أول مرة تحدثتُ فيها إلى خليفة كانت منذ خمس سنوات بالضبط، وقتها قال لي أحدهم أن هناك شابًا مثلي تمامًا، ذا نباهة وحس فكاهي جميل، لديه سجل دراسي ممتاز، ويُحب القراءة والكتابة، ويطمح أن يصبح أديبًا، كان ذلك الشخص هو محمد حسن خليفة، في ذاك الوقت كُنت رأيتُ أننا أصدقاء عبر الفيس بوك منذ أشهر، وشاءت الأقدار أن نتحدث نتيجة لخلاف أدبي حدث في أحد المجموعات التي كنت تختص بالشأن الثقافي، كان كلانا يسخر من الحدث وجمعتنا السخرية.

خفيفًا مثل نسيم البحر كان، ذا طابع خاص في كل شيء، كان خليفة في أحاديثنا دائمًا يتمتع بقاموس خاص في الوصف، كان يستطيع دائمًا أن يجد شيئًا جميلًا في كل شيء قبيح، حتى أتذكر في مرة كُنا نتحدث عن يوسا وسرده، حدثني خليفة في ذاك الوقت أنه رُبما يكون هناك تفاصيل مقززة في بعض أعماله – مثل مشهد امتداح الخالة الخاص بالتبرز – ولكنه قال لي وقتها إنه رأي الجميل فيه كيف كان يوسا يسرد إحساس وأفكار الشخصية بسلاسة، كان يستطيع أن يرى الجيد في أي شيء ومهما كان مبدعًا في السوء.

في بعض الليالي التي تُصيب أبناء جيلي عندما تهزمهم الأقدار والأحداث، كان يسرع في التحدث لي كلما رأى أنني لا أستطيع التحمل لحظة أخرى، في أحد تلك المرات كُنت أتحدث له صراحةً عما أمر به وما تقود إليه أفكاري السيئة التي لم أعد أقوى على كبحها بعد، أصحبتُ قريبًا مما لا أحب أن أكون قريبًا منه، فتلك الليلة قال لي «ما تجرب تكتب بقالك كتير مش بتكتب حاجة»، قُلت له إنني أعاني من حبسة الكاتب، وإنني لا أقوى على كتابة شيء بسبب ما أمر به على الأرجح، قال لي وقتها عليك أن تكتب شيئًا للنهاية، كتبتُ عن حبسة الكاتب، من ثم أتى الفرج وتحررتُ من قيودي وأفكاري.

أنت رُبما لا تفهم معنى أن تكون مُحبًا لشيء مثل الكتابة، عمري اليوم 21 سنة، مضى منهم في الوسط الأدبي 10 سنوات بالضبط، كُنت ابن 11 عامًا أطوف البلاد في ندوات المثقفين، في كل تلك الندوات لم أر سوى الغرور والانتصارات الشخصية على حساب القضايا المجتمعية، بين كل تلك النقاشات وجدتُ شبابًا مثلي لم يكونوا جميعًا لهم معالم واضحة في أي شيء، وكان هناك محمد حسن خليفة، سأصف لك طباعه الآن.

كان هادئًا حينما يناقش أحدهم، صبور ولكنه مرح، يُحب السخرية ولكن بأدب، حد أنك لن تجد في المعمورة كلها أحدهم يهجوه أو يشكو منه شيئًا، اعلم أن بين كل الخلق لم ينم أحدهم يحمل شيئًا منه، كان سريع التأسف معي حينما نتحدث في شيء حتى وإن كان شيئًا عامًا للغاية، كان كثير الشكر حتى وإن لم تقدم له شيئًا.

لم يكن هو أكثرنا معرفة أو أكثرنا شيئًا، ولكنه كان هو، أعلم من قرأ أكثر منا جميعًا، وأعلم من امتلك شهرة ومعارف في مجال الأدب والتدوين أكثر منا، ولكنه لم يكن مقبولًا لسوء طبائعه وحدة أسلوبه، حدثته ذات مرة أنني أفكر في تغير اسمي الأدبي، أي أن أكتب جميع كتاباتي في المستقبل باسم غير اسمي الحقيقة حتى أعطي لكتابتي حرية بعيدةً عن شخصي، وقتها قال لي شيئًا هامًا، هل سيحضر الندوات الأدبية ويرد على القراء ويناقش الناس آراءهم شخص آخر، قلت له لا، قال لي وما نفع الأسماء؟

في فترة من حياتنا كُنا نكتب في ساسة بوست، كان هو من فريق العمل وكُنت أنا مدونًا، كُنت في ذاك الوقت في بدايات كلية الهندسة بجامعة النيل، كُنت منتبهًا للدراسة بشكل ما، كان هو دائمًا يُرسل لي كتاباته من قبل نشرها أو بعد نشرها، كُنا نناقش كل شيء نكتبه تقريبًا، فيما بعد انضممت لثلاثة مشاريع كتابية براتب – كان ذلك عكس معاملات المدون في موقع ساسة بوست – رُبما بعد موته سأقول لكم ما أفتقده من التجارب الأخرى، كان ما أفقده هو أن أشعر بالزمالة والمرجعية، كان خليفة لديه نقاط يرشدك به إلى أفضل ما يمكنك أن تقدمه للناس، كان يشير إلى أشياء لا يستطيع غيره الإشارة لها، أفتقده كثيرًا حتى أنني كُنت أتساءل ماذا لو كُنت في احد الأيام زميلًا له في عمل دائم.

لم يكن الرفيق الوحيد، فكان هناك العديد من الشباب الذين أسميتهم في أحد المسودات – قراء العالم الافتراضي – كان خليفة يجمعهم على صفحته الشخصية، فكان أحد أحاديثنا الجانبية دائمًا هم هؤلاء المشتركين، كان خليفة يقول لي فلان هذ طيب يجيد كتابة القصة ولكن يحتاج إلى كذا، هذا يحب الشعر وقد يكون شاعرًا يومًا ما، كان مرجعًا بشريًا، لم أجده يومًا ينقم أحدهم، حتى وإن كان لئيمًا، كان يقول لي أين الطيب في اللئيم، وكيف يكون الثعلب شهمًا؟

سأقول لك شيئًا، كُنت يوم موت مكاوي سعيد – والذي أسماه الناس والتاريخ والإرث عمدة وسط البلد – أقول لأحد الأصدقاء بعد العزاء ونحن جلساء في أحد المقاهي إن مكاوي سعيد قد رحل حقًّا باعتباره قيمة إنسانية وأدبية كبيرة، ولكنه لن يرحل بوجوده الدائم على كرسي المقهى الذي سيظل يشغله في عقولنا جميعًا، في ذاك الوقت لمع في عقلي اسم خليفة وأسماء أخرى من بني عُمري، الذين أصبحوا بعوامل كثيرة أصواتًا مسموعة من جميع الناس، بل وأصبح العديد منهم يصلون إلى بلاد عربية أخرى، وجدتُ أن خليفة هو الوحيد القادر على أن يكون عُمدة هذا الجيل، هو الوحيد الذي نتفق عليه.

أسطوري تمامًا، كامل بما يملؤه من نواقصنا نحن، يشبهنا جميعًا، ويزيد عنا بما نختلف فيه، كان خليفة هو العنقاء، طائر متألق جميل، يشبه جميع الطيور في تكوينه، إلا أنه براق للغاية، لم نكن ندري يا عزيزي، يا شديد الجمال، أنك في ذاك اليوم الأول لك، وأنت تضع أولى خطواتك في عالم الأدب بمجموعة قصصية – قرأت معظمها عبر الرسائل بيننا على فيس بوك أثناء نقاشنا فيها – أنك قد وصلت لكمالك.

مثل العنقاء، حينما تتوهج تصعد إلى السماء، تحترق كليًا، وتنثر رمادها في أراضي الله جميعها، من ثم تُولد من جديد، سأقول لكم شيئًا، ترك محمد حسن خليفة مجموعة قصصية واحدة فقط في عالم الأدب، لكنني أعلم جيدًا أن تلك المجموعة ستكون خالدة في عالم الأدب، لأن العرب لن يجدوا قلمًا واحدًا يكتب أفضل منها، أما ذكرى محمد حسن خليفة الإنسان ستولد في كل الناس الذين عاشوا معه وحملوه في قلوبهم، لقد احترق اليوم، ووُلد في جميع الأرض، خالدًا بذكرى الجمال وذكرى القدرة على إيجاد الجمال بين طيات القُبح، ومن صديقك العزيز أقول لك شيئًا في الختام، لن أنساك إلا إن نسيتُ نفسي بين الأيام، ذاك بأنك علمتني كيف أجدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد