لكل زمان رجالٌ ودولة، هو أفضل تشخيص لتاريخ مضى وحاضر نعاصره، في عصر يضع بعضنا ويرتقي بالآخر، عندما أمتشقُ شيئًا من كتب التاريخ، التي خلّدت أناسًا عظامًا، يثور التاريخ على الحاضر، إلا أن ثقافة التحليل تديرُ الأمر بحنكة المعاصرين المخضرمين الذين يختزلون خير الأمور من ضمنياتها.

لاشك أن اللوحة التاريخية «النرسيسية» الجميلة المعلقة على حائط فلسطين ما زالت تُتخم بالإبداع من سواعدٍ تحتضن ريشة السياسة الصفراء المغموسة بألون العطاء، فلا خطٌ وطنيُ لأية دولة منقطعُ، فقد يرتفع وقد ينخفض، لكنه يبقى على الدوام، كما قال المفُكر «هيكل».

 

كل الكلمات تخرج بسلاسةٍ من القلب إلى هذه الصفحات الإلكترونية التي تزداد فخرًا بنظراتكم؛ لتنصف شخصًا بات في يومٍ من الأيام نائبًا دائمًا لقائد السفينة العام، إنه دُرة تاج الثورة، عبق العطاء، ونيشان البطولات، سيد الموقف، مهندس الإيثار وجنرال الحكايات، رفيق البدلة «الكاكي» المعطرة برائحة البرد والبارود.

خليلُ الوزير «أبو جهاد» من مواليد مدينة الرملة المحتلة، وغادرها إلى غزة؛ إثر حرب 1948، مع أفراد عائلته، إلا أنه درس في جامعة الإسكندرية، ثم انتقل إلى السعودية، فأقام فيها أقل من سنة، وبعدها توجه إلى الكويت، وظل بها حتى عام 1963، وهناك تعرف على المبدأ «العرفاتي» بفكره وجسده.

 

ما سلف لم تكن بدايةً موزونةً، فكل البدايات تترتب هنا، وأصل البداية أن الأيدولوجيات بحاجة إلى أشخاص، منهم من ينقحها، ومنهم من يتبعها، إلا أن للوزير الدور الأكبر في تنقيح الأيدولوجية العرفاتية التي باتت تنصب على «لوغوهات» العزة والكرامة، وتتبع من طبقةٍ راديكاليةٍ قتلها الحنق الذي بقي في صدورهم، منذ نكبةِ البلاد التاريخية.

الوزير، إنه من كوكبةٍ أضاءت سماء فلسطين، إنه من مجموعةٍ أثبتت للعالم أجمع قدرة الفلاح الفلسطيني على أن يخرج من طابور الإغاثة الدولية إلى طابور التسليح وتطريز الهوية، فتاريخ 1\1\1965 أكبر تصديق لذلك.

تنقل الوزير في حياته المعطاءة إلى أكثر من محطة إقليمية ودولية، فبدأها بمعركة الكرامة، حتى أيلول الأسود، ثم حصار بيروت الذي خطت فيه الإرادة الفلسطينية بقيادتها الفذة أسمى معاني الثبات الذي دام لثمانين يومًا ونيفٍ، بقي فيه صوت الرصاص الكائن الوحيد الذي يكبر مع الزمن، حتى محطته الأخيرة البيضاء، محطة الحجارة «الانتفاضة الأولى»، حتى روت دماءه ثرى تونس الشقيق في منتصف إبريل الحزين من العام 1988 .

خليل الوزير، اسمٌ ظل يحاكي معنى الحرية، ويزيده كرامة، فما بين حياته واستشهاده سيرة طيبة المغزى والمعنى، والشيء من مأتاه لا يستغرب؛ فالإنسان الذي يقايض سنين عمره بجوعِ ساكني مخيمات الشتات يستحق منا وقفات كثر، وإطراءات كُثر، كان دائمًا يقول «الحاضر هديةٌ من الله»، وأنت هديةٌ من الله لهذا الشعب الذي أمسى يغزلُ من كنيتك اسمًا لأولادهم؛ فأنت الفكرة، والفكرة باقية، أنت الروح التي تناجي ربها بتحرير البلاد، وأنت الجسد الذي دفع ضريبة الاحتلال.

رحمك الله يا خليل الأمة، ووزير الشهادة، رحمك الله، وجعلك في عليين، مع الأنبياء والصديقين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد