انتشرت في الآونة الأخيرة ثقافة غريبة بين الناس، ألا وهي ثقافة منح تأشيرة دخول الجنة، أو منح صكوك الشهادة، لمن يرغبون، ومنعها عن من يكرهون، لذلك أتساءل: هل امتلكوا مفاتح جنة ربي؟ يدخلون فيها من هم على هواهم، ويوصدون أبوابها في وجوه من يكرهون؟

هل بلغت بنا البجاحة والجرأة على الله هذه الدرجة؟ وعند المحاولة للتوجيه إلى أن ما يحدث خطأ كبير؛ تتهم بقسوة القلب، ومنع شهيدهم من دخول الجنة، لا يا سادة! ليس فى دين الله محاباة، و لا مجاملات، وإذا التبس علينا الأمر، فلنحتكم إلى كتاب الله – تبارك وتعالى – وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 تعالوا نتعلم مما حدث في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع أن ما حدث يصعب الفصل فيه، ويسهل الانخداع كذلك فيه، إذ لم يكن من الوضوح بحيث التبس على بعض الصحابة الأمر، وذلك عندما وصفوا أحد المقاتلين الذي مات في إحدى الغزوات بأنه شهيد، وهنا كانت الوقفة من المُعلم والمُربي: رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهم من هم،  ليعلمهم ويعلمنا أنه لا يحق لأحد أن يتأول على الله تبارك وتعالى.

  ورد في الصحيحين في باب لا يقول: فلان شهيدًا. عن سهل بن سعد الساعدي – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التقى هو والمشركون؛ فاقتتلوا، فلما مال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها؛ يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه من أهل النار! فقال رجل من القوم: أنا صاحبه. قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه. قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا؛ فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه؛ فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار؛ فأعظم الناس ذلك. فقلت: أنا لكم به؛ فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحًا شديدًا؛ فاستعجل الموت؛ فوضع نصل سيفه في الأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند ذلك: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة.

 فهل بلغنا نحن من الشفافية والعلم والاطلاع على الغيب ما لم يبلغه الصحابة الكرام؟ بحيث نجد هذا يصف من يموت أو يُقتل أنه شهيد، وأنه في الجنة لا محالة، ما هذه الجرأة على الله عالِم الغيب والشهادة؟

أذكر أنه ذات يوم شب حريق بأحد الملاهى الليلية، ومات فيه عدد ممن كانوا بداخله، وكان من بينهم لاعب القمار والسكير والراقصة، وعندما ذكرتهم وسائل الإعلام أطلقت عليهم لفظ شهداء، تعجبت لما قالوا! ومن أين جاءهم هذا اليقين بالشهادة؟ لنحترس ولنتقِ الله في أقوالنا وأفعالنا؛ لأن كل كلمة نتفوه بها تكتب علينا.

من مات أو قتل وظننا من أعماله أو أخلاقه أنه من الشهداء، فلا نتعجل الحكم عليه، وإنما نقول على استحياء: إننا نحتسبه شهيدًا عند الله تبارك وتعالى، ولا نتسرع في توزيع مفاتح الجنة أو منح صكوك الشهادة، ولنضع نصب أعيننا قول الله تبارك وتعالى: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ. (281) صدق الله العظيم. سورة البقرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد