الأندلس اسم حبيب ما ذكره قريب أو بعيد إلا فاضت نفسه حسرات على ضياع ذلك الفردوس المفقود. الذي لا نجد عزاءً في فقده إلا ذلك التراث الضخم الذي خلفته الحضارة الإسلامية على مدى حوالي ثمانية قرون في شتى المجالات.

الأندلس هو الاسم العربي لشبه جزيرة أيبيريا، ويرجع العرب تسمية الأندلس بهذا الاسم إلى جدهم (أندلس بن طوبال بن يافث)، ولكن في حقيقة الأمر هذا الكلام ليس له ما يؤيده تاريخيًّا وقد يكون الدافع لذلك هو إرضاء شيء ما في نفوس أجدادنا التي تميل إلى روح الدعابة والمرح (1).

الراجح لدينا أن اسم الأندلس مشتق من كلمة (فنداليشيا) – نسبة إلى قبائل (الفندال- الوندال) الجرمانية التي نزلت بأراض الأندلس قبل مجيء المسلمين إليها، والأندلس اليوم تتمثل في دولتي (إسبانيا – البرتغال) وبعض الأجزاء الأخرى التي حكمها المسلمون في شبه الجزيرة الإيبيرية (2)،(3).
كانت أوروبا قبل الفتح الإسلامي تعيش في عصور الظلام والفوضى في كافة مجالات الحياة، وكانت للحروب مسرحًا وللاضطهاد ميدانًا فقد افترستها الفوضى وطحنتها المحن (4)، وكانوا عراة في الفكر والنفس والخلق فضلًا عن عري بعضهم الجسدي وهو أمر غير ذي بال (5).

أما الأندلس بعد أن دخلها الوندال كما ذكرنا آنفًا. نجحت قبائل القوط في سحق قبائل،
(الوندال) المتبربرة لتدخل الأندلس حقبة جديدة تحت حكم القوط الغربيين منذ أوائل القرن الخامس الميلادي (6).

استبد القوط بالحكم وساءت سياستهم وفي عهدهم حال الأندلس وكان هناك صراع طبقي بين المحكومين والحكام بل بين الحكام أنفسهم بطبيعة الحال، وكان على الطبقات الفقيرة أن تعمل وتكد وتكدح من أجل الطبقات العليا.

كانت طبقة التجار والزراع والملاك الصغار مجبرين على دفع أنواع الضرائب المختلفة لينعم سادتهم بها. وليس أدل على الظلم الفادح التي تتعرض له الطبقات الدنيا، من الظلم التي تعرضت له طبقة العبيد (عبيد الأرض) فحينما تنتقل ملكية الأرض من مالك إلى الآخر كان العبيد تنتقل ملكيتهم من المالك القديم إلى الجديد (7).

ومن ضمن الطبقات التي تعرضت للاضطهاد بالأندلس قبيل الفتح الإسلامي طبقة اليهود.

قبل الفتح الإسلامي بحوالي سنة أو يزيد قام أحد رجال الجيش واسمه (لذريق) بالاستيلاء على السلطة وعزل الملك (غيطشة) وإبان الفتح الإسلامي كان (لذريق) هو الحاكم الفعلي لبلاد الأندلس، وكان أنصار الملك السابق يتحينون الفرصة الملائمة للوثوب للحكم مرة أخرى، وكان يظنون أن تلك الفرصة الذهبية ربما تكون في دخول المسلمين الأندلس ظنًّا منهم أن المسلمين جاءوا لسلب الغنائم والأموال دون اكتراث بالبقاء في أرض أو بناء حضارة أو نشر عقيدة (8).

وهكذا كان الداخل مهيأ تمامًا للفتح المبين؛ فهناك تفكك داخلي في طبقات المجتمع وهناك قوى ظالمة وأخرى مظلومة وهناك صراع على الحكم بين أنصار الملك السابق (غيطشة) والتالي (لذريق). وكان أنصار الأول يتربصون بالملك الجديد وأتباعه ومستعدون للتحالف مع أي طرف ليقتص لهم منه حتى لو بذلوا الغالي والنفيس من المال والذهب. وربما وجد هؤلاء في المسلمين ضالتهم المنشودة، ولكنهم نسوا أو تناسوا أن المسلمين آنذاك ما فتحوا مكانًا أو موضعًا من الأرض إلا ونشروا فيه عقيدتهم وحضارتهم وفكرهم وعمروا الأرض من حولهم.

بعد أن وصل مد الفتح الإسلامي إلى شمال إفريقية كان طبيعيًا ومتوقعًا عبور هذا المد إلى إسبانيا (9).

وكانت النواة الحقيقية للمد الإسلامي عبر العصور هي نشر العقيدة في كل بلد يفتحونها، ولذلك اهتم موسى بن نصير – بعد فتح إفريقية– بنشر العقيدة الإسلامية حتى ينشئ جيلًا قويًا يملأ الإسلام قلبه، وبالتالي تتولد لديه الحماسة لنشر العقيدة إلى أماكن أخرى لا سيما الأندلس فلم يكن غريبًا أن أكثرية جيش طارق كان من البربر المسلمين (سكان شمال إفريقية) ممن تحمسوا للعقيدة السمحاء وسعوا لنشرها وإعلاء كلمتها لا طمعًا في مغنم أو مكسب دنيوي زائل.(10)

 

بينما موسى بن نصير يستعد لفتح الأندلس جاءته رسالة من حاكم سَبْتًة (يُلْيَان) يخبره بأنه سيكون سندًا وعونًا ودليلًا له في الفتح. فألهبت فكرته حماس موسى بن نصير فأرسل إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (86- 96هـ) يستشيره في الأمر فطلب منه الأخير أن يختبر ولاء يليان بالسرايا والحملات الاستطلاعية.

 

وفي رمضان 91 هـ (710 م) أرسل موسى بن نصير سرية استكشافية بقيادة (طريف بن مالك) الملقب بأبي زرعة وهو مسلم من البربر حيث التقى بقوات (يليان) التي ساندته في اجتياز المضيق ونزل بجزيرة (بالوما) الإسبانية والتي عرفت فيما بعد باسم جزيرة طريف فجاءت العلامات الأولى للفتح بالبشرى لموسى بن نصير (11).

جهز موسى بن نصير جيشًا من سبعة آلاف جندي مسلم أغلبهم من البربر ونصب عليهم (طارق بن زياد) وهو من البربر أيضًا وكانت نقطة تجمع المسلمين في الطرف الإسباني على جبل سمى فيما بعد بجبل طارق (12).

 

استعر القتال لمدة ثلاثة أيام بين طارق بن زياد و(تدمير) قائد جيش لذريق ومُنّي جيش الأخير بهزيمة ساحقة جعلته يستنجد بسيده (لذريق) الذي كان منشغلًا بإخماد بعض الثورات في الشمال فأعد جيشًا كبيرًا يفوق جيش المسلمين في العدد والعدة فطلب طارق من قائده موسى بن نصير إمداده بجنود آخرين فأمده بخمسة آلاف جندي على رأسهم طريف بن مالك (13).

التقى الفريقان بموقعة تسمى (وادي بكة – وادى لكة) واستمر القتال حوالي ثماني ليالٍ وانتهى بانتصار المسلمين وهزيمة لذريق، وحين ترامت أنباء النصر المبين إلى الشمال الإفريقي وفد بعض الناس ملتحقين بجيش طارق بن زياد مجاهدين (14).

وتجمعت فلول الجيش القوطي في مدينة إستجة، ولكن المسلمون هزموهم ونجح طارق بعد ذلك في فتح غرناطة وقرطبة ثم توّج طارق فتوحاته بالاستيلاء على طليطلة عاصمة القوط. بعد ذلك انتقل موسى بن نصير إلى الأندلس ونجح في فتح شذونة وقرمونة وماردة ثم التقى بطارق بن زياد وفتحا سويًّا سرقسطة ولاردة حتى وصلا إلى حدود فرنسا الجنوبية (15).

 

ثم صدرت أوامر الخليفة الوليد بن عبد الملك برجوعهما إلى دمشق، وخلف موسى ابنه عبد العزيز على الأندلس ونجح الأخير في فتح الجزء الشرقي من الجزيرة، وبذلك تم فتح شبه جزيرة إسبانيا كلها إلا الجزء الشمالي الغربي الذي يسمى (جليقية)، فكانت تلك البقعة التي تركها العرب لبردها ووعورتها نواة للدولة المسيحية بالأندلس التي نمت وترعرعت حتى طردت العرب المسلمين من الأندلس بعد ثمانية قرون.

 

وهكذا فتحت الأندلس في أربع سنوات من 91هجريًّا- 95 هجريًّا ليبدأ بعد ذلك عهد جديد هو عهد الولاة، وكان عبد العزيز بن موسى بن نصير أول ولاة هذا العهد وعنه سنتحدث في المقال التالي بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) الأندلس، ج.س كولان، ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى، صـ 17-18.
(2)دولة الإسلام في الأندلس، محمد عبدالله عنان، الطبعة الثالثة، ج 1، صـ 50،27.
(3) إيبيريا: اسم أطلقه اليونان على شبه جزيرة الأندلس.
(4)تاريخ غزوات العرب، الترجمة العربية، رينو، صـ 295.
(5)التاريخ الأندلسي، عبد الرحمن حجي، الطبعة الثانية، صـ19.
(6) فجر الأندلس، حسين مؤنس، الطبعة الثالثة، صـ2.
(7)صفة جزيرة الأندلس، الحميري، صـ170. انظر أيضًا: دولة الإسلام في الأندلس، عبد الله عنان، ج1، صـ32.
(8) الروض المعطار، ص 193.
(9) التاريخ الأندلسي، عبد الرحمن حجي، الطبعة الثانية صـ43.
(10)البيان المغرب، ابن عذارى، ج1، صـ42، انظر أيضًا :تاريخ المسلمين، دوزي، صـ71.
(11)دولة الإسلام في الأندلس، عنان، الطبعة الثانية، جـ1، صـ40، فجر الأندلس، مؤنس، الطبعة الثانية، صـ67 وما بعدها.
(12)نفح الطيب، المقري، جـ1، صـ253، البيان المغرب، ابن عذارى، جـ 2، صـ 5.
(13)نفح، جـ1، صـ233،231، انظر أيضًا: العبر، ابن خلدون، جـ4، صـ254.
(14) تاريخ الأندلس، حجي، صـ64، تاريخ المغرب والأندلس، عصام الدين، طبعة ثانية، صـ41.
(15) تاريخ الأندلس، حجي، صـ77 -80.
عرض التعليقات
تحميل المزيد