إذا كان مقتل صحافي بالنسبة للغرب سيحصل على 9 درجات من أصل 10 بالمقاييس الغربية من حيث فظاعة الجريمة، فإن مقتل صحافي بأيدي دبلوماسيين على أراض أجنبية، وتقطيعه، وربما تورط زعيم دولة أخرى، يحصل على 15 درجة من أصل 10 بتلك المقاييس. هكذا يرى المحلل السياسي الروسي ألكسندر نازاروف في مقال نشر له على موقع روسيا اليوم، مجيبًا على بعض أسئلة العرب عن سبب الاهتمام الغربي الكبير بمقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية.

هذا الاهتمام يرتكز على محورين رئيسين، وهما مكنونة القتيل الصحفية، ومنطقة قتله الدبلوماسية، حيث لا يتقبل أي مجتمع حر أن يقتل صحافي نتيجة عمله ورأيه – على عكس مجتمعاتنا العربية – فضلًا عن كون هذا المجتمع الحر لم يكن يتصور أن ينقلب هذا الملجأ الدبلوماسي إلى مصيدة لقتل المخالفين في الرأي، لتجد الخارجية السعودية والعربية نفسها أمام تحدٍ لم تواجه مثله قط، فهي مطالبة أمام العالم بأن تشرح أسباب تحول مناراتها الدبلوماسية لمصائد يقتل فيها المعارضين.

هذا التحدي أشد ضراوة لهذا الذي واجهته الخارجية السعودية بعد تأكد ضلوع 15 مواطنًا سعوديًا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وأصعب من ذاك الذي واجهته الخارجية المصرية بعد الإطاحة بأول رئيس منتخب في يوليو (تموز) 2013، ويحتاج جهدًا يتضاعف بعشرات المرات عن هذا الجهد الذي تبذله سوريا منذ سنوات في الأمم المتحدة.

طيلة الأيام العشر التي تلت اختفاء جمال خاشقجي، صمت عادل الجبير وزير الخارجية السعودي، تاركًا الحديث لأبناء سلمان محمد ولي العهد و خالد سفير المملكة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكأن صمته محاولة منه ومن وزارته فهم غيابات الجب التي انزلقوا فيها بقتل خاشقجي داخل مبنى القنصلية، وكيف له أن يخرج؟ ولكن لندع الجبير في بحثه عن طريقة للخروج، ولنبحث نحن عن رؤية الخارجية العربية المعارضين وكيفية التعامل معهم؟

عدت بهذا السؤال لمقولات كتبها عمرو موسى وزير خارجية مصر الأسبق وأمين جامعة الدول العربية الأسبق في كتابه كتابيه، أولاهما عن قبوله بالخارجية والذي أتى بعد تحريات أمنية للتأكد من عدم قيامه بأي نشاط سياسي من الذي تعتبره الدولة موجها ضدها، وثانيهما عندما تبادل الأرقام مع مواطنين مصريين في جنيف السويسرية إبان عمله ملحقًا في السفارة المصرية قائلًا: وأنا لا أضع في اعتباري أن يكون من بينهم من يقوم بنشاط معادٍ للحكم في مصر مشيرًا إلى أن السفير فتحي الديب – بعد إبلاغه من الأجهزة الأمنية المصرية – طالبه بقطع علاقته بهؤلاء فورًا نظرًا لكونهم من الإخوان المسلمين المعارضين للنظام المصري.

(نشاط سياسي معاد للحكم) بتلك الجملة تقطع الخارجية المصرية أي علاقة بها وبمواطنيها، ولهذا لا عجب مما يقصه المعارضين المصريين من وصف لمعاناتهم داخل سفارات وطنهم، فالمدرسة المصرية التي طالما ظلت معلمًا لمثيلاتها في الوطن العربي تؤمن بتحكم الأجهزة الأمنية حتى في الخارجية وعملها، ليصير أمر قتل خاشقجي داخل قنصلية بلاده أمرًا تقليديًا لدى مواطنين لا يرون عجبًا في قتل مواطن في قسم شرطة.

نسي جمال الذي طالما تنقل بين أروقة النظام السعودي القاعدة الأولى لدبلوماسيتنا العربية، بأنه لا يهم أن تحب الوطن ولا يهم ما تصف نفسك به، بل يهم ما تمارسه من نشاط، وما يمثله هذا النشاط في نظر الحاكم بغض النظر عن أهميته من عدمها للوطن، ولكنه في نسيانه هذا لم ينه حياته فقط، ولكنه أنهى حياة الخارجية العربية التي أنهكتها تحكم الأجهزة الأمنية للأنظمة القمعية، التي لا تؤمن بحق الإنسان في الحياة.

رحم الله جمال الصحافي وسطي الرأي رفض أن يوصف بالمعارض السعودي، واهمًا أن رفضه الوصف يبعده عن نظرتهم له بأنه (ذو نشاط معاد)، رحمه الله أحب الوطن دون أن يبادله الوطن هذا الحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد