عند سفح من سفوح الهيمالايا العظيمة الضاربة بجذورها في أراضي كشمير المباركة، وفي وادي الأنهار الزرقاء المتفجرة من جليد الهيمالايا الذائب، ترعى عائشة وأخوها الصغير عبد الرحمن أغنام والدهما المعتقل في سجون الهندوس منذ شهر خلا؛ حينما اقتحمت القوات الهندوسية الغاصبة أراضي كشمير الطاهرة فعاثوا في البلاد فسادًا؛ نهبًا وتخريبًا واعتقالًا للمناضلين وقتلًا للأبطال المقاومين، ليبسطوا طاغوتهم ويفرضوا أوثانهم على ديموغرافيًا كشمير المباركة.

لا تعدل متعة في الدنيا متعة رعي الأغنام في وادي الأنهار لدى عائشة وعبد الرحمن؛ فمنذ صغرهما كانا يخرجان مع أبيهما إقبال وأمهما إلى هذا الوادي ليساعدوا الوالد في رعيه للأغنام والتمتع بنزهة لطيفة بين جوانب الوادي الخضراء وأنهاره الصافية الزرقاء، وبين اللعب والمرح مع الغنيمات والتشجيع في المبارزات بين الأكباش.

كما يحمل هذا الوادي ذكرى ولادة عائشة التي جاءت مفاجئة، بينما كانت أمها تساعد زوجها إقبال في قص صوف الكباش ليبيعه في السوق لتوفير المال من أجل مولودهما الجديد؛ كانت ولادة صعبة، لم يكن الأب يعلم شيئًا سوى رعي الأغنام والأم كذلك تضع أول مولود لها، حاول إقبال أن يعصف مخه ويتذكر ما كانت تفعله أمه حين كان يذهب معها وهو صغير لتولد جاراتها، فأوقد على مرجله ببضعة أخشاب جمعها من الغابة القريبة بأسرع ما يمكنه، وقام بتسخين الماء، وتطهير مقصه وصنع خيطًا سميكًا قويًّا من صوف أغنامه ليربط به حبل السُرة، ومرت الليلة العصيبة بسلامة ويسر بحسن تصرف وسرعة بديهة إقبال والذين اكتسبتهما منه عائشة فيما بعد.

قد تعطيك هذه القصة القصيرة عن يوم ولادة عائشة لمحة صغيرة عن حياتها التي تمثلت بالفعل الآن أمامك حياة صعبة قاسية وربما بدائية قليلًا تشبه ما كان يعيشه أبوك وهو صغير، لكن الحياة لا تحلو حين تكون أقل صعوبة وأكثر يسرًا بالآلات الحديثة، فها هو ذا أبوك لا يكف حديثًا عن كيف كانت حياتهم جميلة وهو صغير وعن يسرها رغم عدم وجود كل تلك الآلات التي لا نتخيل حياتنا بدونها إلا كالجحيم، وكذلك كانت حياة عائشة أشبه في صفائها ببحيرات كشمير بعد الذوبان وأقرب في نقائها إلى أنهارها المتفجرة من الهيمالايا وأجمل حتى من مروج كشمير وغاباتها حين تراها من فوق قمم الهيمالايا، إلى أن -ولا يدوم نعيم أو يستقيم في الدنيا حال- عكر صفوها ولوث نقاءها وأحالها خرابًا دخول الهندوس، حين اضطرت إلى ترك المدرسة وتولي عمل والدها المعتقل إضافة إلى أعمال المنزل التي أصبحت من مسؤولياتها هي الأخرى بعد أن شق الحمل على أمها وأقعدها في السرير، فاستحالت العيون الكشميرية الزرقاء الصافية بحيرة راكدة تطمح لأن تصبح مستنقعًا يتراكم فيه الكد فوق الكدح يعلوهما الهم يعلوه الغم، وما كانت هذه سوى البداية.

فعلى بُعد خطوات قليلة من الهموم التي وقفت تتربص بعائشة وعائلتها المكروبة، كان عبد الرحمن الصغير ذو العشر سنين يلاعب غنيمته الأحب إلى قلبه: عائش، والتي هربت منه نحو الغابة القريبة فلحق بها كي لا يفقدها بين تلك الأشجار الكثيفة المتشابهة، لم تكن الهموم المتربصة هذه المرة أقل من سابقاتها بل كانت أعظمهم، كان موسم نشاط الذئاب في هذه المنطقة من الهيمالايا وكان عائش الخروف الصغير قد استفز حاسة الشم لدى كشافة القطيع الذين اختبأوا خلف ظلال الأشجار بينما كانوا يراقبون عبد الرحمن وعائش، لكن يبدو أنهم لم يصطادوا منذ أيام؛ إذ كاد صبرهم ينفد وهم يراقبون فأوشكوا على الانقضاض على عبد الرحمن وعائش، حينها التقت عينا عبد الرحمن لأول مرة بعين ذلك الذئب الأسود، حمل عبد الرحمن عائش وجرى بأسرع ما يمكنه إلى وادي الأنهار لينذر أخته، وكذلك فعل الذئب فعوى بأعلى ما يمكنه مناديًا القطيع أن حل الفرج ووجدنا صيدًا كبيرًا.

تزامن دوي صوت الذئاب من الغابة مع إنهاء عائشة مكالمتها مع عمتها، وكانت قد عادت تجر أذيال الخيبة بعد محاولة فاشلة لزيارة أخيها إقبال في سجنه، فكان صوت العواء وكأنه يقول لعائشة: لتقصمن الهموم ظهرك، لم تمض دقائق حتى وصل عبد الرحمن إلى وادي الأنهار بعد أن انقطع نفسه من الجري، لم يستطع قول شيء ولم يحتج إلى ذلك؛ فالعواء أخبر عائشة بكل شيء، أسرعت عائشة تفكر فيما ستفعله لمواجهة الذئاب في غياب الكلاب عن القطيع بعد ما أصابها ذلك المرض الغريب.
قبل أسبوعين من ذلك اليوم انتشر مرض غريب بين كلاب السيد إقبال؛ كانت الكلاب شرهة للغاية وكان طعامها يكلف الكثير، لكنها أمست تعاف الطعام وتفقد وزنها بسرعة غريبة، ففقد بعضهم نصف وزنه في أسبوع، وتحولت أصوات نباحهم القوية المرعبة إلى ما يشبه مواء القطط بل أضعف قليلًا، ولم يمض أسبوع آخر حتى لم يعودوا قادرين على المشي ولم تعد ترجى منهم فائدة فصارت عائشة تصطحب القطيع بدونهم وأنستها كثرة أشغالها وعزمها على حمل المسؤولية لحين مرور هذه الأزمات، أن خطر الذئاب قائم وأنهم ينشطون في هذا الوقت من العام في منطقة رعيهم.

لا وقت لتأنيب النفس أو العويل على الأخطاء وقد تحركت الذئاب نحو الوادي منذ مدة، أسرعت عائشة وعبد الرحمن يجمعان الحجارة الكبيرة من أرجاء الوادي وضفة النهر كما كسرا غصنين كبيرين من إحدى الأشجار القريبة وأشعلا النار فيهما ثم جمعا الأغنام خلف تلة صغيرة في طرف الوادي، ووقفًا ينتظران الذئاب في مشهد يبدو كأنه خرج حالًا من كتاب قصص خيالية لكنه كان حقًا هكذا، كانت عائشة تظن أن الذئاب ستذهب وحدها إذا ما روعاها بالحجارة والنار وأخفيا الأغنام خلف التلة، لا حل آخر، لا بد من الدفاع عن مصدر رزق العائلة الوحيد في غياب الأب ومرض الأم.

تسعة ذئاب رمادية يتقدمهم ذئب أسود هو أشرسهم وأكبرهم حجمًا يبدو أنه قائدهم، تقدمت الذئاب في شكل طائر يمثلون جناحيه ويمثل قائدهم قلبه حتى شكلوا دائرة حول عائشة وعبد الرحمن الذين بدءا بقذف الحجارة الكبيرة لفتح الدائرة، أصابت الحجارة ذئبًا يبدو صغيرًا في السن فأسقطته أرضًا، وفُتحت الدائرة حيث شعرت الذئاب أن الأمر لن يكون بتلك السهولة التي توقعوها، فتراجعوا قليلًا ثم تفرقوا إلى مجموعتين تقابل إحداهما عائشة وتقابل الأخرى عبد الرحمن، الخوف يجري بدل الدم في عروق عائشة وعبد الرحمن والذئاب تزداد شراسة مع الوقت، لم تعد النار تجدي معهم بشيء، فنار الجوع التي تحرق أجوافهم أقوى من أي نار أخرى.

وهنا باغت ذئب عبد الرحمن فأسقطه أرضا، وقبل أن يغرز أنيابه في عنقه تلقى ضربة قوية من كبش ضخم أقرن هو أكبر كباش السيد إقبال، تحركت الكباش جميعًا لمواجهة الذئاب وتواجه كل كبش مع ذئب، قد تكون الكباش قوية قليلًا لكنها لا شيء مقارنة بالذئاب، مواجهة غير عادلة نتيجتها محسومة مسبقًا، تحمست الذئاب لما رأت الكباش العشرة، وتبدلت نظرات عتابهم إلى الكشافة بنظرات الشكر، رغم أنهم سيتعبون قليلًا في إخضاع فرائسهم، لكنهم سيظفرون الآن بما هو أكثر من فتاة هزيلة وفتى صغير.
تراجعت الكباش بضع خطوات إلى الخلف ليشكلوا حائطًا أمام الذئاب، بدأت الذئاب بالقفز واحدًا تلو الآخر بحماسة وعنف شديدين، تصدت الكباش لأنياب الذئاب بقرونها الضخمة، سقط ذئبان هما الأصغر بين القطيع، لكن تكسرت في مقابلهما قرون ثمانية كباش، وتفرق حائطهم وتراجع كثيرًا إلى الخلف، بعد أن تعددت الجراح في أجسامهم، بين أنياب ومخالب الذئاب الذين لم يوفروا جهدًا ولا نابًا ولا مخلبًا في إخضاع الكباش.

مالت الشمس نحو الغروب فاصطبغ الجو بلون الدماء لكيلا يبقى في الوادي شيء لم تقصده الدماء، صوف الكباش، أنياب الذئاب ومخالبها، العشب والحجارة وحتى مياه النهر الزرقاء اكتست بلون الغروب الأحمر القاني، وهكذا يقترب الليل من الهبوط حاملًا معه موتا قاسيًا لقطيع كبير من الخراف وطفلين لم يتجاوز أكبرهما الخمس عشرة خريفًا، وقفت عائشة بصمت عاجز حزين تحتضن أخاها عبد الرحمن ينتظران هبوط الموت، حاولت عائشة تجنب النظر في عيني عبد الرحمن؛ لشد ما تكره نظرات الوداع القاسية تلك، لا زالت نظرة وداع أبيها تقتلع قلبها من مكانه كلما عرضت لها، لكن لا بأس بالنظر هذه المرة فليس بعد هذه النظرة سوى الموت، ولعل الموت يكون أرحم بهم من هذه الحياة التي ما عاد يطيب لهم فيها عيش بعدما انتهكت الحرمات وقتل النساء والأطفال وسجن الشباب والرجال لينكل بهم وليذوقوا أشد العذاب.

التفتت عائشة تقول لأخيها وقد انبسطت في عينيها دموع الوداع: ما أشبه ما عشناه اليوم بما تعيشه كشمير منذ شهور!، ألا ترى كيف تخلت عنا الكلاب وقدمتنا وجبة شهية للذئاب كما تخلى عنا المسلمون وتركونا نقع فريسة للمجرمين من الهندوس، بل حتى أيد بعضهم ما يصير فينا بحجة الإرهاب، رأيت ذلك على التلفاز منذ أيام، استوقفها عبد الرحمن: لكن الكلاب مريضة ما ذنبها؟ نعم هي مريضة وكذلك أمتنا، سمعت أبانا يقول يوما: إن الأمة مريضة لكن الدواء بيدها ولا يحول بينها وبين الشفاء إلا تعاطيه، لكنهم أحبوا عيش المريض الذليل وما دامت المصيبة ليست في بلادهم فلم يكترثوا ولم يستعدُوا بلادًا تزدهر فيها مصالحهم لأجل حفنة من المسلمين سيتضامنون معهم قليلًا عبر نشرات الأخبار ويغرقون مواقع التواصل بجمل الدعاء، ثم يدعون الله أن يتقبلهم في الشهداء بعد أن تنتهي الهند من إبادتهم وتبديل دينهم وهويتهم واحتلال أرضهم، وربما يخرج بعض الزعماء لإدانة ما حدث ليكسبوا بعض الشهرة والتأييد وليتباهى الناس بشجاعتهم الملطخة سرًا بمصالح لا تقل ضخامة عن خستهم ونذالتهم مع الهند.

غفر الله لأبي ومن معه. أرأيت كيف استبسلت الكباش في الدفاع عنا بقرونها الضعيفة، كما دافع أبونا ومن معه من رجال كشمير الأحرار عن دينهم وأرضهم ببضعة أسلحة قديمة وحجارة وأخشاب، إنهم حقًّا لرجال، وأقسم أن هذه الأمة بملياريها ليس فيها من هو أكثر منهم رجولة، أوتدري أكره أن أقف عاجزة هكذا، وإن كنت بنتًا فليس سكب الدموع في انتظار الفرج من شيمي، التقط حجرًا ودعنا نقاوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد