قُتل أم لم يُقتل؟ سؤال حيّر العالم أو كما بدا أنهم مهتمون به. حسمت السعودية الأمر بإعلان مقتله في القنصلية بسبب شجار دار بين خاشقجي وبين المحققين. الرواية التي لم يصدقها أحد، ولم يتقبلها المجتمع الدولي ولا الأمم المتحدة. قضية قد جعلت العالم يهيج على السعودية، مطالبًا إياها بكشف حقيقة مقتل خاشقجي.

لن أتطرق هنا لملابسات القضية فكل يوم ينكشف شيء جديد عن القضية، والكلام فيها الآن لن يقدّم ولن يؤخّر. سأتكلم فقط عن ما يسمى المجتمع الدولي الذي قام ولم يقعد لأجل هذه القضية، هل خاشقجي كان المعارض الأول الذي تخفيه السعودية؟ أم إنه كان المغدور الأول من قبل الأنظمة القمعية العربية؟ حقًا لم يكن كذلك، فكم من خاشقجي قد أُخفي، وكم من خاشقجي قد قٌتل غدرًا. إذًا لم هذا النفاق؟ لماذا انتفضوا الآن لأجل حقوق الإنسان؟ هل خاشقجي فقط هو الإنسان الذي هُدرت حقوقه؟ ما أشبه اليوم بالبارحة، وما قضية عهد التميمي عنّا ببعيد، فقضية خاشقجي تشبهها كثيرًا في الشهرة الواسعة التي أخذها كلاهما.

في الأيام السابقة، وبالتوازي مع قضية خاشقجي، قُتل أكثر من 60 شخصًا في دير الزور بسوريا في قصف للتحالف الدولي على مسجدين هناك، أطفال وشيوخ قتلوا بيدِ من يتحدثون عن حقوق الإنسان ليل نهار، ولم نسمع أحدًا يُدينُ هذه المجزرة بحق السوريين.

السعودية التي قامت عليها القيامة خلال هذه الأيام بسبب خاشقجي، ما تفعله في اليمن من قتل بهمجيةٍ للمدنيين تحت ما يسمى بالتحالف العربي، الذي يستهدف الأطفال ويحاصر اليمنيين جوًا وبحرًا، والذي تسبب في انتشار مرض الكوليرا التي تفتك بشخص كل ساعة في اليمن، لم تُزعج كل هذه الجرائم غفوة المجتمع الدولي، ولكنه أفاق وبمزاجٍ سيء على قضية خاشقجي.

رائحةُ الدمِ تفوح من مصر أيضًا، مئات بل الآلاف قد قتلواعلي يدِ نظام دموي، قد سانده في ذلك المجتمع الدولي الذي اكتفي بالإدانة للمجازر التي فعلها النظام بحق المعارضين، مئات المختفين قسريًا لا يعرف ذووهم مكانهم، وظهورهم فقط يكون في المشرحة بعد تصفيتهم، ألم تحركهم أسماء البلتاجي لحظة منازعتها لروحها؟ ألم تحركهم دموع الطفل الذي فقد أمه أمام عينه؟ ألم تحركهم رابعة والنهضة وعربة الترحيلات؟ وحرّكهم قتل خاشقجي؟!

ومن مصر إلى غزة الجريحة، التي يسقط فيها شهداء بشكلٍ شبه يومي على يدي قوات الاحتلال، فلا نسمع من المجتمع الدولي إلا همسًا.

مجلس الأمن أصبح منصة للقتلة يبررون من على منصته قتلهم لآلاف البشر، فمنذ أيام رأينا سفير النظام السوري والسفير السعودي لدى الأمم المتحدة يتشاجران، كانت المشاجرة في البداية بسبب اقتراح السفير السعودي في بيانٍ له وضع دستورٍ لسوريا. فقام السفير السوري بالرد عليه بالمثل العربي «إذ بُليتم بالمعاصي فاستتروا» مبررًا ذلك بأن السعودية ليس لها دستور ولا برلمان ولا حتى اسم للبلاد، ثم تطرق إلى احتجاز رئيس الوزراء اللبناني في السعودية، وسجن كثير من الأمراء ورجال الأعمال، ثم ذهب إلى قضية خاشقجي وإخفائه من قبل النظام السعودي. ثم يأتي الرد من قبل السفير السعودي فيقول: تتكلم عن اختفاء صحفي واحد، وأنتم تخفون آلاف الصحفيين. وكأن القضية عنهم في عدد القتلى فقط، ألا يعلمون أن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا! كيف لهؤلاء أن يكونوا بشرًا؟

سيبقي الطفل الذي قتلتم أباه وشردتم أمه يعاديكم، سيكبُر ويكبُر معه غضبه وانتقامه، سيأتي اليوم الذي يقفُ فيه الطفل السوري بجانبه الطفل اليمني وأمامه الفلسطيني ومعه المصري وبينهم العراقي وباقي أطفال العرب الذين قتلتم طفولتهم، ليقتصّوا منكم.

ابحثوا عن خاشقجي في أطفال اليمن، ابحثوا عنه في أطفال سوريا وغزة، ابحثوا عنه في أطفال بورما، بين صرخات أم فقدت ولدها، بين بكاء طفل فوق جثة أمه التي قتلت غدرًا، بين مئات الغرقي الذين حاولوا الهرب من بطش أنظمتهم.

الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهم من منظمات المجتمع الدولي، لم تكن يومًا بجانب المظلومين والضعفاء، دائمًا ما تقف بجانب من لها مصالح معه، فكل قراراتها تأخذ خلف الكواليس بين الحلفاء وبعضهم وليس في جلساتها. من يعوّل على الأمم المتحدة فإنه سيرجع دائمًا بخفي حنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد