستعبد البوليتاريا المنتجة باحتكار رؤوس الأموال وأدوات الإنتاج. البرجوازية تعمل قليلاً لتكسب كثيرًا وتقوم كل يوم بتوسيع الهوة بينها وبين البوليتاريا «الغبشاء». هذا ما دفعني أن أشك أن ماركس كان لدى أميرة بالذات وليس لدى أي ست شاي أخرى. أميرة ست الشاي هذه تدير عملها التجاري من تحت مظلة صغيرة في العمارات شارع 21، وشاءت الأقدار أن تطل مظلتها هذه على فسحة كبيرة. عشاق الشاي الأميري يأتون من كل صوب وحدب من حي الديم البسيط ومن كافوري الأرستقراطية، من الدخينات التي لا يزيد معدل دخل الفرد فيها عن دولار واحد في اليوم، ومن الرياض التي تصل قيمة الأرض فيها إلى مائة ألف دولار. طلب ماركس عدد واحد شاي لبن «كباية كبيرة» وزلابيا بقيمة جنيهين ثم سحب بمبره إلى ركن يتيح له رؤية هذا التنافر المجتمعي المذهل ثم ملص سفجنته وسحب من أذنه القلم ومن حقيبته الكراس وقرر أن يكتب.

جلس إلى جانب ماركس شابان في منتصف الثلاثينات يرتديان أبرولات زرقاء ملطخة بالبقع السوداء التي تفوح بترولاً وزيت فرامل. جلسا يتسامران إلى حين أن دخلت سيارة فارهة الفسحة واختارت لها موقعًا للتخزين وسط كم السيارات الهائل الموجود بالمكان مسبقـًا. لاحظ ماركس أن نقاش الشابين تحول إلى نقاش عن السيارات الفارهة وعن طريقة تصنيعها. ظلا يسردان وبالتفصيل الطريقة التي تتنج بها هذا النوع من السيارات. ماركس لم يكن ميكانيكيًا لذا لم يفهم من ذلك شيئًا وقرر تجاهلهما لكنه لم يستطع أن يقاوم فضوله في متابعة الحوار حين سمع أحد الشابين يقول للآخر: «ياخي نحن شغالين نصنع في العربات دي كل يوم يا الله يكون عندنا حديدة زي دي متين؟» صعق ماركس مما سمعه فهرع يسحب القلم مرة أخرى من أذنه وكتب على كراسه Alienation أي بالعربية العزلة. هذان العاملان الفنيان لفتا انتاه ماركس إلى الطبيعة البشعة للعمل في عالمنا المعاصر. عمل يعزل الصانع عن صنعته والمخترع عن اختراعه، وعمل لا يحسس الفرد بأهمية ما تقوم به يديه أي بالقيمة التي يضيفها بخبرته إلى الإنسانية. أو ليس ما قاله ماركس عن العزلة حقيقة؟ فكم من بائع دجاج لم يتذوق طعم الدجاج منذ سنوات، وكم من عامل في مصنع ملابس لا يمتلك كسوة شتاء ولا صيف، وكم من ميكانيكي لا يعلم أن لولاه لعادت الأمة لامتطاء الدواب والسير على الأقدام.

نظر ماركس إلى كبايته فإذا هي فارغة من شايها الأميري الملهم؛ فقرر أن يطلب شايًا آخر، ولكن ذلك كلفه زمنًا طويلاً؛ لأن طابور الطلبات كان طويلاً. وقف أمامه في الطابور رجل أربعيني أنيق المظهر يرتدي جينز ديزل وحذاء كلاركس ويتحدث في هاتفه الباهظ الثمن في لغة عربية منمقة وممزوجة بإنجليزية ممتازة النطق. وفجأة صاح الرجل فيمن يحدثه على الهاتف «ياخي قلت ليك افصلهم كلهم فصل تعسفي، المكنة الجديدة دي حتوفر علينا كتير». بعد ما سمعه ماركس من هذا الرجل غادر الطابور وهرع صوب بمبره خوفًا من أن تتبخر أفكاره في الفضاء وأمسك بكراسه مرة أخرى ثم كتب عليها Insecurity أي انعدام الأمن. تباكى في سطوره هذه على الطريقة التي يعامل بها العامل كوسيلة لتحقيق الربح يمكن التخلص منها بمجرد ظهور تقنيات جديدة تخفض من التكلفة وتضاعف هذا الربح. في هذا الشطر من مذكراته تجلت إنسانية ماركس الذي لا يود للإنسان أن يعيش مرتعدًا من كابوس الطرد من العمل، وشدد على أن الإنسان كائن يستحق الاحترام، وأن يكون له مكان في قلب العالم يحتله دون الخوف من زواله يومًا ما. نظر ماركس مرة أخرى إلى حذاء الرأسمالي فتأكد من أنه كلاركس ثم نظر إلى حذاء جاريه الميكانيكين وعرف أنها من النوع الذي يباع في سوق الكلاكلة اللفة فجن جنونه وندد في كراسه بوسائل الرأسماليين التي تخفض أجور العمال لتضخيم ثرواتهم والتي أسماها primitive accumulation أي التراكم البدائي. ويقصد بذلك أنه وبالرغم مما يدعيه الرأسماليون من أن أرباحهم هي نتاج لذكائهم التجاري؛ فإن ماركس يرى أن مكاسبهم هي وبكل بساطة ليست إلا احتيالاً على حقوق الضعفاء الذين يكدحون ليلاً ونهارًا.

غرق ماركس في كتابته ساعات طوالاً لدرجة أنه لم يشعر بأن كل من حوله كانوا قد غادروا المكان. وفي هذه الأثناء جاءه صوت نسائي جميل يقول «شنو يا ماركس الليلة ما ماش البيت ولا شنو»، كانت تلك أميرة تحاول في أدب تسريح آخر زبون لها في هذه الليلة. التفت ماركس حوله وأدرك أن الشعب قد خلد للنوم. راحت البوليتاريا لترتاح لسويعات قبل العودة للمناجم والمصانع عند الصباح الباكر، وعادت البرجوازية إلى قصورها المكيفة وأسرتها الناعمة لإعطاء هذا الدماغ المنهك من الحسابات الرياضية قسطًا للراحة قبل استهلال يوم استغلال جديد. لملم ماركس أغراضه، لبس سفجنته، ابتسم في وجه أميرة ثم اختفى وسط عمارات العمارات الشاهقة وفي ظلام تلك الليلة المتعبة نفسيًّا.

إلى أن ألقاكم في الجزء الثاني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد