تكلمنا في المقال السابق عن اتساع دلالات كلمة التصوف، وما يتعلق بالتصوف أو بهوامشه من فلسفة أو فن أو أدب أو غير ذلك، وكيف أنه قد أزاحت هذه الهوامش المفهوم الأصلي للتصوف حتى غاب معناه، وقلنا أننا سنحاول رد كل فرع أو هامش إلى أصله محاولين تحقيق هذه الصلة.

ولكن قبل أن نبدأ في كل موضوع بعينه يجب أن نلفت النظر إلى حقيقة مهمة في الحديث عن التصوف بوصفه العلم الثالث في الدين الإسلامي إلى جانب علميّ الفقه والعقيدة (وثلاثتهم يحفظون أسس الدين الثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان كما ذكرنا في المقال الأول). وهي أن التصوف يختلف عن الفقه والعقيدة في أنه ليس علم مناظرة! فكلنا نعرف المناظرات بين فحول الفقه وأصوله من قبل حتى ظهور المذاهب الأربعة واستقرارها، وقد صنف في هذه المناظرات الأئمة مثل محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان في الرد على أهل المدينة (ويقصد أصول المذهب المالكي)، ثم صنف الإمام الشافعي في الرد على شيخه كتاب “الرد على محمد بن الحسن” واستمرت المناظرات والتحقيقات والتدقيقات بين أبناء المذهب الواحد وبين رجال المذاهب المختلفة، وكتب علم الخلاف أو الفقه المقارن وضعت لذلك.

 

وكذا علم العقيدة، فقد انتشرت فيه المذاهب المختلفة من أهل السنة ومن غيرهم، وصُنفت مؤلفات مطولة في السجال بين الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة والماتريدية … إلخ، وهذا الخلاف قائم على أشده حتى الآن (بما يفوق بمراحل الخلاف الفقهي) فإن الخلاف العقدي يورث التكفير أو التبديع أو استبعاد فريق دون فريق من مفهوم أهل السنة، بل وتستمر الفرق الجديدة في الظهور! وقس على ذلك الخلافات بين علماء مصطلح الحديث في إقرار قاعدة دون أخرى، وتعاقبهم عالمًا وراء آخر، منقحين كتب بعضهم متعقبين كتب مشايخهم فيما يخالفونهم فيه، ونفس الأمر في باقي العلوم الشرعية.

 

المسار
أما علم التصوف – من حيث هو علم لتزكية النفس – وإن افتقر قبل تحقيقه إلى استيفاء حدٍ أدنى من علمي الفقه والعقيدة، فإنه لم تُعرف فيه مناظرات بين رجاله وأعلامه في سُبل تزكية النفس! باستثناء انتقادات من هم خارج الدائرة الصوفية والتي تنحصر كثير من انتقاداتهم لأبواب العقيدة و الفقه وليس لسبل التزكية. وذلك لأن علم التصوف يطلب هدفًا متحققًا في هذه الحياة الدنيا، مُشاهد الأثر محسوسًا بالقلب. فلا مناظرة في طرق رياضة النفس وعلاجها طالما نفعت وأوصلت! وهذا ما جرى عليه الأمر عندهم.

 

ولذلك فإن تناول الصوفية لقضايا الفقه مثلا يكون من طرف مختلف تمامًا عن طرف الفقهاء. يروى أن الإمامين الشافعي وأحمد بن حنبل كانا جالسين إذ أقبل أحد صوفية عصرهم يقال له شيبان الراعي، فقال الإمام أحمد للشافعي: أريد أن أسأل هذا المشار إليه في هذا الزمن، ثم سأل شيبان: “ما تقول فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات؟ فقال يا أحمد، هذا قلب غافل عن الله تعالى، يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك، فخر أحمد مغشيًا عليه، ثم أفاق فقال له: “ما تقول فيمن له أربعون شاة، ما زكاتها؟” فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟ فقال أوهما مذهبان، قال نعم، أما على مذهبكم ففي الأربعين شاة شاة، أما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئًا! قال ما سندك في هذا؟ قال: أبو بكر حين خرج من كل ماله!

 

وهذه قصة عجيبة من عدة أوجه! وسنحاول أن نجعل من تناولنا لها مثالًا على تناولنا للقضايا القادمة. فيظهر فيها العابد الصوفي بما لديه من علم يحكم على الفرائض بمبدأ يتجاوز مبدأ الفقه – العلم الباطن في مقابل العلم الظاهر كما يقول الصوفية – فهو في دراسته للسلوك يفجعه مبدأ سهو الفتى في صلاته عن الحكم الفقهي لإعادتها أو سجود سهوٍ لجبر مسهو عنه! فكيف لصوفي يريد وجه الله أن يسهو عن أقرب المواضع التي يكون فيها العبد من ربه، وهو مطلوبه وغايته! فكان حكمه أن هذا الفتى يؤدب ويُربى حتى يعلم جرم الالتفات عن الله في الصلاة!

 

هذا وجه الكلام من جهة التصوف. أما إن تكلمنا عن هذه القصة من وجه علم الفقه مثلًا أو علم الحديث فإنه يبحث في ثبوت هذه القصة أيضًا فإن رضا الإمامين موضع احتجاج، فيقول أن القصة قد أوردها الإمام القشيري في كتابه الرسالة، ولكن من أرّخ لشيبان الراعي قال بأنه قد مات قبل ولادة الإمام أحمد أو على الأقل في طفولته قبل أن يشب لطلب العلم، وقبل أن يلتقي الإمامين! فمن وجهي الرواية والفقه هذه رواية لا تثبت فلا يُعتد بها. والعجيب أن من الفقهاء المتأخرين من أورد هذه القصة في مصنفاته عن التصوف والتزكية، ولكن يبطل العمل بها على الوجوب في مصنفاته الفقهية! لأن غاية كل علم مختلفة، وأصوله التي نحكم بها عليه مغايرة.

فمقاصد علم الفقه – وكذا العقيدة – هي الحكم والعمل بما لا يخالف الحد الأدنى المطلوب أو المنصوص عليه في القرآن والسنة كما في حديث الأعرابي الذي فصل له رسول الله ما فُرض عليه من صلاة وزكاة وغير ذلك فسأله: “أعليّ غيرها؟”، فأجابه صلى الله عليه وسلم: “لا إلا أن تطوع”، فقال: “والله لا أزيد على هذا ولا أنقص”، فقال صلى الله عليه وسلم: “أفلح إن صدق”.

 

أما التصوف فهو أخذ بالعزائم – عكس الرخص –ويتلُون قوله تعالى: “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين” وقوله تعالى: “واتقوا الله ويعلمكم الله”، وكذلك ما ورد: “من عمِل بما عَلِم أورثه الله علم ما لم يعلم”، فيشكل العلم اللدني – أي العلم المكتسب من الله تعالى مباشرة بعد تزكية النفس وجهادها ورياضتها – جزءًا كبيرًا من تراث المعرفة الصوفية، ومثل ذلك لا يقاس بحدود أصول الفقه، بل يقاس بأصول التصوف والتي قد نجملها الآن مؤقتًا في كلمة “الأخلاق”.

وعلى الرغم من أن النص الأخير لم يثبت عن رسول الله بل هو من قول بعض الصحابة أو التابعين، فمرة أخرى رُغم عدم ثبوته فقد تكلم العلماء عن فوائد هذه الحكمة وكيف يسير المرء السالك في طريقه من خلال هذه الكلمة، وهم حين أفادوا بها لم يفيدوا بها باعتبارهم أصوليين أو فقهاء مثل العز بن عبد السلام مثلا الذي صنف فتوى عن هذه المقولة وكان كلامه – وهو المتثبت المحقق – عن فوائد معناها لا عن ثبوت الرواية من عدمها.

 

هذا المنهج الذي يعضد نفسه بكل ما يُعين الفتى في سلوك طريقه إلى الله بتزكية نفسه، هو الذي أورث هذه الهالة المختلفة لعلم التصوف عن قسميه الفقه والعقيدة، فإن ثمرته لا تكون بتقرير أحكام النصوص الواردة، وإنما بالوصول إلى أقصى درجات التزكية وهي التي لا حد لها فإن غايتها معرفة الله، ولا يحيط بمعرفة اللهِ مخلوقٌ.

 

وهذه الدرجات عبر عنها الحديث: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، هذه الكلمات المنيرة يتدرج الرجل في درجاتها طوال عمره كلما ازداد زكاةً ازداد ترقيًا في مراقبة الله ومشاهدته، ومعرفة الله لا تتناهى. بل إن هذه الدرجات لا تكاد توصف بكلمات بل هي أثر في قلب المرء وتقواه وإخلاصه وتوكله. فتراه يستخرج من القرآن المعاني التي لم يُسبق إليها ويرى الأمر بالتقوى والمعرفة والتزكية في كل آية وكل منظور ومشهود من حوله.

 

انحراف المسار
ولكن! هذا المنهج نفسه كان المدخل الذي أُتي منه التصوف حتى تغير وتحول عبر العصور إلى ما يناقض ما بدأ عليه! فإنه كان المدخل الذي دخل منه الأدعياء والكاذبون والجهال، كلهم ينسب نفسه للتصوف وينسب سوء فهمه إلى الفتح الإلهي والعلم اللدني! وأنت إن ناقشته وصمك بالجهل وأنك محجوب عن الله! ولا دليل على دعواه المعرفة وهو يستتر بأنك لا تعرف مكانته عند الله!

أذكر واقعة حدثت برفقة صديق لي عند مقام الإمام الحسين بالقاهرة – ولنا وقفة مع المقامات والأضرحة في مقال قادم بإذن الله – رأينا رجلين من فقراء المقام في مشادة كلامية أمام قبر الإمام، فصرخ أحدهما في وجه الآخر قائلًا: “أنت رتبتك إيه أصلا؟؟” فجاوبه الثاني بلهجة أعنف: “أنا قطب غوث، إنت اللي إيه؟”!! يسأله الأول عن المكانة التي وصلها في الدرجات التي يرفعها الله لعباده، فيجيبه الآخر أنه قد نال رتبة “القطب الغوث”! وهي – في اصطلاح بعض الصوفية – الرتبة العظمى التي لا يحوزها إلا واحد في كل عصر في مدارج طبقات الصوفية. ولهم في ذلك ألقاب عديدة كالأقطاب والأوتاد والأبدال، واصطلاحات التصوف وأصولها لنا فيها مقال آخر إن شاء الله.

 

دخل من باب عدم وجود حد واضح لغاية التصوف من تكلم في العقائد فأساء بل وحاد عن جادة الاعتقاد السليم، فكفره من كفره، وبدعه من بدعه. ويكون الاستتار بأنك لا تفهم ما يقول لأنك لم تبلغ مرتبته هو التبرير الأول أو الدفاع الجاهز. والذي زاد الطين بلة، وفتح الباب على مصراعيه لتدفق المدعين الكسالى إلى الانتساب إلى هذا المقام الرفيع، هو إنشاء التكايا والخانقات، وسنلقي نظرة في مقال قريب عن تطور التصوف عبر العصور.

 

فقد أنشأ السلطان صلاح الدين الأيوبي (والذي نسبه غير واحد من المؤرخين إلى التصوف) خانقاه أي بيت الفقراء (حُرفت في عصرنا إلى “الخانكة”)، وهو بيت يُوقف للعباد والزهاد لهم طعامهم وما يحتاجون في يومهم إن أرادوا الانقطاع للعبادة لعدة أيام، فلا يكون السعي للرزق مانعًا لمن يريد أن يعتكف أيامًا، فدخل من هذا الباب من المدعين أفواج يتكلمون بما لا يفهمون من كلام القوم، ويدعون الولاية، فإنها تعني لديهم بقاء الجراية – أي نفقة الوقف عليهم!

ولا شك عندي أن ذلك كان الباب الأوسع لفساد التصوف وتشويهه، ذكر ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور” أن الإمام السيوطي – وكان صوفيًا شاذليًا – حين تولى مشيخة المدرسة البيبرسية – وكان لها جراية ووقف – ورأى ما آل إليه أمر هؤلاء قطع عطاء بعضهم ورأى أنه لا حق لهم فيه وهم لا يتخلقون بأخلاق الأولياء “ومن يأكل المعلوم بغير تخلقِ بأخلاقهم فهو حرام”، فثار ثائرهم عليه – أي السيوطي وضربوه وكادوا يقتلونه ثم حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية وشكوه إلى الأمير طومان باي الذي كان مبغضًا له!

 

خلاصة ما سبق، أن الحكم على صحة طريق التصوف وما يتعلق به وإن كان لا يمكن فصله عن أصوله وزاده من الفقه والعقيدة فليس له أن يتجاوزهما، فإن له أسسًا أخرى للحكم عليه، لاختلاف الغاية والأصول الحاكمة (نقصد بالأصول هنا المقابل الموضوعي لعلوم أصول الفقه وأصول الحديث)، ولعل كثيرًا من هذه الأصول هي علوم الأخلاق ومعرفة أمراض النفوس وعلاجها. وكان ذلك – مع الطعام المجاني – باب دخول المدّعين الذي أفسدوا الطريق وشوهوا العلم مستترين بخفاء حال العباد عند ربهم، متسلحين بالكلام عن حسن الظن والأتقياء الأخفياء.

 

كيف فلت قيد الالتزام بالفقه والعقيدة إلى حال الشطح والكسل؟ كيف تحول الانصراف عن الحكام والنجاة بالذات إلى التعلق بأثواب السلاطين وذيولهم؟ وعلاقة التصوف بالحكّام منذ نشأته حتى اليوم. وكيف نفهم ذلك ونحكم عليه بالرجوع إلى أصله وتعريفه الذي قررناه في المقال الأول؟ هذا موضوع المقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد