الجزائر؛ هذه الكلمة حين أسمعها أشعر بالفخر مرةً وبالألم مرتين، لا أدري ماذا أكتب ومن أين أبدأ وهل سينتهي كلامي أم أن آخره القبر؟ هل سيفنى المِداد قبل الكلام؟ ربما، ولكن سأكتب وسيكتب كل أحرار الجزائر العميقة حتى نملأ الجوَّ مِدادًا والتراب دماءً. وليَكُنْ بعد ذلك ما يكون! أو فليَكُنْ ما يجب!

سمع الجميع بالتلميذة «خولة بلاسكة» التي اجتازت امتحان شهادة الباكالوريا هذا الموسم 2017 وتحصلت على أعلى معدل في تاريخ الجزائر قدره 19.21، هذه التلميذة بنت ولاية سكيكدة العريقة، بنت أسرة محترمة وهي تلبس الحجاب وتلتزم بآداب الدين والمجتمع الجزائري وتواظب على دروسها وتهتم بمسيرتها العلمية حتى توَّجت ذلك بهذا النجاح الكبير جدًّا وهنَّأها الجزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي وزفُّوا لها المباركات والدعوات بمزيد من النجاح والتوفيق.

لا جرم؛ فهذه عادتنا نحن الجزائريين أن نفرح بالنوابغ سواءٌ كانوا من شمال البلاد أو من جنوبها، من شرقها أو من غربها تمامًا كما نفرح بنجاح واحدٍ من الأسرة أو من الجيران، لا شك أن ذلك صنع انطباعًا إيجابيًا جدًا لدى والدي التلميذة خولة وفرحوا فرحتين: نجاح ابنتهم واهتمام الناس من كل مكان بهذا الحدث الدراسي الباهر، وهذه نقطة تُسجَّل لصالح المجتمع وأن الخير لا يزال مستمرًا مهما تغير الزمن.

كُرِّمتْ التلميذة المتفوِّقةُ على مستوى رئاسة الحكومة وهي عادة رسمية لا يزالون يحافظون عليها، ولكن الذي صدم التلميذة خولة وصدم والديها وكل الجزائريين هو الطلب الذي تقدمت به أسرة التلميذة حين أرادوا مرافقة والدها لها في سفرة سياحية قُدِّمتْ لها هديةً من وزارة التربية الوطنية، أرادت خولة أن يرافقها والدُها في سفرتها هذه لأنها وبكل بساطة فتاةٌ مسلمة تريد تطبيق الأحكام الشرعية التي تؤمن بها ويؤمن بها كل المسلمين حيث إن المرأة لا يمكنها أن تسافر إلا رفقة مَحْرَمٍ، وهذا يعرفه كل الناس منذ القديم، ولا مجال للنقاش حوله لأنه مفصولٌ فيه دون أي تشكيك.

رفض المسؤولون عن هذا البرنامج السياحي الخاص بالمتفوِّقين طلب خولة وقالوا: لا يمكن أن يرافقك والدك! الحقيقة أن هذا التصرف لم يكن يتوقعه أي أحد في الجزائر، لأن مرافقة الوالد لابنته حقٌّ وليس مكرُمةً من أحدٍ كما أنه يجب على الوزارة توفير مستلزمات هذا الحق وذلك بتخصيص تذكرة الرحلة وكل ما يلزم السفر من بدايته حتى نهايته وهذا لا يكلف أي شيءٍ مقارنةً بالأموال التي تُضَخُّ سنويًّا في قطاع التربية ولا يدري أحدٌ أين تذهب تمامًا كسائر القطاعات الوزارية التي تعاني من السرقة الممنهجة حتى من أعلى هرمٍ في ذلك القطاع.

هذا الحدث الأليم جعلني أتذكر عدة محطَّاتٍ حزينةٍ في تاريخ الجزائر القريب والبعيد حيث تتمُّ إهانة النوابغ والمتفوِّقين بطريقة وكأنها تصدُرُ عن عمدٍ من هؤلاء المسؤولين، أو على أقل تقدير: أنهم بعيدون كل البعد عن الاهتمام بالتفوق العلمي للتلاميذ والطلبة والمخترعين الذين بذلوا كل حياتهم للوصول إلى ذلك الإنجاز الحياتي الكبير، كثيرٌ من أعلام الجزائر في الدِّين والأدب والشعر والرياضيات والطب وغير ذلك هم إمَّا مغمورون إعلاميًّا أو منفيُّون أو مهاجِرون طوعًا أو كُرهًا. جريمتهم الوحيدة أنهم «أبناء الشعب» لا «أبناء السلطة»، وإلا فأبناء الوزراء وبناتهم يدرسون في أرقى الجامعات العالمية ويستثمرون في عدة مشاريع داخل الوطن وخارجه، وتوضع تحت تصرفاتهم حسابات بنكية بأرقام فلكية، ومن حينٍ لآخر تُسرَّبُ لنا أخبارٌ عن أن «بنت الوزير الفلاني» تعرضتْ للسرقة من طرف «صديقها اللبناني» حيث سطا على جزءٍ من أموالها في فرنسا أو إنجلترا. أجل، هذه الأخبار وقعتْ فعلًا دون أن أتطرق لذكر تفاصيلها والجزائريون يعرفون تمامًا ماذا أقصد وعمَّن أتكلم!

أما أبناء الشعب البسيط فحرامٌ عليهم نيلُ حقوقهم فضلًا عن الظَفَر بالمِنَح والهدايا التي هي في الأخير حقٌّ شعبي كذلك، لأنها إنما تُستخْرَج من خزينة الدولة التي هي مِلْكٌ للشعب أولًا وأخيرًا، لم يُكرَّمْ «فيصل السعدي» الذي فاز بميدالية في المسابقة العالمية للرياضيات بتايلاند، لم يكرَّمْ عددٌ كبيرٌ من متفوِّقي أقسام الطب والصيدلة والأدب والفيزياء والشعر وغيرهم، هربوا خارج الجزائر ومن لم يسعفه الحظ منهم لا يزال قيد الإقامة الجبرية في هذا السجن الكبير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد