منذ الأزل ارتبط سلوك الأنسان بشكل مباشر باعتقاداته الدينية فلا تخلو أية حضارة أو دولة عن مرتكز ديني ومعتقد سائد  يُسير كبارها وصغارها حتى الإلحاد هو دين اللادين، وهذا معروف للمختصين فالدين هو ( مجموعة من الأفكار والعقائد التي توضح حسب أفكار معتنقيها الغاية من الحياة والكون)، موضوعي ليس لتقييم عمل الديانات ولا للمفاضلة بينها، بل للوقوف على تأثيرها على سلوك الشعوب (السلوك العاطفي، الشرائي، سلوك الخوف، جلد الذات، التذلل… إلخ). تستغل الكثير من المؤسسات الكبرى  هذه السلوكيات لتسيير مصالح سياسية  بكلف بسيطة أو لتحقيق أرباح عالية كصكوك الغفران في القرون الوسطى والأسلاموفوبيا في القرن العشرين والواحد والعشرين.

 

حبيب البطل الذهبي

لن أتفاجئ إذا كان جميع القراء الحاليين من العرب يعرفون هذا اللاعب أو على الاقل صارت الصورة أعلاه والوجه الداغستاني ذا الملامح الشرسة مألوفين للناظر فلقد مُلئت وسائل التواصل الأجتماعي بصورهِ وفديوهاته منذ فجر الأحد الماضي، تعود القصة إلى بضع سنين عندما لمع نجم اللاعب الموهوب الجالس في الخلف كونور ماكجريجور الأيرلندي الذي قاتل وفاز بالضربات القاضية واحدة تلو الأخرى إلى أن اصطدم بالأمريكي نيك دياز الذي استطاع الفوز عليه بحركة إخضاع لكن الأول استرد ماء وجهه بإعادة المباراة، وفاز فوزًا متواضع بقرار الحكام بعد عن أتم خمس جولات كاملة متكافأة نسبيًا اختلف في البت فيها الحكام، وبعدما استرد حزامه ومكانته الكارتونية بدأ من جديد جعجعته وعدم احترامه لزملاء اللعبة، خلف كواليس إدارة منظمة (UFC) كانت الخطط محبوكة لكي يتم إبعاد حبيب عن طريق كونور؛ وذلك بسبب تاريخ حبيب الرياضي الذي لم يشهد له هزيمةً قط فهو أسطورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وبعد ضغط جماهيري على المنظمة لجعل البطلين يدخلان القفص متنافسين تمت المصادقة على النزال قبل ثلاثة أشهر تقريبًا، ويسأل السائل لماذا تنحاز (UFC) هذا الانحياز الغريب غير المنطقي تقنيًا؟

لماذا التأخير والمماطلة؟ 

في كل محافل استعراض القوة نرى صراع الاقطاب واضحًا في معالمها، حبيب كان يمثل (بالصدفة أو بغيرها) كل الأقطاب الغير مفضلة في أمريكا وأوروبا السوق الأكبر لمنظمة (UFC) فهو روسي داغستاني مسلم! فالكراهية التي زرعتها الاستراتيجية الأمريكية أيام الحرب الباردة مع القطب السوفيتي الهَرِمْ لا تزال لها أثر كبير في سلوك الشعب الأمريكي المُغيب كغيره من شعوب العالم من جهةٍ أخرى هرع الرئيس الروسي الذكي بوتن لِلقاء حبيب على مائدة طعام متواضعة بجلسة قريبة كجلسة الأصدقاء سلط بوتن الضوء على بطلهم الأسطوري نكايةً بالكارهين تقربًا من قلوب الشعب الداغستاني وعموم المسلمين الذين يمثلون المكون المهم للدولة الروسية مترامية الأطراف مختلفة الأطياف، هذا المكون الذي كان السبب الرئيسي في تفكيك الإمبراطورية السوفيتية في ثمانينات القرن الماضي بمساعدة ودعم قطب الكوكب الثاني العم سام! ولا أُبالغ إن قُلت إن هذه الصورة ستخفف من قباحة صورة الوحش الروسي المساند العسكري الأول للنظام السوري المكروه لدى الشارع العربي المسلم.

الإسلاموفوبيا والنزال الأخير 

تجلى استخدام الإسلاموفوبيا بشكل لا غبار عليه في التسويق لنزال حبيب، وذكرني بحملة ترامب الانتخابية! في المحفلين استُخدمت الإسلاموفوبيا بشكل صريح وواضح ومن دون اكتراث لمشاعر الملايين! من مواطنين وعلماء ومفكرين ورواد فضاء في دول ترعى وتمجد حرية الإنسان في اختيار معتقده ودينه وكل شيء حتى جنسه! حيث أبقت منظمة (UFC) على كونور في المنافسة بعد سبابه للدين الأسلامي ونعته حبيب بالإرهابي أثناء المؤتمر الصحافي التحضيري للنزال، جدير بالذكر أن علاقة حبيب بالإرهاب كعلاقة توم هانكس بالحرب الأهلية الأمريكية! ناهيك عن ما قام به كونر من هجوم على الباص الذي يقل حبيب كل هذا لم يؤخذ بالحسبان لماذا؟ (لأن الجمهور الإسلاموفوبي مستمتع) وهذا ما يدر الأرباح ويرفع من قيمة المنظمة ومن شعبيتها الانفجارية.

استخدمت (UFC) مرض العصر الإسلاموفوبيا في نهجها العام هذا المرض الذي يدر على الدول الكبرى بمنافع نعرفها، ولا نعرفها، كالنفوذ الفكري وتبعية الشعوب التي تحب جلد ذاتها كحب المال، ناهيك عن الأرباح المباشرة والنفوذ العسكري والسياسي وحرب الإرهاب المدرة بالمليارات على شكل نفط، أو ديون لصندوق النقد الدولي الأمريكي، أو موارد بشرية عريضة تعمل وتكد داخل بلدانها لتشتري وتكنز الدولار الذي لا يكلف الإدارة الأمريكية سوى ورق مطبوع بشكل جيد!

السحر انقلب على الساحر 

بعد ما مُرغ أنف الوحش المدلل كونور، وبعد المشاجرة التي حصلت بين فريق حبيب وفريق كونور كان موقف منظمة (UFC) متوجسًا غير واضح هل يرضي الجمهور الأمريكي ويسحب اللقب من حبيب بسبب المشاجرة أم يمضي قدمًا! سرعان ما انفجرت مواقع التواصل وظهرت سوق مبيعات جديدة لم تكن بالحسبان السوق العربي الإسلامي الذي ضج ضجة كبيرة والتف حول مقاتل لم يعرف عنه غير مقطع فيديو بسيط يقول فيه (الحمد لله)، وكانت رياضة الفنون القتالية المختلطة (MMA) شيئًا لا يعلم عنهُ إلا قليل من أصحاب الاختصاص، كلاعبي الفنون القتالية التقليدية المختلفة؛ مما دفع (UFC) للبدء بالترويج على استحياء لحبيب تمهيدًا لدخول السوق العربي الإسلامي، هذه السوق سهلة المنال منعدمة القوى التنافسية التي ستفتح بابًا لتكوين سوق مستقبلية قوية تدر أرباحًا ضخمة من مشاهدات ومبيعات وتبعية ثقافية والكثير مما لا نعلم! وهذا ذكرني بجملة يكتبها سائقو باصات النقل العام الصغيرة: البحر مالح… والدينا مصالح!

رفعت الأقلام وجفت الصحف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد