كثيرًا ما أقرأ في برامج التواصل الاجتماعي – العالم المصغّر – أسئلةً باتت منتشرةً بين الشباب العربي، لمَ نحن متخلفون ومتأخرون عن الركب الحضاري على كافة المستويات؟! والسبب الذي وصلتُ إليه – من وجهة نظري – بعد بحثٍ أستطيع وصفه بالأساسي والجوهري هو سبب سياسيٌّ تعدى تأثيره إلى كافة النواحي التي ترتبط بالدولة والمجتمع، فمثلًا في الناحية العلمية لو نظرنا إلى ما تُقدِّمُها الدول المتقدمة من ميزانية في البحث العلمي والتجارب؛ ستجد أن جامعة هارفارد وحدها تستثمر ميزانية تفوق الميزانية المخصصة للبحث العلمي عند الدول العربية مجتمعة!

وكأثر طبيعي تهاجر العقول العربية إلى الدول المتقدمة حيث احترام العقل والإبداع الذي افتقدوه في بلادهم، فضلًا عن مُحاسَبَتِهم على ما تحمل عقولهم من أفكار، والتي قد يمكن استثمارها في تقدم بلادهم، منهم نحو 68 ألف عالم مصري يعملون في الخارج، ومن هؤلاء 1883 يعملون في تخصصات نووية نادرة طبقًا للبيانات الصادرة عن اتحاد المصريين بالخارج!

وللأسف بدل حل المشكلة الرئيسة نرى الآن أصواتًا تنادي بإبعاد الإسلام عن المجتمع والدولة وتقييده في المسجد وبعض الطقوس هنا وهناك، نسخًا للتجربة الأوروبية في إقصاء الكنسية عن أي حكم أو سيطرة على الدولة، وعلى هذا نهضت الحضارة الغربية على ما نراه اليوم، استنتاج خاطئ، ومغالطة وصل إليها البعض بتبني القول بأن الدين هو العائق لأي نهضة، وبدأوا في محاولة نقل الحالة الأوروبية بدون مراعاة للسياق التاريخي للحدث وتجاهل للفرق بين علاقة الإسلام بالدولة والمجتمع في بلادنا وبين الحالة الأوروبية!

فهل الإسلام يقيد التقدم ويدعو للتخلف الحضاري؟ استشهد هنا بما قاله جوستاف لوبون وهو من أشهر المؤرخين الفرنسيين حيث قال: الإسلام من أكثر الديانات ملائمة للاكتشافات العلمية – حضارة العرب ص 132 وهذا مفكر غربي لعل كلامه يؤثر في تلك الأصوات التي لا تقبل إلا الرأي الغربي، ولا ترى فيها إلا الانبهار بالحضارة الغربية بحلوها ومرها وتنظر لحضارتنا وهويتنا بنظرة دونية ناتجة عن انهزام وعدم إنصاف لتاريخنا وإرثنا.

إن الإسلام يدفع للأخذ بسبل التقدم والنهضة، ومن قرأ القرآن الكريم، يصل لهذا المبدأ، (التفكّر والتأمل) وهو ما يقود للأسئلة والبحث عن إجابات عن الكون والعالم والأرض والحياة في كل نواحيها،  يقول ابن خلدون: ‏قوة الدولة وتقدمها العمراني الحضاري لا يقاس بمقدار ما يتوافر لها من معادن كالذهب والفضة وإنما يكون نتيجة لقدرتها على الإنتاج (1).

ولعل المقصود هنا بالإنتاج هو المعنى الواسع للكلمة بدءًا بالإنتاج الفكري الإنساني الذي يحض عليه الإسلام.

ولو نظرنا لقيمة الموارد الطبيعية الموجودة في الدول العربية لوجدنا أنها من أغنى الدول اقتصاديًا، لكن – كما ذكرت آنفًا – بإن السياسة هي السبب الجوهري لما آلت إليه أوضاعنا، حيث احتكار السلطة والمال في أنظمة فاسدةٍ استبدادية تختنق في جو الحرية فتكبت وتقمع كل صوت لا يروق لأسماعها ولا يخدم مصالحها وعلى هذا بدأت بلادنا بالتخبط في كافة المجالات وحالنا لا يخفى عليكم، وأنا هاهنا لا أبرّئ الفهم الخاطئ عند البعض للإسلام الذي أدى إلى تشويه صورته عند الكثير، لكنه في نفس الوقت هو إحدى تجليات فقدان الأمة وشعوبها لقرارها وحريتها، فهل نترك المرض ونركز على العرض؟!

إن مفتاح نهضتنا وسر قوتنا في حريتنا كشعوب في اختيار من يحكمنا ومحاسبته، وهذا الأمر إن تم فسنرى آثاره جلية واضحة تلامس حياتنا اليومية علمًا وفكرًا واقتصادًا وقوةً على كافة الصعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) الفصل الرابع عشر من الباب الرابع من الكتاب الأول في أن الأقطار في اختلاف أحوالها بالرفه و الفقر مثل الأمصار، ص169
عرض التعليقات
تحميل المزيد