«ما زلت أعتبر معيار القابيلية للتكذيب، مركز فلسفتي»
carl popper،  Replies to my critic’s

إذا تم الاتفاق بأن الفلسفة هي نشاط  طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها للظواهر التي تصادم البشر أو الحدث الراهن في عصرهم،  فكما كانت سابقًا فلسفة الدين وبعدها الفلسفة السياسية والاجتماعية هي محاولات الإجابة عن القضايا الراهنة.

فموضوع عصرنا الراهن هي الفلسفة التي تحاول فهم ظاهرة العلم فهمًا يعمقها، أي فلسفة العلم «فتبحث في خصائصه ومقوماته، والتنظيم الأمثل لمناهجه، ومحاولة حل مشاكله التي تخرج عن دوائر اختصاص العلماء».1

لذا يمكننا القول إن فلسفة العلم هي مدار نقاش أهل الفلسفة الآن،  والتي تعتني بإنضاج المنهج العلمي الذي يعتبر قانون التفكير العلمي المنهجي الصارم وسبيلًا لصناعة تصورات صحيحة ومستدامة عن الواقع المعاصر وبناء وعي يصلح لمواجهة التحديات العلمية.

ونحن نناقش في هذه المقالة أصغر أبناء الفلسفة وأحدثهم وآخر عنقودهم والذي احتل اهتمام فلاسفة الغرب في  ما بعد القرن السابع عشر إلى الآن ولم تحظ بهذا الاهتمام بين أهل الفلسفة في المشرق العربي ولا ريب!

وهذا لضعف القسم الثاني ألا وهو: قسم العلوم الطبيعية والحوار في هذه الإشكالية يطول.

وعماد النقاش اليوم يتلخص عن فيلسوف العلم الأكثر تأثيرًا في القرن الماضي الفيلسوف النمساوي السير كارل ريموند پوپر (28 يوليو 1902 في فيينا – 17 سبتمبر 1994 في لندن).

وعندما يطرح الباحثين اسمه فإنهم على الأغلب يذكرون مناقشته لعدة مباحث فلسفية في شتى الحقول ومصادمته لآراء عديدة من آراء كبار الفلاسفة،  مؤسسًا لمنهجه الفلسفي المبتكر ومذهبه الفلسفي المتكامل.

1- د. يمنى طري خولي – فلسفة كارل بوبر منهج العلم، منطق العلم.

نشأ الفيلسوف مع ثلاث أخوات لأب يحمل دكتوراة في القانون، ومنذ صغر الفيلسوف كان أبوه يناقشه في مسائل فلسفية كالفرق بين الماهية والجوهر وغيرها من الإشكاليات. هذا في بيت تقع العين فيه على مراجع علمية وكتب فلسفية في كل زاوية.عرف بشبابه باستقامته الأخلاقية حيث كان بعيدًا عن معاقرة الخمر والتدخين وأول ما باشره من عمل: الأعمال اليدوية كالنجارة وتعبيد الطرق إلى أن انتهى موظفًا في مستشفى أطفال،  وازى ذلك دراسته في جامعة فيينا الفيزياء النظرية والرياضيات البحتة علمًا أنه كان يسجل حضوره في محاضرة التاريخ والفلسفة لإشباع شغفه العلمي.هذا كله في بدايات القرن العشرين التي كانت حافلة بالعلماء والفلاسفة أمثال أينشتاين وماكس بلانك وبور وماري كوري ونيكولا تيسلا وغيرهم من تلك العقول، مع أجواء مشحونة بالتقلبات السياسية وانتشار للماركسية.بعد تخرجه عمل معلمًا في المدارس الثانوية والتقى هنالك بشريكة العمر وزوجته جوزفين هننجر عام 1930 التي كان دائمًا يعترف بفضلها عليه واستشارته المستمرة لها في أعماله وآرائه،  ثم استكمل دراسته العليا إلى أن حصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة.هاجر من موطنه النمسا عام 1937 إلى نيوزيلاندا إبان صعود سيطرة الحزب النازي،  خلال فترة مكوثه درس في جامعة كنتربري نيوزيلندا إلى عام 1946 حيث هاجر إلى لندن بعد تلقيه برقية عمل للعمل فيها مدرسًا للمنطق ومناهج العلم في جامعة لندن.إثر دعوة من جامعة هارفرد وبرينستون لإلقاء محاضرات فلسفية سافر إلى أمريكا في عام 1950 وخلال رحلته جمعه أكثر من لقاء مع أينشتاين ودارت النقاشات حول مبدأ اللاحتمية ومبدأ القابلية للتكذيب وغيرها.منح في عام 1965 لقب سير وتقاعد في عام 1969 وتوفي في عام 1994 ودفنن في لندن.حياة مليئة بالرحلات والتنقلات والمحاضرات والنقاشات!ما يهمنا بالحقيقة هي الأفكار والنظريات التي تركها وهذا ما سنناقشه في هذه الورقة.كتب في السياسة والفن والتذوق الموسيقي وشهر في العالم بعمله (المجتمع المفتوح وأعداؤه) لكن الأهم هو كتابته في فلسفة العلم.فعمله النظري الأول في فلسفة العلم هو كتابه منطق البحث العلمي 1934 الذي زاد عليه ووسعه في عام 1979 تحت عنوان (المشكلتان الرئيستان في النظرية المعرفية) وكتابه (أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية) 1994 وغيرها.لكن ما هي تلك الأفكار ومنهجيات النظر التي خطت في ثنيات هذه الكتب والتي نصبت بوبر فيلسوفًا شهيرًا في عالمنا إلى هذا اليوم؟ لنبدأ الرحلة.

عندما قال كارل بوبر: «إن النقد هو دماء الحياة لكل تفكير عقلاني»، لم تكن جملة عابرة أو حكمة تقتبس بل هي فعلًا تلخص فلسفة كارل بوبر من حيث إنها تركز على النقد الوضعي المنطقي للعلوم الطبيعية وتأسيس منهج للتعامل مع التصورات العلمية لكي يميزها عن منهج التعامل مع الميتافيزيقيا والدين أو الأساطير أو العلوم الإنسانية،  من حيث الاختبار والتجريب والنقد أي القابلية للتكذيب.وإذا سأل سائل ما الذي قدمه كارل بوبر كفكرة مركزية؟!

نجد الفيلسوف الطيب بو عزة يعلق:«في تحديده لمنهج العلم يرفض بوبر تحديده بكونه استقراء، حيث يشير إلى أن المنهج العلمي في حقيقته منهج اكتشاف؛ والمنطلق في التفكير العلمي ليس الملاحظة، بل الفرضية؛ والاشتغال المعرفي للعالم هو في جوهره طرح لفرضيات ومحاولة تفنيدها وتخطئتها للوصول إلى الفرضية التي تقاوم التفنيد والنقض فتصير متبناة، ولكنها  تبقى أيضًا محل درس من أجل تفنيدها لبلوغ فرضية أفضل في فهم الواقع».يضيف أيضًا: «فالنظرية لا تكون علمية إلا إذا كانت قابلة لإنجاز اختبار لتفنيدها، بمعنى أن النظرية تكون مقبولة علميًا في لحظة ما بتحقق شرطين فيها وهما: أنها قابلة للتفنيد، لكن لم تفند بعد».فكأن بوبر يسأل هل أعددتم اختبارات قاسية لنظرياتكم؟!

هذا النقاش يجبرنا أن نعرج على منهجه العلمي الذي أسسه للتعامل مع العلم وفرضياته ونظرياته.

لكن ما هو المنهج العلمي أصلًا؟

بحسب عالم اللغويات المصري إبراهيم مدكور (1902م – 1996م) فإن التعريف الأدقّ للمنهجية العلمية يجعلها عبارة عن «خطة منظمة لعدة عمليات، بغية الوصول إلى كشف الحقيقة والبرهنة عليها».

أما كارل بوبر في كتابه منطق الكشف العلمي فيعرف المنهج العلمي:

«منهج العلم هو المنهج النقدي، منهج المحاولة والخطأ، منهج اقتراح الفروض الجريئة وتعريضها لأعنف نقد ممكن كيما نتبين مواطن الخطأ فيها».وما سبق تعريفه وهو ما يعرف مبدأ القابيلة للخطأ:False ability  وهذا المبدأ بالضرورة يرتكن على مبدأ القابلية للاختبار:Test ability، بحيث إن النظرية العلمية أقوى وأمتن إذا كانت أكثر قابلية للاختبار وتعرضت لأكثر من محاولة لتخطئتها وما زالت تنجو وتطور وتنمو! وهو ما يعتبره الفيلسوف طريق التقدم العلمي الحقيقي.حتى إنه في كتابه منطق الكشف العلمي يعلق على التقدم العلمي بأنه:
«فأفضل طريق لتقييم هذا التقدم هو المقارنة بين المشكلات القديمة والمشكلات الجديدة، وإذا كان التقدم المحقق كبيرًا فسنجد المشكلات الجديدة ذات نوعية أفضل من سابقتها فيكون هناك المزيد من المشكلات، وكلما تقدمنا أكثر من المعرفة توضح أكثر ضخامة ما نجهله».وإذا عرضنا مفهوم التقدم العلمي والقابلية للتخطيء لا بد لنا أن نعرج على صيغة كارل بوبر المشهورة:م2 ßاخßنمßم1فنحن نبتدئ بالمشكلة الأولى م1 ثم ننتقل إلى نظرية مقترحة ن م نعرضها للنقد والتنقيح واستبعاد الخطأ اخ لكي تنمو المعرفة ونصل إلى نظريات أفضل وننتج مشاكل جديدة تحتاج إلى معالجة جديدة م2.وتستمر هذه العملية إلى أن نصل إلى نظريات ذات محتوى معرفي أكبر وذات قدرة تفسيرية وتنبؤية أكثر من غيرها.ثم مقارنتها بغيرها من النظريات وتطبيقها تجريبيًا لتقييم نتائجها واختبارها.

ثم تعود الحلقة العلمية تدور من جديد.وتمثل هذه الصيغة لب المنهج البوبري التي تلخص مبدأ القابلية للتخطئة ومبدأ نمو المعرفة العلمية.والملاحظ أنه طالما كان يركز على أننا نبتدئ من مشكلة تواجهنا ونقدم نظرية علمية لحلها ونقوم بتقديم هذه النظرية للنقد. هل هذا يعني أنه يقول لنا عليك أن تثبت أنك مخطئ لكي تصل إلى الحقيقة؟! وإذا وجدت أنك لست مخطئًا فقد اقتربت من الصحة لذا حاول مرة أخرى حتى تثبت أنك مخطئ؟!بصراحة نعم!بعد توضيح ما يعتقد أنه لب منهجه الفلسفي سوف نعرض بضعًا من أطروحات بوبر في حقل فلسفة العلم:

-1-عرف بوبر بنقده للمنهج الاستقرائي وأداة الاستقراء.

«الاستقراء = أن يدرس الذهن عدّة جزئيات فيستنبط منها حكمًا عامًّا فحقيقة الاستقراء هي «الاستدلال بالخاصّ على العامّ»

المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، القاهرة

فحسب وجهة نظر بوبر إن الاستقراء بوصفه مبدأ منطقيًا مستقلًا يعد عاجزًا،  لكونه يثبت من الخبرة البشرية المجتزأة أو عدد قليل من البيانات من حيث إنه لا يمكن تعميمه على النموذج الذي يتم فهمه.لأن الأداة الاستقرائية لا تحتكم إلا سوى على حالات منفردة، تبقى مهما تعددت وكثرت دون مستوى الكلي.
وهنا نورد مثاله المفضل – مثال البجعة البيضاء -:

إذا كنا في يوم من الأيام قرب أحد أنهار النمسا ورأينا سربًا من البجع الأبيض فعندها نستخدم الاستقراء ونقول جميع طيور البجع بيضاء فهذا قانون كلي مستخلص من ملاحظات وخبرتنا البشرية، لكن هل رأينا حقًا كل الطيور؟ بالتأكيد لا.

فلو وجدنا طائر بجع واحدًا غير أبيض (أسود مثلًا)؛ فإن هذه الملاحظة التجريبية الواحدة كافية لدحض النظرية وتفنيدها، وتفنيد الاستقراء حسب رأي بوبر.2-يرى بوبر أن المعرفة الإنسانية ذاتها تعد جزءًا من عملية التطور وأن الإنسان يستمر بتطوير وتعديل وتصحيح ما يمتلك من معارف ونظريات ويستأصل الأجزاء الضعيفة من العلوم واستبدال نظريات أدق وأفضل بها كما تقوم البيئة باستصلاح الأبقى ولا يخفى على القارئ تأثره بالنزعة التطورية.

حتى إنه عند دعوته لإلقاء محاضرة عن صاحب نظرية التطور تشارلز داروين بكلية داروين، بجامعة كامبريدج، بتاريخ 8 نوفمبر 1977، علق قائلًا فيها:

«منذ أكثر من أربعين عامًا، اقترحت الظن بأن هذه أيضًا هي الطريقة التي اكتسبنا بواسطتها معرفتنا بالعالم الخارجي. نحن ننتج التخمينات، أو الفرضيات، ونجربها، ونرفض غير المناسب منها. إنه أسلوب الانتقاء الحاسم، إن نظرنا إليها عن كثب…».3-العلم الحقيقي والعلم الزائف science and pseudo-scienceفي إحدى محاضراته أمام جمع من الفلاسفة قال:«المشكلة التي أقلقتني لم تكن مشكلة «متى تكون النظريّة صحيحة؟»، كما أنّها لم تكن مشكلة «متى تكون النظريّة مقبولة؟»، مشكلتي كانت مختلفة تمامًا.جلّ ما أردتُ تحصيله هو أن أفرّق أو أميّز بين العلوم الحقيقيّة وأشباه العلوم، أو العلوم الزائفة، مع أنّي أعلم جيّدًا أنّ العلوم كثيرًا ما تخطئ، كما أنّ العلوم الزائفة قد تتعثّر بالحقيقة أحيانًا».وتم تحويل هذه المحاضرة إلى مقالة تحت عنوان:Science as Falsification .ويؤكد أن العلم الوهمي يحشد أي دليل لإثبات النظرية بدون تعريضها للاختبار، كنظرية الجذب عند كهنة التنمية البشرية أو نظرية التخاطر أو الطب الشعبي أو غيرها من الهراء. في زمنه كان النقد الأشد لنظريات فرويد في الطب النفسي والنظرية الماركسية في الحتمية التاريخية وكان يعتبرهما علمًا وهميًا.أما العلم الحقيقي فيحاول نقد النظرية وأدلتها للوصول إلى أكمل وأوسع تطور للنظرية وهذا من خلال تعريضها للاختبار.وببساطة كان معياره للتفريق بينهما أو حله لـ«مشكلة ترسيم الحدود = كما صك هذا المصطلح» أن النظرية التي لا يمكن تفنيدها أو دحضها أو تعريضها للاختبار هي علم وهمي كالتنجيم مثلًا.وإذا اختبروها فستلاحظ أن أتباع هذه النظرية سوف يقومون باختيار النتائج المؤكدة لصحة النظرية وتجاهل جميع الحالات التي تثبت العكس!لذا كان يريد فقط = (رسم خطّ فاصل بأفضل صورة ممكنة بين ما هو وهمي وحقيقي…).لكن إذا انتقلنا من عالم الفلسفة والمنطق المتماسك وتركنا الورقة والقلم وانتقلنا إلى أرض الاكتشاف والممارسة العلمية، فسنلاحظ أن النظريات العلمية يتم الاحتفاظ بها على الرغم من وجود واقعة تفندها وتستمر بكونها نظرية علمية مرموقة.واقع الممارسة العلمية ينكر الاستسلام التام لما طرحه بوبر،  من حيث إنه من المستحيل من خلال وجود دليل واحد سلبي أمام مجموعة من الأدلة الصحيحة أن تفند النظرية العلمية أو تلقي بحثك العلمي.في الختام بعد هذا النقاش الطويل لا يستطيع أحد إنكار أثر بوبر الفذ في حقل منهجية البحث العلمي واستحداثه لنقاشات فلسفية واسعة، لكن لا بد الآن من أن تدور نظريات بوبر في نفس الحلقة التي أسسها؛ حلقة التفنيد والنقد لعله في يوم من الأيام نصل إلى منهجية أوسع وأعمق وأشمل في حقل فلسفة العلوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

البجعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد