لاشك بأن انتخابات عمدة لندن والتي أجريت السبت الماضي تعتبر هامة بكل المقاييس السياسية والإثنية بسبب ما تتمتع به المدينة من فسيفساء سكانية مختلفة؛ المدينة البالغ عدد سكانها أكثر من ثمانية ملايين ونصف المليون نسمة؛ بينهم أكثر من مليون مسلم، ويشكل سكانها غير البيض ما نسبته 44% من عدد السكان، وهو ما يعتبر مؤشرًا على الجو العام من المعايشة التي تتشكل منها المدينة.

تأتي انتخابات عمدة لندن في الوقت الذي يتزايد فيه ما بات يعرف بالرِّهاب من الإسلام أو الإسلاموفوبيا في عموم الأرض الأوروبية حسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية؛ بسبب ممارسات متطرفين يدَّعون انتماءً للإسلام؛ لا يعرفون من الدين إلا سكينًا أو قنبلة؛ حتى باتت بعض أوروبا نفسها لا ترى في الإسلام إلا الجهل والقتل والتخلف، وبعيدًا عن تفاصيل تلك النظرة تجاه الإسلام والمسلمين ومسبباتها، إلا أنه من الأهمية بمكان، التطرق إلى الأسباب التي أدت إلى فوز البريطاني الجنسية الباكستاني الأصل صديق خان صاحب مهنة المحاماة، بمنصب عمدة مدينة لندن – المدينة الأكبر في أوروبا – الأمر الذي يضعه على سُلَّم أهم السياسيين المسلمين في الغرب، ويلقي على كاهله مسؤوليات وتحديات.

الذي بإمكان الجاليات الإسلامية والعربية في الغرب القيام به سواء تجاه حملات العنصرية للمسلمين أو إحداث رأي عام يعيد للنظرة الأوروبية بعضًا من الاتزان، ويمنح المهاجرين العرب والمسلمين إلى أوروبا بعضًا من الدور المناط بهم.

خلال حملة خان الانتخابية للمنصب وهو النائب عن حزب العمال البريطاني، قام منافسه المحافظ زاك جولدسميث بممارسة الإرهاب الانتخابي ضده تمثل في تذكير الناخبين بعقيدته الإسلامية، في حيلة لسحب الأصوات منه، ليرد خان نفسه على منافسه لا فائدة من صراخك طوال الوقت؛ لأن منافسك مسلم، وقد ذكرتُ ذلك في كتيبات الدعاية التي قمنا بتوزيعها، وهو ما مهَّد الطريق لفوزه بالمنصب حسب تعليق صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

لكن في المقابل؛ يستميت المرشح الرئاسي الأمريكي من الحزب الجمهوري دونالد ترامب في إثارة الخصومات السياسية، ليس ذلك فحسب، بل والتحريض على الكراهية والتخويف من الآخر، وصولًا إلى التهديد بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة حال فوزه في انتخابات الرئاسة الأمريكية، بل يذهب أبعد من ذلك، مهددًا بطرد أحد عشر مليون مهاجر غير شرعي في الولايات المتحدة حتى لو كانوا أمريكيين من أصول مكسيكية، كل ما سبق يصدر عن مرشح بلد الديمقراطية والحرية وقبل أن يصل فعلًا إلى كرسي البيت الأبيض، فكيف لو وصل فعلًا؟!

تعتبر الهوية والخلفية الثقافية أحد أهم الإشكاليات التي تُشكِّل أزمات داخل تكوين المجتمع في الحملات الانتخابية؛ وعنصرًا دافعًا لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي؛ ومن الأهمية بمكان أن تقوم القيادات المجتمعية والأحزاب السياسية ومؤسساتها الاستشارية بالبحث عن دوائر الالتقاء بين فئات المجتمع وتقديم العامل المشترك على عامل الاختلاف أو الخلاف، إذ تعتبر المواطنة المجتمعية عاملًا مهمًا وجامعًا للجميع، حول طاولة مستديرة واحدة، إما أن ينجو جميعًا أو يغرقوا جميعًا، وهو ما لم تستوعبه بعد المجتمعات الشرقية.

وفي ظل ما تعيشه المنطقة العربية من كوارث سياسية بعد بدايات الثورات العربية ضد أنظمتها السابقة والتي سلمت الراية لأنظمتها الوريثة الحالية، وبسبب حالة تكوين المجتمعات العربية من حالة فسيفساء تختلف في الأصول والنسب والعِرق؛ فإن ثمة إشكاليات في فهم طبيعة المواطنة وما تفرضه من واجبات وتمنحه من حقوق، تمثلت في التخويف من الآخر والرِّهاب منه حال تمكنه من الحكم وهو ما حصل مع الإخوان المسلمين في مصر تحديدًا عقب أول انتخابات رئاسية يخوضونها منذ تأسيس الجماعة عام 2012؛ أو في تونس مع حركة النهضة بعد انهيار نظام بن علي بسبب ثورة الياسمين، أو في لبنان الذي لم يستطع أو لا يريدون الاستطاعة في التوصل على الأقل إلى شخصية رئيس توافقي منذ أكثر من عامين ونصف العام على شغور المنصب، أو كما يحدث في بلاد أخرى وأزمات متجددة.

هذه الفوبيا هي التي أدخلت البلاد العربية في نفق مظلم لا يستطيع أحد تحديد الفترة الزمنية للوصول إلى نهايته، ولا السُبُل المعينة على الخروج منه وصولًا إلى بر الأمان الذي يحفظ للجميع حقوقه ضمن مفهوم المواطنة؛ وهو ذاته الذي فَطِنَ إليه المجتمع اللندني عبر بعض قياداته وخاصة من العُمَّالِيِّين أولًا؛ وثانيًا عبر الجاليات التي هاجرت سابقًا إليه؛ باندماجها ولو جزئيًا في المجتمع الذي تعيش فيه لتعتبره وطنها حقيقة لا مجازًا، وهو ما يفرض عليها أن تكون جزءًا منه وعليها واجبات تجاهه؛ فهل لا زال أمام سكان المنطقة العربية مشوارٌ طويل للوصول إلى تلك الحقيقة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد