قرن من الزمن والعراق على صفيح ساخن، تحولات عاصفة وتفاعلات ضخمة شهدتها الأنظمة العراقية منذ نشأت الدولة في 1921 وحتى اللحظة. صراع محموم لا يكاد يهدأ وتخمد نيرانه حتى يتأجج من جديد، ظهرت آثار هذا الصراع جليًا وبصورة لم يسبق لها مثيل بعد الاحتلال الأمريكي، وهو الحدث الذي ما زال يلقي بآثاره حتى اللحظة على المشهد السياسي العراقي.

لكن الثابت الوحيد الذي يميز تلك الأنظمة جميعًا عن النظام الحالي هي العقدة من رجال الدولة، واحدة من أكبر مشاكل العراق بعد 2003 هي أن هذا النظام أوجد لنا العديد من «السياسيين» لكنه لم يستطع أن يُوجِدَ لنا رجال دولة، لا بل عمل على إقصاء وتهميش ونفي أي رجل دولة قد يبرز في هذا النظام.

من باب التوضيح؛ نظام صدام الديكتاتوري استطاع أن يستوعب أغلب رجال الدولة، والذين عرفوا بخبراتهم وذكائهم ونظافتهم، فاستطاعوا برغم المنظومة الأمنية المستبدة أن يخترقوا الحواجز وأن يصلوا إلى مراتب عليا في الدولة، بفعل نزاهتهم وذكائهم الخالي من صفات الكذب والمراوغة التي يتصف بها سياسيو العراق اليوم، حيث كانوا وعلى النطاق الرسمي إداريين ناجحين ومهنيين محترفين.

بغض النظر عن سجال التعاريف بين السياسي ورجل الدولة، هناك حقيقة واحدة أن كل إنسان عندما يكون في موقع المسؤولية يتطلب منه التعامل مع الناس بقدر من السياسة (أن يسوس الناس)، أما أن يكون سياسيًا من أجل أن يوظّف الدين والفلسفة والمجتمع بل الدولة كلها من أجل حلم شخصي بلا هدف واضح يريد الوصول إليه، عدا هدفه ومجده الشخصي وإزالة كل من يختلف معه فهذه هي المصيبة، وهذه مصيبتنا مع سياسيي العراق اليوم.

دعونا نرجع إلى الوراء أكثر. نوري سعيد (رحمه الله) ظن أنه أحسن خلق الله. فأراد أن يجعل من العراق دولة متقدمة، لكن نسي أن التقدم يبدأ من أوطأ مكان في الهرم صعودًا, فأمضى حياته في صراعات جانبية ناسيًا أن هدف الحكومة هو خدمة الشعب، ولا أدري لماذا كل الحكومات العربية تنسى هدفها.

المهم أن رئيس وزراء المملكة العراقية لـ14 مرة هو سبب سقوط المملكة نفسها، أسقط الملكية وشرعن الانقلاب السياسي، لأنه كان كلما تولى أحد مكانه رئاسة الوزارة يعمل على إسقاطه من خلال دهائه السياسي.

المفارقة أن بين الباشا نوري سعيد والحاج نوري المالكي شبهًا كبيرًا (بالتأكيد ليس بالتواضع) فكلاهما ومن خلال حبهم للسلطة ودهائهم أفشلوا أول تجربة ديمقراطية رائدة في المنطقة، فحين كان العراق ينتخب برلمانه في الثلاثينيات، كانت شعوب المنطقة ترزح تحت حكم الاحتلالات والديكتاتوريات.

وهو نفس حالنا مع الحاج نوري المالكي، فإقالة البرلمان لخالد العبيدي (الذي يمكن وصفه بالرجل الثاني في حكومة حيدر العبادي) كانت خطوة من تدبير حلفاء المالكي في البرلمان، هدفها بالأساس إفشال هذه الحكومة ونسف أي منجز لها، وإضعاف شعبيتها في الشارع العراقي هذا من جهة، وتعزيز لخيارات ملفات الصراع السياسي لفريق المالكي من جهة أخرى.

غايتي من هذا كله هو أننا لو رجعنا لسيرة أو تاريخ خالد العبيدي نستطيع القول أن الرجل قد عرف بالسمعة الطيبة والسيرة الحسنة، وكان في عرف أغلب العراقيين رجل دولة إلى وقت قريب، قبل أن يدخل في حسابات موازين القوى لهذه العملية السياسية البائسة.

هذه الحسابات التي غيّرت أغلب الناس الموجودين اليوم في السلطة، وحتى لا نظلم أحدًا ولا نتجاوز على أحد نطرح السؤال التالي؛ هل السلطة هي التي غيّرت هذه الطبقة الحاكمة أم أن السلطة هي التي كشفت حقيقتهم؟ من بعدها نستطيع أن نبدأ بالتقييم.

على أي حال، التحول الجديد في مجرى الصراع السياسي في العراق، وتحوُّل الريح بما لا تشتهي سفينة الحكومة الحالية، هو تحول من المستحيل كبحه، أو حتى إيقاف تداعياته الأوسع من حدود الجغرافيا العراقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد