يتعجب الناس هذه الأيام من جرأة الأنظمة الحاكمة المحلية والدولية على ارتكاب أبشع الجرائم علنًا دون خجل، وأحب أن أنوه بداية أن هذه الجرائم كانت ترتكب منذ القدم بنفس الجرأة ولكننا نحن من لم نكن نعي.

تعد قضية اخفاء أو اغتيال الكاتب جمال خاشقجي رحمه الله حيًا أو ميتًا هي الأبرز عالميًّا هذه الأيام؛ إلا أنه قد تم تناولها من زاوية واحدة ألا وهي قصف كل قلم يتحدث باسم حرية، بالرغم من أن للقضية أوجهًا أخرى.

فخاشقجي لم يكن مجرد كاتب معارض كما لم يصنف هو نفسه؛ جمال كان كاتبًا ومعلقًا وإعلاميًّا ومحللًا سياسيًّا ذا ثقل، بدأ حياته منتميًا لجماعة الإخوان ثم انشق عنها. هذا الرجل عين نائبًا لرئيس تحرير صحيفة عرب نيوز ؛ثم تولى منصب رئيس تحرير صحيفة الوطن اليومية مرتين قصيرتين ثم أعفي منها. عمل مستشارًا إعلاميًا في لندن ثم واشنطن للسفير السابق الأمير تركي الفيصل الذي عمل من قبل رئيسًا للاستخبارات العامة السعودية.

أجرى جمال مقابلات خاصة مع زعيم القاعدة أسامة بن لادن في العديد من المناسبات قبل وقوع هجمات 11 سبتمبر. وأخيرًا شغل منصب المدير العام لقناة العرب الإخبارية التي يملكها الوليد بن طلال والتي لم يستمر بثها سوى ساعات معدودة.

وفي ظني أن مناصب كهذه لا يتقلدها شخص عادي، فلا بد أن يكون متداخلا مع رجالات الدولة بشكل كبير ليصل إليها.

إذن فإن ربط قتله بهذه الصورة الوحشية بخلفية أنه مجرد صحفي معارض هو أمر غير دقيق؛ فكم من مراسل قتل أمام الكاميرات وكم من آخر سجن واعتقل وعذب؛ وكم من صحفي طرد وأهين في مؤتمرات صحفية كبرى مصورة؛ وكم من كاتب ملقى في غياهب السجون؛ وكم من شخصيات كانت ملء السمع والبصر اختفت ولا نعلم عن مصائرها شيئًا، بل إن أحدًا لا يكلف نفسه عناء البحث عنها.

فجأة صار الأمين العام للأمم المتحدة قلقًا، وانهالت التصريحات من الدول الكبرى تندد بوحشية دولة السعودية وتطالب بالكشف عن مصير خاشقجي. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن شركات عالمية كبرى قررت أن توقف نشاطاتها وأن تنسحب من مؤتمر استثماري كبير كان مزمع عقده بالسعودية. هذه الدول نفسها شهدت بأم عينيها مذبحة رابعة على الهواء مباشرة ولم تنتفض، اليوم تتحرك مشاعرها الجياشة لقتل رجل واحد!

هذه الدول التي حركت جيوشًا جرارة لتتدخل في شئون دولة العراق ذات السيادة فقتلت وخربت وعاثت فيها فسادًا تتأوه لأجل اغتيال صحفي؟ هذه الدول التي اختنق أمام ناظريها أطفال سوريا بالغاز المحرم دوليًا واحترقت أجسادهم جراء استخدام الأسلحة الكيمائية و البراميل المتفجرة، وما زالوا يساومون على مصالحهم فيها، اليوم تقشعر أبدانهم لمقتل اعلامي؟! هل هذا يعقل؟!

القضية في نظري لا تخرج عن عدة مسارات

أولًا: تسعى الولايات المتحدة لحل مشكلاتها الاقتصادية على حساب السعودية التي تدفع فاتورة رغبتها العارمة في أن تكون أول الصف، وكبيرة المنطقة، والآمر الناهي؛ وفي مقابل هذه الريادة المشتراة طالبها ترمب بأن تدفع وإلا لن يحمي عرشها؛ وكرر ذلك في مناسبات عدة فيما يشبه فيلم عنتر ولبلب فصرنا نعد تهديداته إلى أن وصل للصفعة الخامسة!

تدفع المملكة كذلك في مقابل حماية أمريكا لها من داعش المنطقة الأول إيران؛ الذي يترك له الحبل فيملأ الدنيا نباحًا حينًا، وحينا يربط فلا تسمع له ركزًا، وهكذا ما بين الشد والجذب تبقى دول الخليج معلقة في أطواق أمريكا لا تستطيع فرارًا.

اعتمد الأمريكان من قبل قانون جاستا الذى يهدد السعودية بأن تحاكم باعتبارها راعية الإرهاب الأولى في العالم؛ ثم ها هم يلوحون بقانون نوبك ليضربوا الدول المصدرة للنفط وعلى رأسهم السعودية في مقتل؛ إذن فهي سلسلة إخضاع متتابعة متشابكة؛ وأظن أنه عندما تثار زوبعة قضية اغتيال كبرى كهذه، أنها تسير مع تيار إخضاع العالم الأول للمملكة ووفق سياسة ابتزاز ممنهجة، هذا إن لم يكن قد صنع عملية الاغتيال على عينه.

ثانيًا: لا تخرج قضية كهذه عن إطار ترتيبات صبورة وئيدة لتنفيذ خطة الشرق الأوسط الجديد، فإثارة القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية الصحافة في وسائل الإعلام الموجه طالما تجذب المتابعين وتلهب المشاعر؛ فتدفع العالم للإشارة بإصبع الاتهام نحو نظم دول بعينها تخل بهذه الحقوق ومن ثم يتم تأجيج المعارضة الدولية والمحلية ضدها، وتتزايد حدتها مع الوقت إلى أن تجد فرصة مناسبة لتسقطها، وتولد فراغًا في السلطة تنتشر على إثره الفوضى فتكون التربة خصبة لتنازع الأعراق والتيارات والايديولوجيات مما يمهد لتفتيت ما تم تقسيمه في سايكس بيكو.

ثالثًا: إن أفظع ما أفرزته موجة السخط على المملكة أن رايتها التي تحمل قلب عقيدتنا صارت تقرن بأعمال القتل والذبح والوحشية؛ وصار العالم يتحدث عن أرض مقدسات المسلمين التي تقتل معارضيها وتقطعهم بالمناشير؛ لتعطي الفرصة لكل مهووس أن يتفوه بما يدمي قلب كل مسلم، لتعود المطالبات بتدويل مكة بعد أن أعيد فتح الملف حين منعت السعودية حجاج قطر من الحج والعمرة لأسباب سياسية؛ وتأتي هذه القضية لتسكب الزيت على النار.

كقاعدة عامة؛ لا يحدث أمر يأخذ كل هذه المساحة من التداول على المنصات الصحفية والاجتماعية إلا إذا كان وراءه ما وراءه. فالحدث يخطط ليصيب عددًا من العصافير بحجر واحد. في ظني أن لهذه القصة احتمالين؛ إما أن صغير السعودية المدلل أطلقت يده ليخطف ويعتقل كبارا في دولته وليعربد أقزامه هنا وهناك عن عمد ليقع في النهاية في شر أعماله، فيوهمه من شجعوه ورسموا له الخطة أن الأمر سيمر كما مرت حوادث مشابهة من قبل في تاريخ البلاد؛ فيتخلص من ذاك المعارض الثقيل الخطر أو كما صوروا له، ويحرج تركيا ويضعها في موقف لا تحسد عليه فيثير اللغط حولها ويضعها في موقف المتهم باختفاء أحد رعاياه على أراضيها، وإما أن يكون كمثل مجرم قتل كثيرين ولكن لسوء حظه قبضوا عليه في جناية لم يرتكبها؛ حبكها معلمه الكبير ليتخلص منه.

وحين نتكلم عن جريمة بهذه البشاعة لا يجب أن نغفل أن الطائرتين اللتين حملتا على متنهما فريق العملاء السعوديين إحداها حطت في دبي والأخرى فى القاهرة؛ ولا يظن أحد أن مصر لا تصارع المملكة من الباطن، فتلك حرب دائرة حول الزعامة في المنطقة منذ أيام محمد علي ولم تنته إلى اليوم؛ أو أن الإمارات تحمل في قلبها للسعودية مودة ورحمة، فطموح تلك الدولة الصغيرة يفوق تاريخها القصير.

قالوا إن تسجيلات جريمة القتل بين يدي السلطات التركية والمعلومات لدى أمريكا وبريطانيا ويتساءل الجمهور، من يا ترى سينتصر القيم أم المصالح؟

وأقول؛ بالطبع ستنتصر المصالح؛ عندما تتحدث السياسة العالمية الوحشية؛ فلا مجال للحديث عن قيم؛ وإن كانت تركيا تحاول أن تتجنب سقطات الأخلاق إلا أنها لا تستطيع أن تفرض قوانينها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!