أنتعل دومًا حذاءً رياضيًا خفيفًا وأملك جيب – بنطلون جينز مفضل عندي أكرر لبسه بشكل دائم- عندما أتزوج تصر أمي بألا آخذه معي، أمي تقول لي أصبحتِ مادامًا اهتمي أكثر بلباسك، بعد أن كانت المشاوير مظاهرات، أصبحت زيارات عائلية، أنا أيضًا أردت أن أكون كالسيدات الأنيقات اللواتي يحملن حقائب تليق بأحذيتهن.

 

وأنا أقرأ عن خديجة، ذوقها الرفيع، دقتها، أفكر أنا أحب ذلك، لكن الحياة لا تتمحور حول هذه الأشياء. أعيد التفكير في فعل الروايات في حياتنا، عندما قرأ قيصر روسيا (ذكريات من بيوت الموتى/ دستوفسكي) أخذ يبكي و أمر بإيقاف الجلد الذي كان سائدًا آنذاك في السجون.

 

نحن البشر نمتاز بشفافية، ليست شفافية الصفاء، بل شفافية الاختفاء، نحتاج الألوان كي نرانا، نعرفنا، الألوان تتمثل فيما نحبه، ما نريده، ما نخشاه، نظل نلون أنفسنا طيلة حياتنا كاللوحات، الروايات إحدى الأشياء التي ترشدنا لألواننا الخاصة وتبعدنا عن ألوان أخرى، نعيد الحساب حين نتوه.

 

مع الوقت بعض الشخصيات الروائية ترافقنا كالأصدقاء، الحكيم صبحي المحملجي، جلال ذو الجلالة، وخديجة، خديجة التي بعد أن وصفتها بالوحش من قبل ندمت وأنا أعيد قراءة الرواية، لماذا يا خديجة فعلتِ ذلك؟ أسأل مرة بودٍ وتعب، ومرة بغضب: كيف تحولتِ لما أنتِ عليه؟

 

خديجة هي الشخصية الأكثر تعقيدًا من ضمن جميع الشخصيات التي رسمتها رضوى عاشور في أعمالها، في النهاية لا أستطيع التغافل عن حقيقة انتحار سعد وأن أمه كانت السبب.

 

رواية خديجة وسوسن هي العمل الروائي الأول لرضوى، ومن عادة رضوى عند التأثر بعمل أدبي أن تصيبها حالة من التوقف عن الكتابة، توقفت من قبل حين قرأت القصص القصيرة لتشيكوف، وتوقفت ثانية لمدة تسع سنوات بعد كتابة المشهد الأول من خديجة وسوسن عند قراءتها لمائة عام من العزلة، بعد أن مزقت الأوراق تذكرت كل شيء وقالت: (لعلي كاتبة في نهاية الأمر، فلا شيء يلح هكذا إلا كان أصيلًا).

 

لا يوجد أصدق من وصف الكاتب لعمله، والعمل يمتاز حقاً بأصالة تنبع من الشعور القوي الذي كتبت به جزئية خديجة (الرواية مقسمة لجزئين: الأول الحكاية تروى على لسان خديجة، والثلث المتبقي من الرواية تكملة الحكاية على لسان سوسن الابنة).

الجزء المتعلق بسوسن فيه نوع من الاختزال، أرجؤه لكون التجربة، تجربة الطليعة الشبابية الثائرة لم تكن قد ترسخت بشكل كامل في نفس كاتبتها، و قامت رضوى بعد عشر سنوات بنشر رواية فرج التي اعتبر أن شعورها فيها كان قد اكتمل و تمثل في شخصية ندى عبد القادر.

ولرضوى خط لا تنثني عنه، وهو حكاية الأحداث الكبيرة من خلال الأفراد بكل إنسانيتهم و طبيعتهم العادية، كتاريخ الأندلس التي تحكيه في ثلاثية غرناطة، في خديجة و سوسن عرضت للنكسة من خلال زينب الحزينة على تأجيل خطوبتها ، و توتر كمال و صمته و أسئلة الجد المتكررة التي تترك بلا مجيب ، التباين بين عصر عبد الناصر و السادات الذي ظهر في بناء كمال المستشفى الذي حلم بها ،و لم ينفذها إلى في عصر السادات ،حيث قال له صديقه:(بع أرض أبيك و مجوهرات زوجتك و أضف إليهما مدخرات العمر و ابن المستشفى ..فيأتي عبد الناصر و يأخذها كلها على الجاهز!) ، يليه مشهد لمسافرين محتجزين في مطار أثينا بسبب غلق مطار القاهرة ،و لا أحد يعرف ما الذي يحدث في مصر ،ثم يجري حوار بين امرأة بسيطة و خديجة في حمام السيدات ،بينما هي تثرثر و تنزع ملابس ابنها المتسخة تقول عن سبب غلق المطار :(السادات انضرب بالنار).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد