يرتكز نظام الحكم في مصر في بقائه على عاملين أساسيين وهما أدوات السيطرة، مثل الأمن والإعلام والقضاء والإعلام، من جانب، وعلى الدعم الخارجي من جانب آخر.

لذا من السهل أن تنظر لأفعال السيسي ونظامه خلال الأعوام الماضية من هذا المنظور «السعي الدائم لاعادة تشكيل الأدوات» لضمان السيطرة التامة وتقديم التنازلات لضمان الدعم الخارجي.

فالتنازل عن حق مصر في مياه النيل وتيران وصنافير ودعم التنازل عن القدس وتهجير سيناء وأخيرًا التنازل عن ألف كيلو متر من أراضي سيناء لصالح مشروع نيوم «الصيغة العصرية لحلم شيمون بيريز عن الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده إسرائيل ويضم الدول العربية».

كل ذلك مجرد نماذج على سعي الديكتاتور لضمان استمرار الدعم الخارجي لجلوسه على العرش. وإعادة تشكيل المخابرات والإطاحة بمحمود حجازي ومن على شاكلته من القيادات الكبرى في الجيش ورسم خارطة الإعلام من جديد كل ذلك لضمان استمرار الأدوات في تنفيذ دورها في بقاء الزعيم.

لذا على من يستغرب من تعامل النظام الخشن مع خيري رمضان وهو بالأساس من رجال النظام وكل ما فعله هو محاولة استجلاب عطف الجماهير على ظابط الشرطة المسكين «اللي بيقبض 8000 جنيه بس وعياله بيتعايروا إنهم في مدارس الشعب»… هذا التعجب يزول إذا قرأت الحادثة في إطار الأهداف الكبرى للنظام.

فالسيسي ونظامه الأمني لا يضيرهم بالطبع اللعب على مشاعر البسطاء وجلب التعاطف لأدواته الأكثر تأثيرًا في ذراعه الأمني.

لكن المشكلة أن حكاية مثل التي رواها خيري رمضان بغض النظر عن مدى مصداقيتها قد تؤثر على البيئة التي يعمل بها رجال الشرطة أو ما يمكن تعريفه بالجبهة الداخلية للأذرع الباطشة لرجال الشرطة سواء من تشجيع الآخرين على الشكوى وهو غير مطلوب أو الأخطر تشجيعهم على التمرد على أوضاعهم والمقارنة بالذراع الأمني الأكثر تأثيرًا والأكثر تدليلًا من جهة أخرى وهم رجال الجيش.

فالعقلية التي تدير المشهد الإعلامي تعي خطورة أن تتأثر أدواتها نفسيًا بالسلب على تأدية دورها الباطش من جهة أو التمرد وضعف الولاء على أقل تقدير.

لذا فالتعامل القاسي مع خيري رمضان هو رسالة للجميع، أن لا تقتربوا من أدوات النظام ولا تفتوا بغير علم في ما قد يؤثر ولو من بعيد على سلامة الجبهة الداخلية لأدوات القمع.

وخذ على ذلك أمثلة كثيرة مثل التعامل الخشن مع قنصوة وعنان لمجرد أن ظهورهم قد يشجع التمرد ويضعف الولاء الأعمى للحاكم والزعيم.

كذلك رد فعل النظام المبالغ فيه إزاء تسريبات الإعلاميين الأخيرة، والتي يظهر فيها الظابط أشرف الخولي وهو يوجه الإعلاميين والفنانين بسياسات غسيل الوعي الجمعي للمصريين لتسهيل التنازلات الضخمة التي تقدم من أجل استمرار الدعم الخارجي، فذلك يؤثر بالدرجة الأولى على كفاءة أداة الإعلام في تأدية دورها في استمرار النظام.

وأخيرًا رد الفعل الغاضب إزاء فيديو فتاة (البي بي سي) عن الاختفاء القسري تقرأ في هذا الإطار حيث يستشعر النظام الخطورة الشديدة من الإعلام الغربي لأنه يؤثر في جناح الدعم الخارجي ولو من جهة ضغط الشعوب الغربية على حكوماتها لتحجيم ممارسة أدوات القمع المصرية في تأدية دورها في تطويع الشعب وإخافته.

ماذا نستفيد؟

فى ضوء تلك القراءة يجب على المعارضين استخدام أدواتهم الإعلامية والسياسية للتركيز على ضرب النظام في كل ما يؤثر في أدواته، سواء من حيث الفعالية أو الولاء أو من جهة الدعم الخارجي من حيث إضعافه أو تفتيته.

ولنضرب لذلك نموذجًا في العمل الإعلامي وآخر في العمل السياسي

ففى العمل الإعلامي المقاوم يجب ضم شريحة جديدة للشرائح المستهدفة من خطابنا الإعلامي، وهي شريحة أسر الظباط والجنود سواء بالخطاب التوعوي أو الخطاب التحريضي ضد الأفعال الصريحة المخالفة للوطنية مثل التنازل عن الأرض أو حتى بالتحريض على التفرقة في المعاملة أو أن السيسي يضحي بكم من أجل مصالحه الشخصية… إلخ.

وفي العمل السياسي يجب محاولة إعادة بناء ظهير دولي وإقليمي للثورة بعد أن فقدت المعارضة الدول المساندة تدريجيًّا حتى صارت عبئًا على أقرب داعميها، وذلك لا يأتى إلا باعادة تنظيم صفوفها أولًا ثم بناء رؤيتها، ثم السعي للتقاطع مع مصالح الدول بما لا يدعو للتنازل عن أهدافنا الكلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي, سياسة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد