في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، كانت مدينة «فوبرتال» الألمانية القطب الصاعد في عصر النهضة الاقتصادية بألمانيا، تعاني اكتظاظًا شديدًا بالسكان، بجانب افتقارها لوسائل نقل ملائمة، تُسهل مرور المواطنين والعمال وانتقالهم؛ إذ تميَّزت المدينة بتضاريس بالغة الصعوبة، مع خطر الفيضانات المتواصلة طوال العام، وأمام هذه الوضعية الصعبة، مع استحالة إنشاء خطوط سكك حديدية بها لطبيعتها الصخرية، اتجه الألمان لإنشاء مشروع غير مسبوق بالتاريخ تمثَّل في أول قطار معلَّق عرفه العالم، واعتمد مؤسسه المهندس الألماني «يوجين لانجن» على فكرة قديمة وضعها المهندس البريطاني «هنري بالمر» تقوم على إنشاء وسائل نقل جماعية معلَّقة للحد من الاكتظاظ بالشوارع، وتسهيل حياة السكان.

وقد انطلقت الأشغال فيما لُقب بقطار فوبرتال الطائر عام 1898 وتم تدشينه يوم 1 مارس (آذار) 1901، واستخدم الألمان لتحقيق هذا الحلم (الذي وُصِف وقتها بالخيالي) ما قدره 19200 طن من الحديد وبلغت التكلفة الباهظة لذاك المشروع العملاق، 16 مليون مارك ذهبي، لكنه ظل من يومها وإلى الآن، الحل السحري لمدينة فشلت بها كل وسائل النقل التقليدية.

وقد تمت الاستفادة من التجربة الألمانية في عدد من المدن التي تعاني اكتظاظًا سكانيًّا هائلًا مع مساحات ضيقة واختناقات مرورية، مثل العاصمة اليابانية طوكيو، وعددٍ من المدن الصينية الصناعية، في اعتقادي، لو كان المهندس الألماني «لانجن» حيًّا بيننا الآن، وعرف أنه بعد أكثر من مائة عام، دولة ما، ذات طبيعة جغرافية رائعة، وأراضٍ منبسطة، وصحاري شاسعة، تسمى «مصر» لديها بالفعل خطوط سكك حديدية كانت الأولى في أفريقيا، والثانية على العالم، من حيث تاريخ الإنشاء، تمتد من أقصى الجنوب لأقصى شمال البلاد، بطول 9570 كم، وتنقل ما يقرب من 420 مليون راكب سنويًّا ولا تحتاح سوى عشرة مليارات جنيه لصيانتها وتجديدها، بينما قرر حاكم تلك البلاد، إيداع المبلغ بالبنوك، من أجل جني الأرباح، وإنفاق ما يزيد عن ثلاثين ضعف هذا المبلغ، 360 مليار جنيه، لنقل تجربة «لانجن» في إنشاء قطار معلق، لكن تلك المرة، في الصحراء، حيث الأراضي الرملية المنبسطة، والمساحات الفارغة، على امتداد الأبصار، بمدينة مازالت تحت الإنشاء، حيث لا مواطنين ولا عمالًا، ولا اكتظاظًا سكانيًّا، ولا سكانًا من الأساس،

لربما اتهم الحاكم ومسئوليه، ومعه شعبه، بالجنون التام، وعد أن البلد يجب تحويله فورًا إلى مَشفى مُجمع للأمراض العقلية، على غرار مستشفى الخانكة المصري، المستشفى الأكبر في علاج الأمراض النفسية والعقلية بالبلاد، بالمناسبة، الصورة التي انتشرت مؤخرًا على مواقع التواصل، لفصل دراسي به عشرات الطلاب يفترشون الأرض لعدم وجود مقاعد دراسية، كان من داخل مدرسة ابتدائية بمدينة الخانكة المصرية، ولأن الصورة – بطبيعة الحال – تسببت في فضح الحال المُذري، الذي وصل إليه التعليم، مع إحراج شديد للدولة التي أنفقت مؤخرًا تسعة مليارات جنيه على شراء طائرة رئاسية فاخرة من طراز «بوينج747-81»، الملقبة بملكة السماء، التي تعد مدينة طائرة بالغة الرفاهية، استغنت عنها شركة الطيران الألمانية «لوفتهانزا» وقررت تكهينها ووقف استخدامها بالرحلات التجارية لارتفاع تكلفة تشغيلها وصيانتها، وعدم جدواها اقتصاديًّا، فقررت مصر شراءها من أجل تنقلات شخص واحد هو سيادة الرئيس، بعد سنوات قليلة من صفقة بعام 2016 بلغت أربعة مليارات جنيه لشراء أربع طائرات رئاسية فاخرة من طراز «فالكون إكس7»، وإضافة هؤلاء جميعًا لسرب من الطائرات الرئاسية التي تملكها مصر ويبلغ 24 طائرة رئاسية، فقط لنقل مسئول حكومي واحد، يدير دولة «فقيرة أوي» كما اعتاد أن يصفها هذا المسئول.

وعقب انتشار الفضيحة، قامت الحكومة المُبجلة، بتحويل مدير المدرسة (صاحبة الصورة) إلى التحقيق مع العزل من منصبه، عقابًا له على جريمته الشنعاء، في التقاعس عن إحضار مقاعد «صالون» بيتهم من أجل الطلاب، أو على أقل تقدير، ستر الوزارة، ومنع أهالي هؤلاء من التصوير؛ ليصبح لقب «الخانكة» أو مشفى الأمراض العقلية المصري، هو اللقب الأنسب لإطلاقه اليوم، على كامل البلاد.

لله الأمر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد