كثُر اللغط في الآونة الأخيرة حول الخوارج، واتُهِمت مشيخة الأزهر الشريف بدعم الإرهاب؛ لإصرار علمائه – وعلى رأسهم شيخ الأزهر – على عدم تكفير داعش، لذا يلزمنا أن نوضح بعض المفاهيم لعامة المسلمين عن الخوارج، ومن هم، والحكم فيهم.

الخوارج أو المارقة جمع خارجة. وهي أية طائفة خرجت على جماعة المسلمين وإمامها العادل، وفرَّقوا صفها، وعملت على تكفير المسلمين واستباحة دمائهم، عن طريق تفسير الدين بشكل مغلوط، وإنزال الآيات التي نزلت في الكافرين على المسلمين. وهناك من يتوسع ويعطي المصطلح بعدًا سياسيًا باعتبار أي فرقة معارضة سياسية تخرج على الحاكم من الخوارج. لكنني لا آخذ بهذا التعريف.

ورد في مصنف ابن أبي شيبة (37916): حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن رجل من بني نضر بن معاوية، قال: كنا عند عليّ، فذكروا أهل النهر، فسبَّهم رجل، فقال عليّ: لا تسبوهم، ولكن إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم، فإن لهم بذلك مقالًا.

قصة خروج الحروريين «أول طائفة من الخوارج»

الخوارج من أهم الجماعات التي لا نملك إغفالها عند الحديث عن نشأة التطرف الديني بين المسلمين. خرجوا أول مرة في عهد الإمام عليّ بن أبي طالب بعدما كانوا يقاتلون إلى صفه في صِفين، حيث كان من نتائج معركة صفين بين سيدنا عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أن تم الالتجاء إلى التحكيم، وذلك بعد أن رفع جند معاوية المصاحف على أسِنِّة الرماح، طلبًا للاحتكام إلى كتاب الله، فخرجت الخوارج من جيش عليّ، وأعلنوا أن «لا حكم إلا لله» و«الحكم لله – لا للرجل». ذكر الشهرستاني في «الملل والنحل» (ج1، ص110) أن «أول من تلفظ بهذا رجل من بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم، يُقال له الحجاج بن عبيد الله يُلقب بالبرك، وهو الذي ضرب معاوية على إليته لمّا سمع بذكر الحكمين، وقال: أتحكم في دين الله؟ لا حَكم إلا الله، تحكم بما حكم القرآن به، فسمعها رجل فقال: طعن والله، فانفذ، فسمّوا المُحكمة بذلك، ولمّا سمع أمير المؤمنين عليّ عليه السلام هذه الكلمة، قال: كلمة عدل يُراد بها جور، إنما يقولون لا إمارة، ولا بد من إمارة برة أو فاجرة» ا.هـ. بينما ذكر أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير» (ص38) «أول من قال منهم لا حُكم إلا لله عروة بن حدير – عروة بن أدية – أخو مرداس الخارجي، وقيل إن أول من قاله يزيد بن عاصم المحاربي، وقيل إنه رجل من بني يشكر كان مع عليّ رضي الله عنه بصفين، ولما اتفق الفريقان على التحكيم ركب وحمل على أصحاب علي، وقتل منهم واحدًا، ثم حمل على أصحاب معاوية، وقتل منهم واحدًا، ثم نادى بين العسكرين أنه بريء من عليّ ومعاوية، وأنه خرج من حكمهم، فقتله رجل من همدان. ثم إن جماعة ممن كانوا مع عليّ رضي الله عنه في حرب صفين استمعوا منه ذلك الكلام، واستقرت في قلوبهم تلك الشبهة، ورجعوا مع عليّ إلى الكوفة، ثم فارقوه ورجعوا إلى حروراء، وكانوا اثني عشر ألف رجل من المقاتلة». ثم عاد وذكر (ص41) رجوع ثمانية آلاف منهم بعد أن نوظروا، وثبات أربعة آلاف منهم على مقاتلة سيدنا عليّ.

فالخوارج لم يوافقوا على التحكيم بين سيدنا عليّ ومعاوية بن أبي سفيان، وأنكروا على سيدنا عليّ أن يُحكِّم في الحق الرجال، فإن كان صاحب الحق فلِم تراجع عن الحرب وقبل التحكيم؟ ولمّا ناقشهم الإمام عليّ بأنه قد كره التحكيم أول الأمر، ولكن سأمهم القتال دفعه لقبوله، عندها عادوا هم وطلبوا المضي في الحرب، فرفض أن ينقض عهده بأن يرسل رسوله للتحكيم، فخرجوا عن طاعته، وخرجوا أول ما خرجوا بموضع يُقال له «حروراء» قريب من الكوفة، عندما انفصلوا عن جيشه وهو عائد من صِفين إلى الكوفة، ولم يُقاتلهم الإمام علي في النهروان بمجرد خروجهم عليه، ورفضهم التحكيم، وإنما مرّ الأمر بمراحل، أولها، أنه بعد أن أرسل سيدنا عليّ أبا موسى الأشعري حكمًا من جهته، وأرسل معاوية عمرو بن العاص حكمًا من جهته، فشلت مفاوضة التحكيم عندما حاول عمرو استخدام الحيلة لتولية معاوية، وبعدها عزم سيدنا عليّ على قتال معاوية ومن معه من أهل الشام مرة أخرى، فلم يقبل الخوارج القتال معه، وكفّروه، كما كفّروا عثمان وأصحاب الجمل والحكمين وكل من رضي بالتحكيم، ثم قاتلهم علي بالنهروان بعد أن حلّ دمهم بقتلهم عبد الله بن خبّاب بن الأرت.

جاء في خبر بدء خروجهم في «المستدرك – كتاب الفتن والملاحم» (8617)، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى المقري ‏ببغداد، وأبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، قالا: ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا عبد ‏الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، حدثني أبي، ثنا يزيد بن صالح، أن أبا الوضيء عباد بن ‏نسيب حدثه أنه قال: كنا في مسير عامدين إلى الكوفة مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ‏رضي الله عنه، فلمّا بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاث من حروراء شذّ منا ناس، فذكرنا ذلك لعليّ ‏فقال: لا يهولنكم أمرهم فإنهم سيرجعون. فنزلنا فلمّا كان من الغد شذّ مثليّ من شذ، فذكرنا ذلك ‏لعليّ فقال: لا يهولنكم أمرهم فإن أمرهم يسير، وقال عليّ رضي الله عنه: لا تبدؤوهم بقتال ‏حتى يكونوا هم الذين يبدؤونكم. فجثوا على ركبهم، واتقينا بترسنا، فجعلوا يناولونا بالنشاب ‏والسهام، ثم إنهم دنوا منا، فأسندوا لنا الرماح، ثم تناولونا بالسيوف حتى همّوا أن يضعوا ‏السيوف فينا، فخرج إليهم رجل من عبد القيس يقال له صعصعة بن صوحان، فنادى ثلاثًا، ‏فقالوا: ما تشاء؟ فقال: أذكركم الله أن تخرجوا بأرض تكون مسبّة على أهل الأرض، وأذكركم الله ‏أن تمرقوا من الدين مروق السهم من الرمية، فلما رأيناهم قد وضعوا فينا السيوف قال علي ‏رضي الله عنه: انهضوا على بركة الله تعالى، فما كان إلا فواق من نهار حتى ضجعنا من ‏ضجعنا، وهرب من هرب، فحمد الله عليّ رضي الله عنه. وأقول: هذا الخبر يظهر منه أنهم لمّا خرجوا بحروراء، بدأوا جيش عليّ بالقتال، فقاتلهم سيدنا عليّ، ولكنّ خبر بدئهم حزب عليّ بالقتال بمجرد خروجهم الوارد في هذه الرواية هو خبر شاذ، ولو صحّ فقد خرج بعدهم جماعة أكبر هي التي جادلهم ابن عباس، وقتلوا خبّابًا، فقاتلهم سيدنا عليّ بالنهروان، فهذه الجماعة الأخيرة هي التي حكى من أخبارها المؤرخون.

مجادلة ابن عباس للخوارج حتى يرجعوا

وقد جادلهم ابن عباس رضي الله عنه في بدء خروجهم، واستطاع إعادة كثيرين منهم إلى جادة الصواب. جاء في مستدرك الحاكم على الصحيحين (2656)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما ‏خرجت الحرورية اجتمعوا في دار وهم ستة آلاف، أتيتُ عليًا فقلت: يا أمير المؤمنين ابرد ‏بالظهر لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أخاف عليك. قلت: كلا. قال ابن عباس: ‏فخرجت إليهم ولبست أحسن ما يكون من حُلل اليمن. قال أبو زميل: كان ابن عباس جميلًا ‏جهيرًا. قال ابن عباس: فأتيتهم وهم مجتمعون في دارهم قائلون، فسلمت عليهم فقالوا: مرحبًا ‏بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال قلت: ما تعيبون عليّ. لقد رأيت على رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت: ‏‏‏﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ‏‏﴾‏‏ [الأعراف: 32]. قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي ‏صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار لأبلغكم ما يقولون المخبرون بما يقولون، فعليهم ‏نزل القرآن وهم أعلم بالوحي منكم وفيهم أُنزل، ‏‏‏‏‏‏وليس فيكم منهم أحد‏‏،‏‏ فقال بعضهم: لا ‏تخاصموا قريشًا فإن الله يقول: ‏‏‏﴿‏‏‏بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏‏﴾‏‏ [الزخرف: 58]. قال ابن عباس: وأتيت ‏قومًا لم أر قومًا قط أشد اجتهادًا منهم. مُسهّمة وجوههم من السهر. كأن أيديهم وركبهم تثني ‏عليهم. فمضى من حضر، فقال بعضهم: لنكلِّمنه ولننظرنّ ما يقول. قلت: أخبروني ماذا نقمتم ‏على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثًا. قلت: ‏ما هن؟ قالوا: أمّا إحداهن فإنه حكّم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: ‏‏‏﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ‏‏﴾‏‏ ‏‏[يوسف: 40]، وما للرجال وما للحكم. فقلت: هذه واحدة. قالوا: وأمّا الأخرى فإنه قاتل ولم يسبِ ‏ولم يغنم، فلئن كان الذي قاتل كفارًا لقد حلّ سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلّ ‏قتالهم. قلت: هذه اثنتان، فما الثالثة؟ قال: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. ‏قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن ‏سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يردّ به قولكم أترضون؟ قالوا: نعم. فقلت: أمّا قولكم حكّم ‏الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رُدّ حُكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ‏ونحوها من الصيد، فقال: ‏‏‏﴿‏‏‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ‏‏﴾‏‏ إلى قوله: ‏‏‏﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ‏‏﴾‏‏ [المائدة: 95]، فنشدتكم الله، أحُكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم ‏حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يُصيِّر ذلك إلى ‏الرجال، وفي المرأة وزوجها قال الله عز وجل: ‏‏‏﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35] فجعل الله حكم الرجال سنة ‏مأمونة. أخرجتُ عن هذه. قالوا: نعم. قال: وأمّا قولكم، قاتل ولم يسْبِ ولم يغنم، أتسْبون أمكم ‏عائشة، ثم يستحلون منها ما يستحل من غيرها، فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمكم، ولئن قلتم ‏ليست أمنا لقد كفرتم، فإن الله يقول: ‏‏‏﴿‏‏‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ‏‏﴾‏‏ ‏‏[الأحزاب: 6]، فأنتم تدورون بين ضلالتين أيهما صرتم إليها صرتم إلى ضلالة. فنظر بعضهم ‏إلى بعض. قلت: أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم. وأما قولكم: محا اسمه من أمير المؤمنين، فأنا ‏آتيكم بمن ترضون وأريكم. قد سمعتم أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية كاتب سهيل ‏بن عمرو وأبا سفيان بن حرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين: اكتب يا ‏عليّ (هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله). فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسول الله. لو ‏نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسول ‏الله. اكتب يا عليّ (هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله )، فوالله لرسول الله خير من عليّ، ‏وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان، وقُتل ‏سائرهم على ضلالة. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.‏ بينما روى أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير» قصة المناظرة، على أن أمير المؤمنين عليّ هو من وقف لمناظرتهم بنفسه، وأورد نفس المقالات.

أهم عقائدهم

كانت أهم عقائدهم أن الإيمان لا ينفصل عن العمل، فهو ما وقر في القلب وصدّقته الجوارح والعمل، وقد قادتهم تلك المقدمة إلى نتيجة خطيرة جعلتهم أول فرقة متطرفة في تاريخ الإسلام، وهي أن الفاسق غير مؤمن، فمرتكب الكبيرة هو كافر بزعمهم، فكفّروا المسلمين ووقعوا في دمائهم – عدا الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق الحنفي ذلك أنهم كانوا يعتبرون باقي المسلمين مشركين، وديارهم ديار شرك -. ولا نجد في أدبيات الخوارج حديث عن توبة صاحب الكبيرة كما هو الحال عند المعتزلة، وفي هذا فتح لباب المعاصي، وتجاهل للضعف الإنساني، وإغلاق لباب الرحمة في وجوه العباد. ويذكر الإمام البخاري في أول باب (قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) «وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في ‏الكفار، فجعلوها على المؤمنين» ‏ا.هـ. ورواها ابن عبد البر في «الاستذكار» (ج8، ص90) (10576) من رواية نافع عن ابن عمر. وأقول: ولا زالوا يفعلون. وصدق ابن عباس عندما قال في الخوارج «يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه».

يذكر علي سامي النشار في «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» (ج1، ص233) «وجد الإمام الحسن بن محمد بن الحنفية، أن الذين قاتلوا جده مستندين إلى أصل ظاهره الصدق وباطنه الإفك، هو (الحكم لله لا لعليّ)، ينشرون أصلًا آخر خطيرًا لقتل المسلمين، وهو أن لا عقد بدون عمل، فنفر لمجادلتهم، وأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وكان يكتب الكتب إلى الأمصار ويعلنها للناس، بأن الطاعات وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها» ا.هـ. ومسألة موضع العمل من الإيمان من أهم مباحث الخلاف العقائدي بين طوائف الأمة، وجميع الفرق في تاريخ الإسلام التي قالت إن العمل من أصل الإيمان وليس فرعًا له وقعت في تكفير المسلمين أو تفسيقهم، وأبرزهم في عصرنا الفرقة المسماة بالسلفية.

ثم إن الآية التي كفَّر بها الخوارج الإمام عليّ، وكفَّر من تلاهم من الخوارج جموع المسلمين، ولا زالوا يفعلون، وهي الآية الكريمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، جمهور أئمة المسلمين القدماء والمحدثين على أن المقصود بالكفر في تلك الآية الكريمة ليس الكفر المُخرِج من الملة للمسلمين، هذا إن اعتبرنا أن المقصود بها هم المسلمون. على سبيل المثال: يقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره للآية: «وقد اختلف أهل التأويل في تأويل «الكفر» في هذا الموضع. فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك، من أنه عنى به اليهود الذين حَرَّفوا كتاب الله وبدَّلوا حكمه»، ثم يعدد من وافقه في هذا الرأي، وهم كُثر. ثم أتبع الطبري ذكر قلة قالوا إنه تعالى عنى بـ«الكافرين» أهل الإسلام، وذكر قول آخرين بأنه ليس الكفر المخرج من الإسلام، ومنهم كبار المفسرين كطاوس، «قال: ليس بكفرٍ ينقل عن الملّة»، وابن عباس «قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله»، ومثل قول عطاء: «كفرٌ دون كفر، وظلمٌ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق».

وقال الإمام القرطبي في تفسير الآية في «الجامع لأحكام القرآن» (ج7، ص 497: 499): «الكافرون والظالمون والفاسقون، نزلت كلها في الكفار؛ ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء. وعلى هذا المُعظَم. فأما المسلم فلا يُكفَّر وإن ارتكب كبيرة. وقيل فيه إضمار، أي: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًا للقرآن، وجحدًا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو كافر. قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدًا ذلك ومستحلًا له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرَّم، فهو من فُسَّاق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار…»، وذكر القرطبي الاختلافات بين العلماء في تفسيرها على نحو ما أورد الطبري، فالأغلب أنه إما كفر دون كفر، وإما أنها نزلت في اليهود.

وفي المستدرك على الصحيحين. روى الحاكم (ج2، رقم3219/336) عن سُفيان بن عُيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه. إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] كفرٌ دون كفر. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجه الشيخان.

يقول الشريف العوني – وهو سلفي – في «تكفير أهل الشهادتين» (ص141) في تكفير الحاكمية عند الخوارج: «لذلك كان الاحتجاج بظاهر قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:44]، في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله مطلقًا جهلًا لم يقل به أحد من العلماء! بل لم يقل به حتى المخالفون، فهم لا يقولون بأن كل حكم بغير ما أنزل الله كفر، وإنما يضعون قيودًا سطحية وغير منضبطة للتكفير بالحكم بغير ما أنزل الله، تخرج هذه القيود بالآية عن ظاهرها غير المراد، لتدخل بها إلى معنى آخر غير مراد أيضًا ومخالف لظاهرها، معنى لا يتمسح بدعوى أحقية الظاهر وتقديمه على المعنى المؤول» ا.هـ.

صفات الخوارج الشكلية وتدينهم الشكلي

وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بخروج الخوارج الأُول، ثم خروج طوائف عديدة منهم وحتى آخر الزمان. وذكر صفاتهم المتعلقة بتدينهم الشكلي، كما وصف الرواة شكل الرجل الذي أطلق النبي نبوءته الأولى عنهم بسببه. والأحاديث في ذلك متواترة بأسانيد كثيرة وصحيحة، ومنها ما أخرج الإمام البخاري في صحيحه (4351) عن عبد الرحمن بن أبي نُعِم، قال: سمعت أبا سعيد الخُدري يقول: بعث عليّ بن ‏أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في أديم ‏مقروظ، لم تُحَصل من ترُابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر، بين عيينة بن بدر، وأقرع بن ‏حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن ‏أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين ‏من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء»، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف ‏الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق ‏الله، قال: «ويلك، أولستُ أحق أهل الأرض أن يتقي الله». قال: ثم ولّى الرجل. قال خالد بن ‏الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي». فقال خالد: وكم من ‏مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أُومر أن ‏أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم». قال: ثم نظر إليه وهو مُقف فقال: «إنه يخرج من ضِئضيء ‏هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا، لا يُجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ‏الرمية»، وأظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود».‏ والحديث في صحيح مسلم بسند آخر (2499-143/1064) مع اختلافات بسيطة.

وفي بعض روايات الحديث أورد الرواة أن الرجل المعني هو أبو خويصرة التميمي أو ابنه، عند البخاري (3610- 6933) وعند الإمام مسلم في صحيحه (2505 -148/1064)‏.

وجاء في وصف الرجل في حديث (4351) بصحيح البخاري ‏أنه «رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار». وهو نفس الوصف في حديث صحيح مسلم (2500 -144/1064) و(2502 -146/1064) ‏أنه «رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ ‏الإِزَارِ». وفي حديث صحيح مسلم (2499-143/1064)‏ و(2501 -145/1064) أنه «رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِيءُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ». فذُكر أنه ناتئ الجبهة، ولم يُذكر تشميره للإزار.

وجاء في وصف التدين الشكلي للخوارج القدماء جملة صفات تكرر ذكرها في أحاديث كثيرة. على سبيل المثال: في الأحاديث بصحيح البخاري (‏3610) و(6931) وبصحيح مسلم ‏(2503 -147/1064) ‏و‏(2505 -148/1064) و(2499-143/1064) ومستدرك الحاكم على الصحيحين (2649) وسنن ابن ماجه (169).‏ وهي أنهم شديدو الاجتهاد في العبادة «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ»‏ أي يجدها قليلة ويظنها أقل ثوابًا وقبولًا إذا قارنها ‏بصلاتهم، فهم يجهدون أنفسهم بالعبادة. و«يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ – حَنَاجِرَهُمْ -» أي لا يتعداها، والتراقي جمع ترقوة وهي عظم يصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. وفي وصف آخر بحديث صحيح مسلم ‏(2501 -145/1064) «يتلون كتاب الله رطبًا، لا يُجاوز حناجرهم»، والمراد لا يفقهون ‏معناه، ولا تخشع له قلوبهم، ولا يؤثر في نفوسهم، فلا يعملون بمقتضاه.

ووصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم «يحسنون القيل ويسيئون الفعل» في أحاديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2648) ‏و(2649) و(2650) و(2659) وحديث مسند الإمام أحمد 5562 م3.

ومن وصف الخوارج الأولين والآخرين أنهم يُكفرون المسلمين ويكونون حربًا عليهم، فحروبهم كلها ضدهم. «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، ‏وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ». جاء هذا الوصف بحديث (2499-143/1064) بصحيح مسلم، وحديث (4101) في سُنن النسائي.

ومما يجمع الخوارج القدماء والمحدثين هو وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم «يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ – أو من الدين – كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»، وزاد في بعض الروايات «يُنظر إلى ‏نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر ‏إلى رِصافه فما يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى نضيه – وهو قِدحه – فلا ‏يوجد فيه شيء، ثم يُنظر ‏إلى قُذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم». ومعنى يمرقون أي يخرجون منه سريعًا دون أن يستفيدوا منه. والرمية هو الصيد المرمي. فشبّه مروقهم ‏من الدين بمروق السهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه دون أن يعلق به شيء منه ‏لشدة سرعة خروجه. و(نصله) حديدة السهم، و(رصافه) هو العصب الذي يلوى فوق مدخل ‏النصل، و(قدحه) هو عود السهم قبل أن يوضع له الريش، و(قذذه) جمع قذة وهي واحدة الريش ‏الذي يعلق على السهم. (قد سبق الفرث والدم) أي لم يتعلق بالسهم شيء منهما لشدة سرعته. وقد جاء هذا الوصف لهم في عشرات الأحاديث الصحاح، مثل: أحاديث البخاري (3610) و(3611) و(5057) و(4351) و(6930) و(6931) و(6932) و(6933) و(6934) و(7562). وأحاديث صحيح مسلم (2496- 142/1063) ‏و‏(2499-143/1064)‏ و‏(2500 -144/1064)‏ و‏(2503 -147/1064)‏ و‏(2504 -148/1064)‏ و(2505 -148/1064)‏ و‏(2511 -154/1066)‏ و‏(2512 -154/1066) ‏و‏(2513 -154/1066)‏ و‏(2516 -156/1066) ‏و‏(2518 -158/1067)‏ و‏(2519 -159/1068)‏. وأحاديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2645) و(2647) و(2649) و(2650) و(2651) و(2659). وسُنن ابن ماجه (168) و(169) و(170) و(171) و(172) وسنن النسائي (4101) و(4102) و(4103) وسُنن الترمذي (2188) وغيرها. لذا فخبر خروجهم من ملة الإسلام، وزيف ما يدعونه من تدين، متواتر بدرجة لا تقبل التشكيك.

وهناك من الأحاديث ما تثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعدّهم من الأمة. ورد في صحيح البخاري (6931) عن أبي سعيد ‏الخدري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج في هذه الأمة – ولم يقل منها – قوم ‏تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم – أو حناجرهم -. يمرقون من ‏الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رِصافه، فيتمارى في ‏الفُوقة، هل علِق بها من الدم شيء».‏ فلم يقل منها: أي لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة بكلمة (من) ‏لأنهم ليسوا منها في الحقيقة. وقد ورد الحديث في صحيح مسلم (2503 -147/1064).

وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم شرار الخلق أو من شرار الخلق، وزاد في بعض الروايات أنهم «شرار الخلق والخليقة». والخلق الناس. والخليقة البهائم. وقيل هما بمعنى. ويريدها ‏جميع الخلق.‏ جاء هذا الوصف في أحاديث صحيح مسلم (2506 -149/1065) ‏‏و(2518 -158/1067)‏ وأحاديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2647) و(2649) و(2650) و(2659) وسنن ابن ماجه (170) وسنن النسائي (4103).

وجاء الوصف بأن «الله بريء منهم» في حديث مستدرك الحاكم على الصحيحين (2659) وأنهم «يدعون إلى الله وليسوا من الله في شيء» في المستدرك (2648)‏.

كما ثبت وصفه لهم صلى الله عليه وسلم بأنهم «كلاب النار» في أحاديث منها، مستدرك الحاكم على الصحيحين (2654) ‏و(2655)، وسنن ابن ماجه (173)، ومسند الإمام أحمد (22051‏) و(22083) و(22109)، والترمذي (3000)، والبوصيري في «الزوائد» (‏3448/2) و(‏3448/6).

‏ وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الخوارج، وحذّر منهم كثيرًا. وهناك أحاديث ذكر فيها صفات خوارج آخر الزمان سنوردها عند ذكرهم. أمّا أنه قد ذكرهم كثيرًا، فيُستدل عليه من اختلاف الأحداث والأماكن التي رُوي فيها خبرهم ما بين منبره ومسجده وموضع يبعد عن مكة كان يوزع فيه مالًا، وكثرة الأحاديث التي رُويت بشأنهم، وأخيرًا ما رواه بعض الصحابة وأقسموا عليه أنهم سمعوا منه صلى الله عليه وسلم مرارًا.

روى الإمام أحمد في مسنده بثلاثة أسانيد (22051) و(22083) و(22109) عن أبي أُمامة أنه ‏رأى رؤوسًا منصوبة على درج ‏مسجد دمشق، فقال أبو ‏أمامة: كلاب النار، كلاب النار – ثلاثًا – ‏شر قتلى تحت أديم السماء، ‏خير قتلى من قَتَلوه، ‏ثم قرأ: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ الآيتين. قلت لأبي أمامة: أسمعته ‏من ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرتين ‏أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو ستًا أو سبعًا ما ‏‏حَدّثْتُكُم.‏

وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين (2654) بسنده عن شداد بن عبد الله أبي عمار قال: شهدت أبا أمامة ‏الباهلي رضي الله عنه، وهو واقف على رأس الحرورية – الخوارج – عند باب دمشق. وهو يقول: ‏كلاب أهل النار – قالها ثلاثًا -. خير قتلى من قتلوه، ودمعت عيناه. فقال له رجل: يا أبا أمامة ‏أرأيت قولك هؤلاء كلاب النار، أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رأيك؟ ‏قال: إني إذًا لجريء. لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا ‏وعدّ سبع مرات ما حدثتكموه.

كما قد حثّ رسول اللَّه ‏‏صلى الله عليه وسلم على حربهم، واستئصالهم، وقال في حديث صحيح مسلم (2499-143/1064) وحديث سنن النسائي (4101): «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ ‏قَتْلَ عَادٍ».‏ وفي حديث صحيح البخاري (4351) وحديث صحيح مسلم (2500 -144/1064)‏ و‏(2501 -145/1064)‏ و‏(2502 -146/1064) ‏‏«لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُود».

وأكّد الرسول على أجر من قتلهم قال: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة».‏ ‏كما أخبر أن خير قتيل هو من قتلوه. والأحاديث كثيرة في ذلك المعنى. منها: بصحيح البخاري (‏3611‏، ‏5057‏، 6930)، وحديث صحيح مسلم (2511 -154/1066)‏، وسنن ابن ماجه ‏(168) والنسائي (4102). وفي مستدرك الحاكم على الصحيحين (2659) بلفظ «فمن لقيهم فليقاتلهم، فمن قتلهم فله أفضل الأجر، ومن قتلوه فله أفضل الشهادة».

وجميع فرق الخوارج لها نفس الحكم. جاء بالزوائد للبوصيري ‏(3448/2) و(3448/6)، عن سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد اللّه بن أبي أوفى – أحد الصحابة – فسلمت عليه، فقال: من أنت؟ قلت: أنا سعيد بن جمهان قال: ما ‏فعل أبوك؟ قلت: قتلته الأزارقة. فقال: لعن اللّه الأزارقة – مرتين أو ثلاثًا -. حدثنا رسول اللّه ‏صلى الله عليه وسلم أنهم كلاب النار. قلت: الأزارقة وحدها أم الخوارج كلها؟ قال: بلى، ‏الخوارج كلها.‏

هل الخوارج كفّار؟

ومع كل ما سبق من صفتهم، اختلف العلماء في كفرهم، والأرجح من رأي العلماء أنهم لا يُكفَّرون؛ فقد سئل عنهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأجاب بعدم تكفيرهم. أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (18656)، عمن سمع الحسن قال: «لما قَتل عليّ رضي الله عنه الحرورية، قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرًا، قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا». وأخرج الإمام ابن عبد البر في «الاستذكار» (ج8، ص90) (10577- 10578) «وقد ذكرنا في «التهميد» رواية جماعة عن عليّ رضي الله عنه أنه سُئل عن أهل النهروان أكفارٌ هم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فهم منافقون؟ فقال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم ضلّ سعيهم وعموا عن الحق، وهم بغوا علينا؛ فقاتلناهم، فنصرنا الله عليهم. وذكر نعيم بن حماد، عن وكيع، عن مسعر، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن علي رضي الله عنه قال: لم نقاتل أهل النهروان على الشرك» ا.هـ. كما ذكر ابن عبد البر (10564-10565) أمر اختلاف العلماء في كفرهم، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث «ويتمارى في الفُوق» – يعني السهم – أنه دليل على الشك في خروجهم جملة على الإسلام، لأن التماري الشك – أي يشك إن كان أصاب الدم الفُوق أم لا، والفوق هو الشيء الذي يدخل فيه الوتر -. فإذا وقع الشك في خروجهم لم يقطع عليهم بالخروج الكلي من الإسلام. كما احتج من ذهب هذا المذهب بلفظة رويت في بعض الأحاديث الواردة فيهم، في قوله صلى الله عليه وسلم «يخرج فيكم قوم من أمتي»، فلو صحّت هذه اللفظة كانت شهادة منه عليه السلام أنهم من أمته.

ونلاحظ عدم تكفير سيدنا عليّ لهم رغم أنهم قد حكموا على عليّ عليه السلام بالكفر لأجل قبوله التحكيم الذي أجبروه هم عليه، كما كفّروا الخليفة الثالث عثمان بسبب بعض المخالفات التي صدرت عنه في السنوات الست الأخيرة من خلافته، هذا فضلًا عن تكفيرهم عددًا من كبار الصحابة كطلحة والزبير وعائشة وغيرهم. وأخرج الإمام ابن عبد البر في «الاستذكار» (ج8، ص89) (10573) عن رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، أن نجدة الحروري كان يقول عن ابن عمر أنه كافر. فالخوارج هم أول من وقعوا في بدعة تكفير المسلمين، فهم يكفّرون بترك الواجب، ويكفرون بفعل الكبيرة، ويخرجون بالسيف على مخالفيهم من أهل الإسلام بتكفيرهم إياهم.

حكم الله في التعامل مع الخوارج

خطّ لهم سيدنا عليّ خطة للتعامل معهم طالما لم تمتد أيديهم بأذى، لأن عدم اعتدائهم يعني عدم تيقنه من كونهم الفرقة المارقة التي حدّث النبي عنها. روى ابن أبي شيبة في مصنفه (38926/37930) حدثنا ابن نمير، عن الأجلح، عن سلمة بن كُهيل، عن كثير بن نمر، قال: بينا أنا في الجمعة، وعليّ بن أبي طالب على المنبر، إذ قام رجل – من الخوارج – فقال: لا حُكم إلا لله، ثم قام آخر فقال: لا حُكم إلا لله، ثم قاموا من نواحي المسجد يُحكِّمون الله، فأشار عليهم بيده: اجلسوا، نعم، لا حكم إلا لله؛ كلمة حق يُبتغى بها باطل. حُكم الله يُنتظر فيكم، الآن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا؛ لن نمنعكم مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئًا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا، ثم أخذ في خطبته.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه ‏(38892/37896) حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هلال، قال: حدثني رجل من عبد القيس، قال: كنت مع الخوارج فرأيت منهم شيئًا كرهته، ففارقتهم، على أن لا أكثر عليهم، فبينا أنا مع طائفة منهم إذ رأوا رجلًا خرج كأنه فزع، وبينهم وبينه نهر، فقطعوا إليه النهر، فقالوا: «كأنّا رعناك؟» قال: أجل. قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خبّاب بن الأرت. قالوا: عندك حديث تحدثناه عن أبيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فتنة جائية. القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، فإذا لقيتهم فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فلا تكن عبد الله القاتل». قال: فقربوه إلى النهر، فضربوا عنقه، فرأيت دمه يسيل يجري على الماء كأنه شِراك ماء ابْذَقر – أي ما انقطع – بالماء حتى توارى عنه، ثم دعوا بسرية له حُبلى، فبقروا عما في بطنها!

وخبر قتلهم لعبد الله بن خبّاب بن الأرت، وهو صحابي وابن صحابي، خبر شهير، وكان أول ما أحدثوه في الإسلام. ثم قالوا لسيدنا عليّ عن خباب: «كلنا شركٌ في دمه»، فاستحل عليّ قتالهم، لما سفكوا من الدم الحرام واعتدوا على الحرمات والأموال، والإفساد في الأرض، فأيقن أنهم أصحاب العلامات التي أنبأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ينبغي دفع أذاهم عن رعيته. وكانت وقعة النهروان. وظل على موقفه من عدم تكفيرهم حتى مع قتاله لهم، ولهذا لم يُرو عنه أنه قد سبى نساءهم أو غنم أموالهم.

يقين وإيمان سيدنا علي ليُحارب هؤلاء العُبّاد!

كان الأمر بحاجة إلى جرأة وإيمان أبي الحسن رضي الله عنه ليتجرأ على حرب أمثال هؤلاء المتدينين تدينًا قشريًا زائفًا. إيمان بصدق ما نبأه به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر خروجهم على فُرقة من المسلمين، وأنه تقتلهم أولى الفئتين بالحق. ورد في صحيح البخاري (6939)، أنه تنازع أبو عبد الرحمن، وحِبّان بن عطية، فقال أبو عبد الرحمن لحِبّان: لقد ‏علمت ما الذي جرأ صاحبك على الدماء – يعني عليًا -، قال: ما هو لا أبا لك؟ قال شيء سمعته ‏يقوله، قال ما هو؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير وأبا مرثد، وكلنا فارس، ‏قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج – قال أبو سلمة: هكذا قال أبو عوانة: حاج والصحيح خاخ – فإنّ فيها ‏امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأتوني بها». فانطلقنا على أفراسنا ‏حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسير على بعير لها، وقد كان – يعني حاطب – ‏كتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقلنا: أين الكتاب الذي معك؟ ‏قالت: ما معي كتاب، فأنخنا بها بعيرها، فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئًا، فقال صاحباي: ما ‏نرى معها كتابًا، قال: فقلتُ لقد علمنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حلف عليّ: ‏والذي يُحلَف به لتُخرِجِن الكتاب أو لأجردنك، فأهوت إلى حُجزتها – وهي محتجزة بكساء – ‏فأخرجت الصحيفة». وصدق أبو عبد الرحمن، فما جرّأه على الحرب إلا يقينه بصحة ما أخبر به الرسول من حديث الخوارج، مثلما كان موقنًا بصحة ما أنبأهم به يوم لحقوا بتلك المرأة.

وقد بلغ من يقينه رضي الله عنه بما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أنبأ بعلامة تكون في واحد من قتلى هؤلاء الخوارج الأُول – الحروريين -، وأن عليًا رضي الله عنه أخذ يبحث عن صاحب العلامة بين القتلى حتى وجده. وقد جاء الخبر بأن العلامة كانت ظاهرة فيه. ورد في صحيح مسلم (2517 -157/1066) عَنْ ‏عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم، أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ ‏رضي الله عنه. قَالُوا: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ. قَالَ عَلِىٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏وَصَفَ نَاسًا إِنِّى لأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلاَءِ «يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ – وَأَشَارَ ‏إِلَى حَلْقِهِ -. مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ. مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْىُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْىٍ». فَلَمَّا ‏قَتَلَهُمْ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: انْظُرُوا. فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، فَقَالَ: ارْجِعُوا، ‏فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلاَ كُذِبْتُ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. ‏قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَقَوْلِ عَلِىٍّ فِيهِمْ، زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ. قَالَ بُكَيْرٌ: ‏وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنِ ابْنِ حُنَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الأَسْوَدَ.‏ ووردت أحاديث كثيرة تثبت الخبر.

نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام تتحقق في الخوارج الأُول

وأورد البخاري في صحيحه حديث (‏3610)، أن أبا ‏سعيد الخدري رضي الله عنه قال:‏ بينما نحن عند رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسمًا، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا ‏رسول ‏الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل». ‏فقال عمر: يا ‏رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: «دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم ‏صلاته مع صلاتهم، ‏وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين ‏كما يمرق السهم من الرمية، يُنظر إلى ‏نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رِصافه فما ‏يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى نضيه – وهو قِدحه – فلا ‏يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى قُذذه فلا ‏يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى ‏عضديه مثل ثدي المرأة، أو ‏مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فُرقة من الناس».‏ قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت ‏هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم ‏وأنا معه، ‏فأمر بذلك الرجل فالتُمس فأُتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي ‏نعته. ا.هـ. وروى البخاري في صحيحه بسند آخر حديث (6933) قال أبو سعيد: «آيتهم رجل إحدى ‏يديه، أو قال: ثدييه، مثل ثدي المرأة، أو قال: مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة ‏من الناس».

وروى الإمام مسلم الحديث في صحيحه بجملة روايات. فبسند آخر (2505 -148/1064) قال أبو سعيد: «آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْىِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ. يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ ‏فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ». والحديث (2514 -155/1066) و(2515 -155/1066) عَنْ عَلِىٍّ، قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ – أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مَثْدُونُ ‏الْيَدِ -. فسئل: آنْتَ ‏سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ ‏صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: إِى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.‏

وفي صحيح مسلم (2516 -156/1066) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا ‏عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ، أَنَّهُ كَانَ فِي ‏الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيّ رضي الله عنه، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ: عَليّ رضي الله ‏عنه: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ ‏قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيءٍ، وَلاَ صَلاَتُكُمْ إِلَى صَلاَتِهِمْ بِشَيءٍ، وَلاَ صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيءٍ. ‏يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ. لاَ تُجَاوِزُ صَلاَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا ‏يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِي لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ‏صلى الله عليه وسلم ‏لاَتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ. وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ ‏حَلَمَةِ الثَّدْي. عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلاَءِ يَخْلُفُونَكُمْ ‏فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ. فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا ‏فِي سَرْحِ النَّاسِ. فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا حَتَّى قَالَ ‏مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيّ، فَقَالَ لَهُمْ أَلْقُوا ‏الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ. فَرَجَعُوا ‏فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ وَسَلُّوا السُّيُوفَ وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ. قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا ‏أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ رَجُلاَنِ. فَقَالَ عَليّ رضي الله عنه: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَالْتَمَسُوهُ ‏فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيّ رضي الله عنه بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ: ‏أَخِّرُوهُمْ. فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ ‏السَّلْمَانِيّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاَثًا وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ.‏

ومعنى ‏آيتهم أي علامتهم. والبضعة قطعة اللحم. وتُدردر أي تضطرب وتذهب وتجيء.‏ والمثدون هو صغير اليد مجتمعها، والمخدج هو ناقص الخلقة، أما المودن فهو ناقص اليد صغيرها. وخلاصة القول أنه كانت في يد هذا الرجل علامة غريبة اختلف الناس في وصفها بدقة لغرابتها. كما ورد ذكر هذه العلامة في أحاديث كثيرة صحيحة رواها غير البخاري ومسلم، كالحاكم في المستدرك (2658) و(8617)، وابن ماجه في سننه (167). وفي الملل والنحل (ج1، ص107) قال الشهرستاني: «من رؤساء الخوارج بحروراء حرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية». وذكر أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير» (ص41) أنه قبل القتال «خرج حرقوص بن زُهير في وجه علي رضي الله عنه وقال: والله لا نريد بقتالك إلا وجه الله تعالى، والنجاة في الآخرة، فتلا عليه علي: ‏‏‏﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104].

روى الإمام النسائي في «الخصائص» (189) بسنده عن زر بن حبيش أنه سمع عليًا يقول: أنا فقأت عين الفتنة، ولولا أنا ما قوتل أهل النهروان، ولولا أني أخشى أن تتركوا العمل لأخبرتكم بالذي قضى الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم، مبصرًا لضلالتهم، عارفًا بالهدى الذي نحن عليه».

وكان الصحابة وكبار التابعين على سنة عليّ عليه السلام في قتال الخوارج، حتى ابن عمر الذي اعتزل القتال سواء مع سيدنا علي أو معاوية كان يرى قتالهم. أخرج الإمام ابن عبد البر في «الاستذكار» (ج8، ص89) (10574) «عن نافع أن ابن عمر حين خرج نجدة الحروري كان يرى قتاله. كما قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه – أي طاووس -، أنه كان يُحرِّض على قتال الحرورية» ا.هـ.

وكما ذكرنا، فلم تكن مظاهرهم التعبدية إلا زيفًا لا يمس قلوبهم، لذا كانوا يطلبون الدنيا أيضًا، فإنها كانت مطمحهم. ويمكن ملاحظة مبادئهم المائعة التي لا تثبت على الحق في مواقف كثيرة. على سبيل المثال: ذكر ابن الأثير في «الكامل» (ج4، ص23) أن نجدة بن عامر الحنفي وهو من رؤوس الخوارج كُلِّم في رجل يشرب الخمر في عسكره، فقال: هو رجل شديد النكاية على العدو، وقد استنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشركين. وروي في كتاب «وقعة النهروان أو الخوارج» أن عبيدة بن هلال اليشكري الحنفي وهو أحد قادتهم وشعرائهم اُتهم بامرأة رجل حداد، رأوه مرارًا يدخل منزله بغير إذن. فأتوا خليفتهم (قطري بن الفجاءة التميمي)، فذكروا ذلك له. فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم، ثم احتال له فأخبره بالخبر قبل أن يجمعه بهم. فقالوا: إنا لا نقاره على الفاحشة فقال: انصرفوا. ثم بعث إلى عبيدة فأخبره. ويروي عنهم المؤرخون أن زياد بن أبيه حينما كان يعطيهم المال والأرزاق الوفيرة كانوا يكفون عنه، ويقبلون بالتردد عليه، والسمر عنده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أحمد بن شُعيب أبو عبد الرحمن النسائي. تحقيق: أحمد ميرين البلوشي. (1986). خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. الكويت/ مكتبة المعلا.
أحمد بن محمد بن حنبل. تحقيق: أحمد محمد شاكر وحمزة الزين. (1995). المسند. القاهرة: دار الحديث.
إسماعيل بن عمر بن كثير أبو الفداء القرشي الدمشقي. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي. (1997). البداية والنهاية. القاهرة: دار هجر.‏
حاتم بن عارف العوني (2016). تكفير أهل الشهادتين «موانعه ومناطاته - دراسة تأصيلية» - الطبعة الثانية. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات.
شاهفور بن طاهر بن محمد أبو المظفر الإسفراييني. تحقيق: محمد زاهد الكوثري. (2010). التبصير في الدين، وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث.
عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج ابن الجوزي.‏ تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. (1995). ‏المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.
عبد الرزاق بن همام أبي بكر الصنعاني. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. (د.ت). المُصنف. بيروت: منشورات المجلس العلمي.
عبد الله بن محمد بن إبراهيم ابن أبي شيبة. تحقيق: حمد بن عبد الله الجمعة ومحمد بن إبراهيم اللحيدان. (2004). المصنَّف. الرياض: مكتبة الرشد.
علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الدمشقي. تحقيق: عمر بن غرامة العمروي. (1997). تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها (ج59 معالي- مغيث). المملكة العربيةة السعودية: دار الفكر.
علي سامي النشار. (د.ت) . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. ط9. القاهرة: دار المعارف.
علي بن محمد بن محمد الشيباني أبو الحسن ا‏بن الأثير الجزري. تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق. (1987). الكامل في التاريخ. ‏بيروت: دار الكتب العلمية.‏
محمد بن أحمد بن أبي بكر أبو عبد الله القرطبي. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي. (2006). الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السُنة وآي الفرقان. بيروت: مؤسسة الرسالة.
محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري. تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم وسننه وأيَّامه المشهور بـصحيح البخاري. دار طوق النجاة (نسخة إلكترونيةة مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) + طبعة القاهرة: ألفا للنشر والتوزيع.
محمد بن جرير أبو جعفر الطبري. تحقيق: أحمد شاكر. (2000). تفسير الطبري. بيروت: مؤسسة الرسالة.
محمد بن عبد الكريم أبو الفتح الشهرستاني. تحقيق: أحمد فهمي محمد. (1992). المِلل والنِحل. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.
محمد بن عبد الله أبي عبد الله الحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. (2002). المستدرك على الصحيحين. ط22. بيروت: دار الكتب العلمية.
محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي. تحقيق: أحمد محمد شاكر. (د.ت). سُنن الترمذي «الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل». بيروت: دار إحياء التراث العربي.
محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. (د.ت). سُنن ابن ماجة. بيروت: دار الفكر.
مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. (د. ت). الجامع الصحيح «المشهور بصحيح مسلم». طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة. (نسخة إلكترونية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) + طبعة القاهرة: ألفا للنشر والتوزيع.
يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر أبو عمر الأندلسي. تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي. (1993). الاستذكار «الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار». دمشق وبيروت: دار قتيبة، حلب والقاهرة: دار الوعي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد