خالد خليفة واحد من كتاب سوريا المشهورين حاليًا؛ فالرجل المولود في حلب؛ ينتمي إليها قلبًا وقالبًا.

انتشر منذ أوائل الالفينات بروايته الأولى «حارس الخديعة»، إلا أن شهرته الواسعة في الأدب العربي جاءت من روايته «مديح الكراهية» التي كتبها على مدار 13 عامًا راصدًا من خلالها الصراع داخل سوريا بين نظام حافظ الأسد؛ والتيار الإسلامي وبخاصة الإخوان المسلمين.

ثم توالت أعماله من «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» مرورًا بالموت عمل شاق، ثم آخر أعماله وهي «لم يصل عليهم أحد»، وهي التي رشحت لجائزة البوكر العربية عام 2020.

في هذا المقال نحاول قراءة لمحات من أدب خالد خليفة تمكنك من الاندماج في العالم الروائي الذي رسمه.

1- حلب أكثر من مجرد مدينة

انتماء خالد خليفة إلى حلب ليس كمكان شهد ولادته، أو بدايته الأدبية، لكنها كانت مسرحًا لأكثر أعماله: «مديح الكراهية»، «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، وآخرها «لم يصل عليهم أحد».

كلها كان مكان حدوثها هو حلب، لكن حلب ليست مكانًا ثابتًا، أو ديكور يشكله خالد خليفة، لكنها خشبة مسرح تستقبل جميع الأحداث، حيث أراد أن يؤرخ للمكان والبشر.

في مديح الكراهية برزت حلب الثمانينات، حيث ساحات المسجد الكبير تشهد روحًا من أرواح التسامح هناك، واختلاط الناس من أماكن مختلفة.

ثم تصاعد الأحداث في الرواية أظهر جوانب وتأثير هذا الصراع السياسي على حلب التي جنب فيها التسامح لصالح التشدد بين الفرق ومذاهب الدينية.

اشتبك خالد خليفة مع الأحداث؛ وأظهر تأثير هذه الأحداث على المكان.

وفي «لم يصل عليهم أحد» يعود إلى حلب أيضًا؛ لكنها حلب بدايات القرن العشرين، حيث يحدث طوفان يغرق أجزاءً من المدينة؛ ليبدأ خالد خليفة الحكاية عن المكان الذي شهد أحداثًا أكثر صعوبة، مثل حرائق 1882.

لكن الصورة الأكبر كانت: كيف كانت هذه المدينة التي تشهد مسلمين، ومسيحيين، ويهود. ناس يهتمون بالعمارة؛ وآخرون يهتمون بالفن والطبخ.

هذا السرد للأحداث في المدينة يجعلك ترتبط بهذه المدينة حتى لولم تزرها.

الخلفية التي أعزي إليها خالد خليفة بروز حلب كإطار مكاني لأعماله كما ذكر مع الكاتب والروائي المصري بلال فضل في برنامجه «عصير الكتب» المذاع على التليفزيون العربي أنه وعلى العكس لا يكتشف حلب في أعماله، بل يرى أن ظلمًا ما وقع على حلب، حيث جردت من مواطن قوتها لصالح مناطق سورية أخرى بدعم سياسي، فكأنه يعيد إليها هيبتها.

2- هل يكرر التاريخ نفسه

يستمد خالد خليفة قصصه من مناطق مختلفة من التاريخ. يبدأ في «لم يصل عليهم أحد» من 1904، لينقل أحوال القطر السوري في هذه الأحيان من حياة مشتركة تواجه تحديات وضعها الحكم العثماني. وكيف تعامل الناس تحتها.

ثم في مديح الكراهية يستمر تاريخ المعاناة؛ وكأنه يؤرخ للمعاناة تحت أوزار الحرب؛ وكيف كانت الجثث من جميع الأطراف تحيط بالحياة في الشوارع؛ حيث كانت المعاناة والكراهية محركتي البشر.

ثم «في الموت»، عمل شاق، حدث إنساني بسيط عن أب يوصي ابنه أن يدفنه في قريته بعد وفاته أثناء الثورة السورية؛ ليكون الواقع الحالي الذي ربما صار تاريخًا لدى البعض من كثرة أحداثه، وانقلابات أزماته هو الدافع.

يمر ويشرح طوليًا داخل سوريا، ما الذي يواجه الناس في حياتهم اليومية؟

ربما هذا الملمح هو الأهم في استخدام خالد خليفة التاريخ هو أنه يهدف الإنسان؛ ما يحدث له، وكيف يؤثر علي حياته.

غير عابئ بأمور أخرى.

3- البطل امرأة

كيف يمكن أن تكون وجهة نظر المرأة في هذه الأحداث؟

عبارة استخدمها خالد خليفة في حديثه في برنامج علي تليفزيون سوريا في معرض حديثه عن روايته مديح الكراهية؛ ولماذا استخدم بطلات من النساء في أحداث وحروب سببها الرجال وخاضوها؟

ربما هي فكرة البعد عن العمق المهلك، لصالح البعد الإنساني في الأحداث.

كيف ترى امرأة ذهاب أخواتها وأقاربها في الحرب، بل كيف تتورط هي في الأحداث، وتتعرض التعذيب أحيانًا؟

استخدام السرد على لسان بطلة كان بعدًا جديدًا.

4- لن تكتمل قصص الحب

في أول رواية أقرأها لخالد خليفة كانت «الموت عمل شاق»، وبينما تنغمس الأحداث في نقل جثة الأب عبر سوريا إلى مكان أجداده تبرز قصة حب بين (نبيل) الابن الذي قرر أن ينفذ وصية الأب، وبين زميلته، لكنها لا تكتمل؛ بل تظل كالحجر القابع في داخل المعدة مؤلمًا مع أي حركة.

وفي مديح الكراهية تبرز عدة قصص حب، لكنها لا تكتمل أبدًا.

«لم يصل عليهم أحد»، تحدث هذه القصة الملحمية بين سعاد وحنا؛ فبينما يحتوي والد سعاد حنا، الطفل الوحيد الذي لم يقتل من عائلته المسيحية، تحتوي جدران العائلة هذه القصة التي لم تكتمل، أضاع لهيب الحب ملامح مشاعرهم.

ربما هو أمر يستحق التأمل.

5- أفكار تحتاج أن تختمر

احتاج خالد خليفة 13 عامًا حتى تخرج «مديح الكراهية» إلى النور، فكما أخبرنا في حواره المذكور سابقًا مع بلال فضل أنها كانت لها عدة نسخ مبدئية، إلا أنها استمرت هكذا حتى صدرت في أجزاء بعد هذه المدة.

ربما تظن أن جرأة الفكرة كانت الدافع؛ لكن ماذا عن «لم يصل عليهم أحد» التي أخذت 11 عامًا في الكتابة؛ وكأن الأفكار تحتاج إلى التخمر قبل أن تخرج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد