من الجيد جدًا أن تسقط رُغما عنك في عالم أحلامك الخاصة، كل ليلة يَصول عقلك الباطن ويَجُول يركض كثيرًا يَلِج إلى تلك الأُمنيات التي تُخفيها ولا تتطرق إليها، تتحفظ عليها بكل وعيك وإدراكك تقتلها طوال النهار تُمارس أشنع الأفعال ألا وهي الكبت والكتمان، تكبت أمنياتك كثيرًا حتى قاربت أن تنسى فحواها، تُرَدِدْ بأنها واهيات لا تصل بِك إلى السلام الذي تسعى إليه أو هكذا سَمِعت، لعلك تركت أُذنيك بين راحتيّ هؤلاءِ المُبعثرين لك ولعقلك يُرَددون بأنك تسعى إلى السراب وحسب.

ماذا وإن كان سادتي السراب خلاصي من هواجسي المُتلاحقة؟

تَنُص بيولوجيا الجسد أن العقل أجزاء عِدة، فصوص يُمنى ويُسرى أمامية وخلفية تُخفي بين طياتها ما لا يُحصيه خيالك المُتسع، فلكل فصٍ أبواب تخصه وحده يحمل ما لا تقدر على تخيله، ومن ثَمّ بالتتابع يُخفي أحلامك التائهة في دوامة الواقع الرث الذي يُحيط بِنا واحدًا تلو الآخر، ولا مفر يحسب الناظر إليك بِأنك هذا السهل السطحي الذي تراه عيناه ولا يُدرك أنك أشد عُمقًا مما يعتقد، فأنت تقهر دوافعك وأُمنياتك ليل نهار خوفًا من السقوط في المجهول ومن ثم الارتطام المُبعثر لكل ذرة فيك.

رُبما تُخفي في فصك الأيمن ذلك الحب الذي سعيت إليه ولم يسع إليك بالقدر المناسب، تُخفي لحظات خاطفة لا يذكرها إلا فصك اللعين لكنه يتلاعب بك مِرارًا وتكرارًا حينما يُعاود عرضها مجددًا فيزيدك حسرةً فوق حسرة ويدفعك إلى حافة الألم ويُلقي بمضغتك الصاغرة بين الفقد المتصل والظنون اللامنقطعة.

رُبما فصك الأيسر لم ينس صديقك الذي عاهدت نفسك أن تُحافظ عليه أبد الدهر لكنه لم يُعاهدك إلا على الخُذلان مرة تلو الأخرى، تَذكُرْ حينما تَرَكك في منتصف الطريق لتتعلم كيفما الوقوف بعد الجلوس والركض بعد المشي لتتعلم الفقد والحسرة.

رُبما فصك الأمامي لم يتوقف عن التلاعب بِحُلمِك القديم ذلك الذي يخص كونك رسامًا تُضاهي بيكاسو الشهير، أو أن تكون ذلك المسؤول الذي يُجله الجمع تُقيم الحق وتُهلِك الباطل باستماتة، أو أن تُصبح كاتبًا أو أديبًا أو حتى شاعرًا كشكسبير وأحمد شوقي وأكثر، أو حلمك أن تصبح موسيقيًا شهيرًا تُحرك القلوب الساكنة تلك التي تتعمد أن تُغاير في الطبيعة التي خلقها الرحيم في كلٍ منا ألا وهي الحب والمودة، أو أن تَرى بحثك العلمي أو نظريتك الفلسفية تقع في موضع الاستحسان والحدوث أن تُصبح واقعًا يُرى بِأُم عينيك، أو تمتلك حياة أفضل أن تكون ذا مالٍ وفير وصحةٍ طيبة وبيت يَضم أركانك بعد السقوط أو بعض ثيابٍ تواريك تُظهرك أو تُخفي أثرك.

لربما فصك الخلفي لا يتوقف عن السعي نحو الكمال، يحسب أنه مُدركه في الدنيا الفانية مُتجاهلًا حقيقة أن الكمال لله وحده، يقول شيخي أن الكمال غاية لا تُدرك لربما يؤرقك البحث المتصل في سر الجزاء والعقاب والسبب الكامن خلف كُلِ تلك الأحداث الحادثة منذ ساعة إدراكك، ومنهم من يَشغل نفسه بحثًا وتدقيقًا فيما أعطاه الله وما منحه من جمال وصحة ومال.

لرُبما فصوص أدمغتنا تُخفي أكثر مما نظنه نحن الفقراء لله، لكن المؤكد أنها تتحرر لحظة فقدك وعيك لحظة استسلام عينيك الشريدتين للنوم!

رغم الأرق الذي أُعانيه إلا أني لا زلت أسقط سقوطًا حُرًا، كل ليلة أسقط في عالمي الذي أتعمد تجاهله كل يوم حتى أوشكت أن أنسى أنه جزءٌ لا ينفصل عني، فأحلامي المُبعثرة حد اللحظة تُعبر عن كينوناتي وكذلك أنتم.

أذكر تلك الليلة تحديدًا، كنت بدأت أغط في نومي وشعرت بأن فصوص دماغي قد أطلقت العنان لنفسها وتَرَكتْ كُلَ حُلِمٍ أو ذكرى قَتَلتها بالتناسي والتجاهل، وكأنما تحررت من أقفاصٍ مُحكمة أذكر ليلتها رغم بداية نُعاسي إلا أني تبسمت طويلًا، لا أعرف لماذا رغم أن الذي تحرر من فصوص عقلي كان ألمًا مُتصلًا مخفيًا لمدة، لكنها كانت بسمةً عجيبة يبدو أن بداية الأحلام تمتلك تلك البسمة الخاصة!

من الطيب أن تتحرر كل ليلة، والأشد طيبًا أن تستطيع التحرر طوال الوقت، أن تجعل الحُلم واقعًا، أن تتوقف عن الُحلم وتبدأ في التنفيذ والسعي حتى تجد غايتك أمام عينيك تناديك بأنك قد نجحت.

حُلمك الذي تُخفيه إما أن تنتزعه من فصك وتتخلى عنه بآخر أكثر عقلانية، أو أن تسعى خلفه حد أن تُدركه أو يُدركك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد