يدار العالم الآن بنطاق غير السياسة، وتذكرنى هذه الفترة بما حدث من مقدمات للحرب العالمية الثانية 1939، وذلك بظهور النازية والفاشية، وظهور سياسة التسلح والبقاء للأقوى، فكانت النتيجة موت الملايين من البشر، وخراب أوروبا، فعانت أوروبا من التهور السياسي، الذي دفعت بسببه المادة والبشر فتعلمت، ولكن الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة والروس، نجحوا فى تحويل تلك السياسة وصراعاتهم إلى الشرق الغنى بثرواته وبشره، فساعدوا عائلات وأشخاص ومؤسسات بأن تتمكن من الحكم، ويستدرجها بغبائها وضعف المقدور السياسى لديها بأن تتحول أنظمة إجرامية سياسيًا، فتصبح أدوات يستخدموها وقتما شاءوا من أجل حلب خيراتهم وثرواتهم، ويجعلونهم يركعون تحت أقدامهم، وإعطائهم المليارات وقت الحاجة إليها، وأيضًا يمدحونهم وقتما شاءوا، ويفضحونهم وقتما شاءوا، فهما مجرد كراسي متحركة للسياسات الإجرامية العالمية، فالعرب ضحية إجرام الصراعات السياسية العالمية، وضحية جهل سياسي لحكام لم يجلسوا على عروش الحكم بإرادتهم، وهنا استشهد بمقولة ثيودر هرتزل في كتابه (الدولة اليهودية): سيأتي يومًا ونولي سفهاء العرب الحكم حتى يستقبلوا جيش الدفاع الإسرائيلى بالورود. وأظن هذا ما حدث بالفعل.

ولعل أبرز ما تفعله الأنظمة الإجرامية، وليست السياسية، هي ما تفعله من سياسات دموية في الشرق العربي، وتتحكم في حق تقرير مصيره بطريقة غير مباشرة، فتولى حكم الشرق بمكانته وثرواته إلى صبي متهور، وعسكري جاهل، أو شيطان بوجه إنسان تخلى عن عروبته ودينه من أجل التطاول في البنيان، أو إمعة مع الجميع يسير، تلك الأمثال التي تحكم منطقة كبيرة ومؤثرة في السياسة.

ولعل ما فعلته المملكة مؤخرًا من قتل شخص لا يملك غير قلمه، هو أكبر غباء سياسي، فهذه ليست أول جريمة، بل هناك الآلاف من المعتقلين من أصحاب الرأي، ومنهم من مات بأبشع الطرق التي لا توافق أي سبيل للإنسانية مثل مقتل الشيخ سليمان الدويش عام 2016 بطريقة مهينة في حق كل إنسان، وغيره داخل سجون المملكة، لقولهم الحق ضد تهور سلطان جائر، ولكن الله أراد أن يبين للجميع ظلم هذا النظام الذى يحارب الإسلام ومن ينادي به ويدعو للانفتاح تقربًا للغرب، وهنا ينطبق عليهم قول الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19 سورة الحشر)، وما فعله النظام المصري بقتل الآلاف من أبنائه أمام الكاميرات العالمية في أحداث رابعة والنهضة، بل حرق الجثث، ولم يحرك ذلك ذرة في المجتمع الدولي، بل اعترف بذلك النظام، رغم وصوله للحكم يخالف ديمقراطيتهم الذين يغنون بها ليل نهار، وما فعله يخالف قوانين حقوق مؤسساتهم الإنسانية، بل يوافق جرمهم السياسي، ومصالحهم حتى ولو كان الضحية كل إنسان عربي مسلم، فهو يريد ديمقراطية بين شعوبه، ولا يريدها لنا حتى لا تغلق أبواب الثروات ومعابرها إليهم، يصمتون ولا يتحدثون ولا يتحركون ما دام المجني عليه مسلمًا أو فصيلًا إسلاميًا يفهم ولو جزءًا من سياساتهم.

لعل هذا هو الإجرام، فالسياسة أفكار ومصالح أتفق في ذلك، ولكن تلعب بشرف، إنما إذا وصلت للدماء والأعراض لمجرد أنني لا أتفق مع رأيك وسياستك، فهذا أبشع أنواع الإجرام في حق الإنسانية بغطاء سياسى دولي، الأمثلة الكثيرة على أن دماء المسلمين خارج حسبان السياسة وإنسانيتها، هل ما يحدث في سوريا سياسة؟ هل ما يحدث في فلسطين وقتل شعب أعزل سياسة؟ هل ما يحدث في بورما سياسة؟ هل ما يحدث في اليمن سياسة؟ هل ظهور داعش سياسة؟ هل الصمت على الانقلاب على الديمقراطية سياسة، هل الاعتقالات للآلاف من أصحاب الرأي سياسة؟ فهنا هل النظام العالمي يلعب سياسة أم إجرام في حق شعوب مسالمة مجرد أنها تملك خيرًا؟

لعل ما يفهم سياسة أن خطاب ترامب وأهانة المملكة وملكها في ولا يتين أمريكتين، بأقل من أسبوع من مقتل خاشقجي، يعرف أن هناك صفقة لتصفية المعارضين والقابعين في سجون المملكة من رموز إسلامية وفكرية، والدليل الأكبر صدور أحكام إعدام بحقهم، وهم عدد كبير، فلابد من موافقة الأم أمريكا، في ظل اعتراف الصبى بأنه تابع لهذا النظام، فالصفقة تخلص وانفرد وأعطينا المليارات والاستثمارات، وهذا يعد أكبر دليل بعلم النظام الأمريكي بما ستقدم عليه المملكة من تصفية خاشقجى وغيره من المعارضين، هل دم المسلم لهذه الدرجة رخيص؟ هل هذه سياسة أم إجرام؟ هل السكوت على تكتيم الأفواه والاعتقالات في مصر وغيرها من بلدان العرب هل هذه سياسة؟ أم برضا من الغرب وفرح بذلك؛ لأن من يحكمونا هم من ولوهم وأبناءهم المخلصين، فسياستهم: نحن لا نحكم الشعوب، ولكن نحكم من يحكم الشعوب. فهنا يعرفون قيمتنا إذا استيقظنا من نومنا العميق، لعل يكون جمال خاشقجى أيقونة تشعل حماس المسلمين والعرب، وتجعلهم يحررون أنفسهم من هذا الاحتلال الداخلي والخارجي، وفضح كافة الأنظة السياسية.

https://www.youtube.com/watch?v=Pepl86Lc1j8

مقتل جمال خاشقجي حادثة وقعت في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، في القنصلية السعودية في إسطنبول بتركيا. ظل مقتل جمال خاشقجي غير رسمي، حتى صدر بيان من النيابة العامة، ويأتي إعلان وفاة الصحافي السعودي جمال خاشقجي بعد اختفائه، الذي شوهد آخر مرة وهو يدخل إلى القنصلية السعودية في إسطنبول للحصول على وثائق لإتمام زواجه، وقالت خطيبته التي كانت تنتظره في الخارج وقتها: إنه لم يخرج من القنصلية، وقدمت السلطات التركية والسعودية روايات متضاربة حول مكان خاشقجي، حتى إعلان خبر وفاته، حيث قالت أنقرة إنه لم يخرج من مبنى القنصلية السعودية الذي دخله، بينما أصرت الرياض على أنه غادر بعد وقت وجيز من إنهاء إجراءات معاملة متعلقة بحالته العائلية.

هل هذا فخ للسعودية بأن تقتل أبناءها؟ وتخسر وجودها في قلوب كل الأحرار، وتخسر ثقلها الديني من قلوب المسلمين في كل مكان، فيريدون سعوديه بين كماشة السنة والشيعة وتبقي منفردة ليتمتعوا بأموالها وبترولها، اللهم ارحم السعودية وشعبها من جهل من يحكموها في هذه الفترة، فتعاني هذه البلاد التي تمثل لكل مسلم ثقلًا دينيًا، فجاءوا بمن يحتل حرم المسلمين ويطيعهم، فهم لا ينسون فكرة الجهاد المقدس التى أرعبتهم عندما أعلنتها الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى من بلاد الحجاز، فتحكم الآن بتهور صبية لا يعرفون في السياسة غير اسمها. وعقول أطفال تحكم بلدًا تمثل لكل مسلم كل شيء، حفظك الله بلاد الحرمين ممن يحكموها قبل أعدائها.

ولعل دور تركيا هنا واضح، وذلك بعد مرور يومين من تنفيذ الجريمة، وعرفت كل تفاصيلها، ولديها كافة الأدلة على إدانة النظام السعودى، ولكن نحترم تركيا ونبنى عليها أملًا كبيرًا، ولكن أخفقت هذه المرة فلعبت سياسة بعيدًا عن الإنسانية، واستغلت تهور الصبي لتركعه وتكبح جماحه أمام رغبتها في السيطرة على البعد الاستراتيجي العربي، فهذا ما نرفضه رغم احترامنا لها، فعليها أن تفضل الإنسانية على السياسة، إذا أرادت أن تكسب كل حر عربي، فأردوغان أرداد من وراء هذه الصفقة الواضحة، عندما قبل بقدوم الفريق السعودى للتحقيق والمشاركة معهم فى التحقيقات، رغم أنها تملك كل الأدلة من بعد ثلاث ساعات من تنفيذ الجريمة، بدليل تفتيش الاستخبارات التركية الطائرة الخاصة السعودية الثانية بلبس عمال مطار أتاتورك، وذلك نقلًا عن شبكة Cnn.

فأراد أردوغان كسب مميزات أكثر، قد تتمثل في كمية الصادرات للسعودية، وإنعاش الليرة أمام الدولار والاقتصاد التركي بعد هبوطه في الفترة الأخيرة، وخضوع المملكة للسياسة التركية، ومن الذكاء أنه لا يريد صفقة واضحة، وذلك بأن يأخذ مليارات الدولارات واضحة، بل يريدها عن طريق اتفاقيات اقتصادية تضمن حصص الوجود التركي في الاقتصاد السعودي، ويريد أيضًا كسر ابن سلمان، وتزعم المنطقه لأنها أقوى ظهير استراتيجي له في مواجهة أمريكا فيما هو قادم، وهذا دومًا ما يحرص عليه بخطبه السياسية المليئة بالحضارة والدين لا يقصد بها ود الأتراك اأما يقصد بها ود العرب لأن الأتراك لا يهمهم دينًا، ولا حضارةً؛ فهم شعوب تمكنت فيهم آفات الغرب وانفتاحه، ولا ينقذه عند المواجهة غير المسلمين. وهم يقرأون التاريخ جيدًا.

وأيضًا سيستغل هذه العملية في حل القضية القطرية بالضغط على المملكة لتتبنى حل المشكلة، خلال أشهر قادمة، حيث إن النظام القطرى أقرب نظام خليجي وفي لتركيا، هل السياسة والمصالح تمنع نظام رجب طيب أردوغان من إنسانيته وسرد الحقيقة كاملة وفضح النظام السعودي؟ أم يريد مليارات السعودية بدلًا عن أمريكا، ويراها حقًا للمسلمين فيأخذها لينعش اقتصاد دولة مسلمة؟ هل سيرجح أردوغان السياسة والمصالح أم الإنسانية والمبادىء؟

النظام السعودي سيدفع للأتراك والأمريكان، حتى ينقذ نفسه من السقوط المحتوم والرفض الدولي لوجوده، فسيدفع لنظام ترامب ولنظام أردوغان، وهذا على الأقل من شأنه أن ينقذه من خسارة العرش لبعض الوقت؛ لأن هذه المليارات كفيلة بأن تفقر المملكة اقتصاديًا، وسيتنازل النظام السعودي لتركيا لقيادة الشرق، فالنظام التركي سيستغل القضية سياسيًا في ظل ضعف الحكم الصبياني للمملكة ولمصر وهذا قمة الذكاء السياسي للأتراك مصالح شعوبهم وبلدانهم أولى واستغلال غباء الطرف الآخر، وسيتم الاستغلال كبعد سياسى واقتصادي واستراتيجي، فذهب خاشقجي في ظل سياسة المصالح غير الإنسانية. وضاع العرب عندما حكمهم الأغبياء وصمتت الشعوب على جهلهم.

الجاني السعودية والمجني عليه العرب في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، والقاضى تركيا، والمستفيد بالدولارات أمريكا، سيظل العرب ضحية غباء حكامهم، هل سيكون مفهوم السياسي الحديثي لا رحمة للإنسانية؟ هل خاشقجي سيغير سياسة التحالفات في السياسة العالمية؟ هل سيكون الصخرة التي تحطم عليها حلم محمد بن سلمان؟ هل ستتغير السياسة وطريقة التعامل مع الشرق؟ هل سيصدر قانون دولي لحماية المعارضين في سفرات بلدانهم في الخارج؟ أم سيصبح بداية لتصفية المعارضين العرب لأنظمتهم غير العادلة، وتكون عبرة صفقات سياسية؟ هل ينتصر أردوغان للإنسانية ويطيح بالمصالح السياسية أم ماذا؟ نتمنى ذلك ليثبت مبادئ ستعيش في أعماق أجيال وأجيال، هذا ما نراه في الأيام القادمة، حينما تستطيع  الإجابة على تلك التساؤلات بمفردك بدون توجهات إعلامية، أعلم أنك في الاتجاه الصحيح بالوعي بما يدور حولك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!