توقف العالم واستيقظت إنسانية البشرية، وظهرت الرحمة، عندما قتل الطيار الأردني “الكساسبة” ومن ثم بدأت الصراعات، والاتهامات هل تقبل ذلك؟؟ هل لا تقبل؟؟ ك

ل منا يتحدث عن الأمر بنظرتهِ الخاصة ودوافعه الشخصية الضيقة، لِمَ لا نرى الأمر بمنظور طرفيه، بالتأكيد دوافع كل فرد لها علاقه بالمشهد السياسي، ومواقفك السابقة، ولكن سل نفسك، هل أنت فعلا أحد الطرفين؟ هل أنت مستعد لتُسأل أمام خالق الطرفين عن موقفك؟

في حقيقة الأمر يبدو أن كل هذا ما هو إلا هراء، دومًا نتعامل مع النتائج كأنها حقائق علينا أن نختار من بينها، و لا داعى لإعمال العقل، لا نتحدث عن الدوافع لا يهمنا كل هذا، المهم أن تنتصر لوجهة نظرك، والتي هي في الأصل ليست نظرتك.

الأمر الذي ينبغي عليك معرفته، أن وجهة النظر الحقيقية يشكلها من يمتلك النفير الإعلامي الأعلى، قتل الآلاف في غزة، وفي بورما، عشرات الآلاف حرقوا أحياء في هيروشيما وناجازاكي، عشرات الملايين قتلوا في أفريقيا في القرون السابقة في محاولة بسط الغرب سيطرتهم على القارة السمراء، وأنت تتعاطف مع الكساسبة الذي يحارب بأسلحة القتلة ويحارب ضمن قواتهم.

وللمتعاطفين مع داعش، هذا الداعشي، يحارب بنفس أسلحة هؤلاء القتلة، ويمول من دول تحارب من جهة أخرى مع القتلة، وكل هذا من أجل مكاسب دنيوية، مصالح سياسية أنت حتى لست جزء منها، أنت الدهماء، أنت من يتم التلاعب بك، يقول د / مصطفي محمود: “كل ما يعرض على الشاشات من أخبار معد مسبقـًا للعرض على الجمهور” هو فقط غرضه تهيئة الرأي العام.

ما يستحق أن تندب له وتهلل عليه حقـًا لو أنك بشر، هو تلك الإنسانية الضائعة، الغائبة بين غيوم من الدم والقتل، بين شباك الألسن والأخبار، أين أنت وسط كل هذا أيها “الإنسان” لو أنت إنسان حقـًّا لا يمكنك أن تقبل قتل رجل أسمر على يد الشرطة الأمريكية للونه، ولا موت اللاجئين من البرد، ألم تر كل هذا؟ أم لأن الإعلام لم يحدثك عن هذا بالقدر الكافي لتصرخ كما الحمار؟

هلل من أجل “جهاز الكفتة” أم نسيت؟ وشيماء الصباغ، وآخرين قتلوا في نفس اليوم، هل نسيت ال 37 قتيل في سيارة الترحيلات؟؟ هل نسيت أنه حتى يومنا هذا وبعد مرور أربع سنوات على ذكرى أحداث يناير 2011 لم يصدر حكم واحد نهائي في حق قاتل من الشرطة والجيش، ليس من داعش ولا من جنود الاحتلال الصهيوني ولا من الغرب؟؟ هل نسيت ال74 قتيل في مباراة كرة قدم؟ هل نسيت عبارة السلام 98 والحجاج الذين ماتوا على متنها؟ هل نسيت قطار الصعيد؟

ولكن علي أن أنبئك بأنه لا ينفعنا التهليل، ينفعنا العمل الصحيح والنية السليمة، لو بنى كل منا نفسه بناء سليمًا لن ترى هذا يحدث، يمكننا أن نكون قوة حقيقية تدرك الحق وتحميه وتقاتل من أجله.

بكل بساطة عليك أن تعرف حقيقتك أنت دهماء، القتل كله حرام، وإن وجب فهو استثناء لا يتوسع فيه إلا
بقدر الضرورة.

أوسعنا حديثـًا عن النووي العراقي، أليس كذلك؟؟ ألم تكن تلك بداية انهيار المنطقة؟ ومن ثم لم يوجد نووي في العراق وقتل على هذا مئات الآلاف من العراقيين.

علمنا التاريخ أن ” كل معركة حربية يسبقها ويسير معها ويتبعها معركة إعلامية ” تلك المعركة موجهة لك أنت، لتشكيل رأيك أنت، لتحديد نظرتك أنت التي تتبناها وتتعصب لها، وفي الحقيقة هي ليست لك، وأنت لم ولن تستفيد منها شيئًا سوى العيش في جحيم لا ينتهي.

هنا أذكر قول الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه: “لا توجد معركة بين حق وحق لأن الحق لا يقابله إلا باطل ولا تستمر معركة بين حق وباطل لأن الباطل زهوقـًا”، وبالتالي فطرفينا المتصارعين هنا ليسا على حق دائمًا يدس لنا السم في العسل، يوسعونا خطبًا رنانة باطنها الدود أحلام وآمال لن تتحقق.

عندما كنت صغيرًا وكنت أتابع مجازر الجيش الصهيوني في حق إخواننا في فلسطين، أتخيل أن هذا الأمر لا يخرج إلا من الصهاينة، لا يمكن لإنسان أن يفعل هذا الأمر سوى قتلة الأنبياء!!

ولكن اكتشفت أنى كنت أحمق، المئات قتلوا في رابعة بيد الجيش المصري، آلاف قتلوا في سوريا على يد بشار الأسد، وغيرهم قتلهم علي عبدالله صالح في اليمن، الحوثيون يقتلون غيرهم، والقبائل تتقاتل.

ماذا فعل حكام العرب، أو بلاد المسلمين من أجل أهل فلسطين وبورما وفي وسط أفريقيا، لم نجدهم يهبوا للدفاع عن بيت المقدس، فقط اكتفوا بالشجب والتنديد.

أنا أعتقد أنك تستهجن الموقف العربي طبعًا، عليك أن تعلم أن في داعش من يقاتل من أجل هذا السبب.
إنها الإنسانية يا بشر، كل منا يحمل الشر في داخله، قليل منا هي النفوس السليمة، وكثير منا لو توفرت له دوافع القتل لقتل، ومن المستضعفين من لو تمكن لظلم.
لا أريد أن أتحدث عن النظرة الشرعية، فكلنا بحث، ولكن باختصار لو كان أسيرًا، فشرعًا تحسن معاملته، ويحدث مع الأسير واحد من ثلاثة، إما المنّ أو الفدية أو القتل، وفي حالة القتل، لا يمثل به ولا يعذب.
ولكن ما أريد الحديث عنه عن كل طرف من طرفي الصراع، أحدهما هو القومية، والآخر هو العقيدة، وإن كانتا لا تتعارضان، ولم يمثل أحد خير تمثيل.

الكساسبة يقتل من أجل القومية، من أجل الدفاع عن وطنه، من أجل محاربة الإرهاب كما قيل له، كما تم شحنه وشحذ همته.
هنا تجد أحدهم وقد أعفى لحيته، واهتم بجلبابه ناصع البياض، يقتل في سبيل إعلاء دولة الإسلام، هذا الحلم الذى يراود كثيرًا من المسلمين، ولا أنكر أني واحد من الحالمين.
وعلى الوجه الآخر هذا الشاب يتمرن ويتدرب ويرتدي من الزي أحسنه ويربى على عقيدة الشرف والواجب والدفاع عن الوطن، لينتهي به الأمر هذا الجندي الذي يقتل ويفتك ويدمر، وأثناء ذلك يظن أنه يدافع عن وطنه!

أيهما على صواب؟ من منهم على حق؟ هل أنا نفسي على حق وأنا أحاول أن أستبين موقفي لأجدني لا أناصر أيًّا منهم؟
عندما تحادث كل منهم، تجد أن كل واحد منهم له دوافعه، كل واحد منهم له عزائه وقتلاه، كل من يقتل يقال عنه شهيد.
في حكم أهل الدنيا، الكساسبة كافر من وجهة نظر، وشهيد من وجهة أخرى، بطل من وجهة نظر وكلب خائن لدينه من وجهه أخرى، يستحق الحرق من جهة، ولا يستحق من أخرى.

 

القتل الحقيقي هم هؤلاء الأحياء الأموات بيننا، بلا عقول، القتل الحقيقي ألا تجد علاجًا، ألا تجد طعامًا، القتل الحقيقي لا يحتاج إلى سلاح، فالمقتول يموت ويبقى أمره بين يدى خالقه، ولكن أنت أيها الحي متى تستيقظ من سباتك وغفلتك، متى تعرف أنك الطرف الأقوى في هذا الكون، أنت من تمسك السلاح لتقتل وأنت من تُقتل، أنت من تصنع السلاح لتقتل أهلك وتقتل جيرانك، أنت أيها الإنسان القاتل والمقتول، وفي النهاية المستفيد الوحيد هم حفنه من المجرمين في أزياء مهندمة، وطعام فاخر، ومناصب رفيعة، وتظل أنت أنت وهم هم ، من أنتم لتكفروا الكساسبة أو تجعلوا منه شهيدًا، هل علمتم بالنوايا، هل أنتم من ستحاسبونه.

هل يمكن أن يكون العالم بلا رب أعلى كامل منزه عن الخطأ، إذا كان هذا حال البشر؟

أسال الله لي ولكم النية السليمة، والفطرة السليمة، اللهم أرنا الحق حقـًّا وارزقنا اتباعه، أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد